آفاق المصالحة بين فتح وحماس

  • الإثنين 15 يناير 2018 12:12 م

آفاق المصالحة بين فتح وحماس

معهد كارنيغي

مع دخول الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس عامه العاشر، وتراجع الفرص الجدية لتحقيق المصالحة، تظهر بين حين وآخر مبادرة محلية أو إقليمية، لطي صفحة هذا الانقسام، والمضي قدماً في توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، كما كان عليه الحال قبل العام 2007.

لكن هذه المبادرات المحلية والإقليمية غالباً ما تصطدم بجملة من المتغيرات والعقبات التي تجعل من المصالحة حلماً غير قابل للتحقق، وتفرض واقع الانقسام بين فتح وحماس كابوساً يكاد يكون أبدياً على الفلسطينيين. ستحدّد عوامل عدّة آفاق المصالحة، من ضمنها الأزمات الإنسانية التي تشهدها غزة، وسيطرة حماس على القطاع، وسلاح كتائب عز الدين القسّام، جناح حماس العسكري، وصعود التيار العسكري في حماس.

يعيش قطاع غزّة في الأشهر الأخيرة أزمات إنسانية متلاحقة، تشمل أزمة الكهرباء المتواصلة؛ والقيود الصارمة على حركة العبور من وإلى غزة، من ضمنها السفر خارج القطاع لتلقّي العلاج الطبي؛ وتدهور قطاعَي التعليم والرعاية الصحية؛ والمشاكل البيئية، بما في ذلك تلك المتعلقة بمياه الشرب وإجراءات معالجة الصرف الصحي. وشهد القطاع تبادل اتّهامات بين حماس وحكومة التوافق حول الطرف المسؤول عن هذه الأزمات المتجددة.

لكنّ الجديد في تبعات أزمات غزّة الإنسانية المتفاقمة هو مطالبة السلطة الفلسطينية حماس بتسليم القطاعات الحكوميّة الحياتيّة والإداريّة في غزّة إلى حكومة التوافق. وقد حال الخلاف الذي نشب بين الطرفين حول هذه المسألة دون التركيز على الأزمات الإنسانية. وترافق ذلك مع إعلان حماس عن تشكيل اللجنة الإدارية لتسيير الوزارات الحكومية في غزة، لأنها تتهم السلطة الفلسطينية بأنها غير جديّة في مساعيها لإنهاء مشاكل غزّة، عن جهوزيّتها الكاملة لتسليم القطاعات الحكوميّة والوزارات في غزّة للحكومة، شرط أن تلتزم الأخيرة بمسؤوليّاتها تجاه القطاع– بما في ذلك تلبية الحاجات الإنسانية الملحّة.

ثمة عدد من الأسئلة الشائكة التي ينبغي حلّها قبل أن تسلّم حماس الوزارات الحكوميّة في غزّة، وتقوم بحل اللجنة الإدارية الحكومية، وتتمحور هذه الأسئلة تحديداً حول كيفية تسليم المرافق الحكوميّة قبل إنجاز المصالحة المجتمعيّة الحقيقية بين الفلسطينيين، الخاصّة بتسوية حوادث القتل بين فتح وحماس خلال أحداث الانقسام في العام 2007، والتي أسفرت آنذاك عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى. وعلى المصالحة أن تتطرق أيضاً إلى طبيعة العلاقة بين مقاومة حماس وسلاحها وبين الحكومة الفلسطينية، وإلى مستقبل موظّفي القطاع العام في غزّة، الذين اتخذت السلطة الفلسطينية قراراً بخفيض رواتبهم في نيسان/أبريل 2017.

على الرغم من المفاوضات التي جرت بين السلطة الفلسطينية وحماس للتوصّل إلى اتفاق مصالحة في العام 2014، لا تزال غزّة تحت سيطرة حماس، سياسيّاً وإداريّاً وأمنيّاً. صحيح أن حكومة حماس استقالت ضمن اتّفاق مصالحة في العام 2014، لكن لديها حكومة ظلّ، مكوّنة من وكلاء الوزارات، وفي مارس 2017 أعلنت حماس تشكيل ما عرف باللجنة الإدارية لتسيير عمل الوزارات في غزة، ما يعني أن الحكومة الشرعيّة القائمة في رام الله ليس لها وجود فعلي في غزة.

وهكذا بدل الدخول في تفاصيل حل الأزمات الإنسانية المتلاحقة في غزة، ظهرت حالة من الخلاف بين حماس والسلطة الفلسطينيّة حول تسلّم غزّة، بل إن بعض أوساط صنع القرار في فتح تعلن بدون مواربة أنه لا مصالحة مع حماس قبل أن تسلّم قطاع غزّة إلى السلطة الفلسطينيّة، وقبل إلغاء تشكيل اللجنة الإدارية. في المقابل، تدافع حماس عن نفسها بالقول إنها تنازلت في العام 2014 عن حقّها الدستوريّ بقيادة الحكومة لإنهاء الانقسام، ولديها خشية من أنّ الحكومة تطلب ذلك لإخراج حماس من النظام السياسيّ الذي دخلته بشرعيّة صندوق الانتخابات وشرعيّة المقاومة.

واجهت حماس، منذ أن سيطرت على غزّة في 2007، مسائل ترتبط بمدى صوابية وشرعيّة حكمها المستمر هناك. مثلاً، هل تتحمّل الحركة مسؤوليّاتها الإنسانية على الرغم من الكلفة الماليّة الباهظة لحكمها، والحصار المفروض على أراضيها، وأوضاعها الماليّة الصعبة؟

بالنسبة إلى حماس، لا تبعث هذه الأسئلة الراحة في نفسها، إذ إنها تخشى من أن تسليم غزّة إلى السلطة الفلسطينية سيكون خطوة على طريق نزع سلاحها. بيد أن هذا الأمر يبدو مستبعداً، فالسلطة الفلسطينية لا تملك الوسائل لنزع سلاح الحركة، التي تمتلك ترسانة عسكريّة ضخمة في غزّة. ولايزال لدى حماس تخوّف حقيقيّ من أنها لن تحصل على شيء يُذكر مقابل ما تراه تنازلاً ضخماً، شارحةً بذلك سبب تردّدها في إبرام اتفاق مع السلطة الفلسطينية. ووسط السجال الدائر بين الطرفين، منعت الأزمة السياسية إحداث أي تحسُّن في الأزمة الإنسانية في غزّة.

وقد خلت جميع اتفاقات المصالحة بين فتح وحماس من الحديث عن القضيّة الخلافيّة الأكبر وهي مستقبل سلاح كتائب عز الدين القسّام، جناح حماس العسكري، انطلاقاً من رغبة الطرفَين بعدم جعلها عائقاً في طريق إنجاز المصالحة.

مع ذلك، شدّد الرئيس محمود عباس على أنه يتعيّن على حماس أن تضع سلاحها بيد السلطة، إذ لا بدّ من أن تملك الحكومة وحدها الحق في استخدام السلاح. في المقابل، تعتبر الحركة أن طلب التنازل عن هذا السلاح من المحرّمات، مؤكدةً أن المصالحة لن تؤدّي لخضوع مسلحي القسّام لسلطة عباس. فالمصالحة لن تكون على حساب جناحها العسكريّ الذي تعتبره "الجيش الوطني لدولة فلسطين". وفي حال أُجبرت الحركة على الاختيار بين المصالحة وبين الاحتفاظ بترسانتها، ستُفضّل على الأرجح الخيار الثاني.

في هذا الإطار، لم يؤدِ صعود الجناح العسكري لحماس في الانتخابات الداخلية الأخيرة سوى إلى ازدياد حدّة الانقسامات في ما يتعلق بالسلاح. ويعود السبب في ذلك إلى منح العسكريين في حماس حق الفيتو ضدّ أيّ تقدّم في مفاوضات المصالحة، من شأنه السعي إلى نزع سلاح الحركة. علاوةً على ذلك، يتذكّر العديد من عناصر حماس تجربة كتائب القسام القاسية مع السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي، حين تمّ اعتقال المئات منهم.

نتيجةً لذلك، سعت الحركتان، فتح وحماس، إلى إيجاد حلول بديلة، وبحثتا في صيغ يمكن التوافق عليها، تتمثل بإمكانيّة استنساخ نموذج تأقلم حزب الله والجيش الوطني في لبنان ليعتمد كحلّ في غزّة، من دون أن تتضمّن إشارة لنزع سلاح حماس أو دمجه في الأجهزة الأمنيّة. بالفعل، تبذل قيادة حماس جهوداً حثيثة لطمأنة قيادات القسام بأن الحفاظ على سلاحهم سيشكّل أولوية قصوى.

هذه أبرز الملفات العالقة في المصالحة التي طال انتظارها بين فتح وحماس، والتي مازالت، إلى جانب متغيرات أخرى، تشكّل عقبات كأداء. وهذا يعني أنه بدلاً من تجاوز خلافاتهما، سيضطر الطرفان إلى الاستمرار بكل بساطة في إدارتها حتى إشعار آخر.