البنية الثقافية والفكرية للمقاومة الفلسطينية : انتفاضة الحجارة 1987-1993

  • الإثنين 15 يناير 2018 11:48 ص

البنية الثقافية والفكرية للمقاومة الفلسطينية

دراسة حالة: انتفاضة الحجارة 1987-1993

 

بجانب الدور الاستراتيجي الذي قامت به الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، فقد اضطلعت بدور رئيس على الصعيدين الوطني والأكاديمي في مجرى العملية الكفاحية ومسيرة المقاومة، التي استهدفت دحر الاحتلال وانتزاع حقوق الشعب العربي الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، فالترابط والتكامل العضويان صاغتهما وقائع الحياة داخل الأرض المحتلة.

وجاءت برامج الجامعات والمؤسسات الثقافية لتجسد طبيعة التحدي الحضاري على أرض الصراع، وبالإضافة لاهتمامها بالمستوى الأكاديمي والبرامج التعليمية، فقد أولت عناية خاصة للقضية الوطنية، حيث تدرس مقررات موجهة لتعميق انتماء الطلاب لوطنهم وربطهم بقضيتهم المصيرية، ودراسة الظاهرة الصهيونية دراسة منهجية أكاديمية، والتعرف الواعي على الجوانب السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للصراع العربي الإسرائيلي.

هذه الدراسة تحاول تسليط الضوء على الجوانب الفكرية والأبعاد الثقافية للمقاومة الفلسطينية خلال فترة انتفاضة الحجارة، التي وقعت بين العامي 1987-1993، بعد ان غابت عن الكثير من الدراسات العلمية التي ركزت على الجوانب السياسية والعسكرية البحتة،، إضافة لاستعراض أبرز الأشكال الثقافية والفكرية التي انتهجتها المقاومة، فضلا عن طبيعة التعامل الإسرائيلي معها خلال تلك المرحلة،،

 

أولا: الدور المقاوم للمؤسسات الثقافية والتعليمية

واستطاعت الجامعات وباقي المؤسسات الثقافية والتعليمية أن تكون قلاعا حصينة للعمل الوطني، وقواعد لتخريج مئات الكوادر المؤهلة علميا ومهنيا، والمختزنة للخبرات والتجارب السياسية ذات الطابع الكفاحي والمقاوم، من خلال تصديها لإجراءات الاحتلال وقواته، وتعرض العاملين والطلبة لممارسات القمع المختلفة، مما صلب من قناعاتهم وتماسكهم الداخلي والنفسي، وأدى إلى عجز سلطات الاحتلال من التمكن من تمرير سياساتها وبرامجها رغم إجراءاتها التعسفية.([1])

كما أدت المؤسسات الأكاديمية والثقافية دورا طليعيا في إشعال الانتفاضة، وكان لهذا الدور جذور تاريخية، تمثل في نجاحها في صهر المنتسبين لها من المثقفين والأدباء والكتاب والأكاديميين، من القرى والمدن، الجنوب والشمال، المخيم والقرية، فخلقت مجتمعا ثقافيا قادرا على المساس بقوات الاحتلال في طول البلاد وعرضها، لاسيما الجامعات، التي انتهجت أشكال العمل التطوعي المنظم، وربطت بين العمل الفكري واليدوي، بين الزراعة والصمود، وعلى مدار السنة يذهب الطلبة للمخيمات والقرى لتنظيف الشوارع، وبناء منازل هدمها الاحتلال، أو للمساهمة بالزراعة وموسم الزيتون، وأدى ذلك إلى نمو العقيدة النضالية والوعي الوطني للطلبة والمثقفين على حد سواء.([2])

كما لعبت الجامعات الدور البارز في تشكيل صيغ المواجهة والنضال الجماهيري الأكثر عمومية وتنظيمية وانضباطاً، وغدت حاضنات للمقاومة مكنت المعتقلين من إعادة إنتاج تجربتهم في أوساط شعبهم، فتصدرت الحركة الطلابية المسيرة النضالية حتى أن خريجيها الذين استطاعت المؤسسات استيعابهم لعبوا دوراً في تصليب عود الحركة الوطنية، وأدوا دوراً بارزاً في نقل وترجمة التجربة الجامعية النضالية لفعل شعبي مؤطر على مستوى مواقع سكناهم يداً بيد مع المعتقلين والكادر المتنافي في مواقع سكناهم.

وقد ساهم ذلك بفعالية في جسر الهوة التي تحول دون دخول فكرة الثورة ومقارعة الاحتلال لكل أسرة وبيت، في سياق تعبوي مستمر وبتفاعل جاد عمل على اختصار فكرة السرية في العمل النضالي المؤهلة للاقتراب من الشعب وليس فقط في إطار النخبة، كل ذلك دفع الاحتلال لإغلاق كل المؤسسات التعليمية في الأرض المحتلة.([3])

وهكذا، غدت المؤسسات الأكاديمية والجامعات منارة علمية وثورية في آن واحد، لاسيما وأن ناتجها البشري وصل إلى وجود ما لا يقل عن 17 ألف طالب جامعي، بحيث تحولت لوحدها إلى بنية ثقافية تعليمية من الدرجة الأولى، وتشكل منارات عملية تربي القادة الوطنيين، وبؤرا للعمل الوطني بهدف نشر الوعي السياسي، ومؤسسات للخدمة الاجتماعية الضرورية، مما جعلها في صدام دائم ويومي مع قوات الاحتلال، الأمر الذي عمق الروح الجماعية التضامنية لدى طلابها، مما دفع بقيادة الاحتلال لمحاولة ضرب الحركة الطلابية ودورها البارز في الانتفاضة وقيادة المقاومة، فلجأت إلى محاولات إضعافها وضربها، فقامت بإبعاد عدد واسع من أعضاء قيادة الانتفاضة، ولجأت إلى تصفية رموزها.

كما أدت حالة التسارع والاتساع التي أصابت القطاع الطلابي والتعليمي في الوطن المحتل، إلى بروز قوى جديدة يستخدم لها تعريف يسمى بالأطر الطلابية، بحيث غدت الحركة الطلابية في مرحلة الانتفاضة هدفا للقوى والفصائل، مما أدى لبروز تشكيلات ارتبطت بشكل أو بآخر بهذه القوى السياسية، ومن أهم تلك الأطر:

  • جبهة العمل الطلابي التقدمية التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،
  • كتلة الوحدة الطلابية التابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين،
  • الكتلة الإسلامية التابعة لحركة المقاومة الإسلامية حماس،
  • حركة الشبيبة الطلابية التابعة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح،
  • الجماعة الإسلامية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي.([4])

            علما بأن تطور الأحداث في الأراضي المحتلة أشار إلى أسبقية اندلاع الانتفاضة الطلابية قبل الانتفاضة الشعبية، ويمكن الإشارة إلى سقوط عدة شهداء في العام الذي سبق اندلاعها في أواخر عام 1987، حيث شنت سلطات الاحتلال حملات اعتقالات كبيرة في أوساط الطلاب، وإغلاق للجامعات والإقامات الجبرية على القيادات الطلابية البارزة.

كما أقرت المصادر الإسرائيلية بالدور الطليعي الذي اتخذته الحركة الطلابية، حيث أصبحت رأس الحربة في مواجهة الاحتلال بشكل يومي على مدار العام كله، لاسيما وأن التعليم أصبح خارج سيطرة الإدارة العسكرية الإسرائيلية، كما أن الطلبة الجامعيين خاصة المعتقلون منهم حين يعودون إلى بيوتهم يجلبون معهم النظريات التنظيمية والفكرية، وبالتالي شكلوا القوة المحركة والدافعة للتنظيم في أماكن عديدة في سياق الانتفاضة.

لقد شغلت الحركة الطلابية في الوطن المحتل دورا بارزا في الانتفاضة، والحديث عن أرقام ونسب لها في تشكيلات الانتفاضة يوفر صورة بالغة الإشارة لدورها، فإذا كانت نسبة الجامعيين المعتقلين قبل الانتفاضة بلغت 20%، فقد قفزت وفق المصادر المختلفة إلى أكثر من 70% في العام الأول للانتفاضة، إلى جانب عدد من المبعدين والشهداء.([5])

من جهة أخرى، صدرت قرارات عسكرية عديدة باعتبار البنى الجماهيرية خارجة عن القانون، ومنها الكتل الطلابية في الجامعات، بحيث يتعرض من ينتمي إليها للعقوبة بتهم أمنية، كما صدرت قرارات إبعاد عدة بحق قيادات الأطر الجماهيرية والأطر الطلابية المختلفة، وفي حين كانت الحركة الطلابية على رأس الأطر الجماهيرية التي تحملت مسؤوليات كبرى في بداية الانتفاضة، فقد برز عدد كبير من قيادات الانتفاضة من هذه الأطر.

ثانيا: أشكال مشاركة المثقف في المقاومة

حفل إرث الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها بتاريخ غزير وتراث غني من أدب المقاومة، باختلاف مسمياته وأصنافه، ومع ذلك نشأ إلى جانب المقاومة خلال فترة الانتفاضة أدب وفن خاصان بها، شهدا تطورات هامة خلال سنواتها، وأسسا لمرحلة لاحقة لاشك أنها ستكون أكثر ثراء، وأكثر غنى، وأكثر تعبيرا عن التجربة الحية للمقاومة الوطنية كجزء لا يتجزأ من مسيرة الكفاح الذي خاضته الحركة الوطنية منذ أوائل القرن العشرين.([6])

ويمكن تركيز أبرز أشكال المقاومة الثقافية والأدبية في المجالات التالية:

  1. القصة والرواية

وقف المثقف مع الانتفاضة منذ اندلاع شرارتها الأولى، كإنسان مطارد يشعر بالقمع أكثر من غيره، أو مثل غيره، وانخرط في جوها العام بفكره ورأيه، وقدم ما أمكنه وما أملاه عليه دوره الوطني.

وهكذا، انعكست المقاومة والانتفاضة بمفرداتهما وظلالهما على صفحات القصائد والقصص التي كتبت في ظلها، وهنا يكرر الكاتب ألفاظ الحجر، الشهيد، الإطار المشتعل، الرصاص، المظاهرة، الغاز، الشوارع، وبالتالي أصبح أدب الانتفاضة وإنتاجها الثقافي أحد المصادر الهامة لدراسة حركة المقاومة ومجتمعها، وبالفعل عكس الأدب والمسرح والفولكلور والفن التشكيلي بؤر المقاومة ومنطلقات الانتفاضة.

وجاء كتاب القصة والروائيون والشعراء والفنانون التشكيليون وفرق الفنون الشعبية والزجالون، هؤلاء الذين حملوا الوطن بين أعمالهم، وعلى ألسنتهم، وفي مداد قصصهم وقصائدهم وأعمالهم الفنية وفي أزجالهم وحلقات دبكاتهم، فأرخوا للانتفاضة والمقاومة، وتغنوا بالوطن والثورة، ومجدوا الوجدان الثوري الرافض للضيم والهزيمة..([7])

كان هذا الدور المتوقع من الثقافة والمثقفين ليشكلوا بنية حقيقية للمقاومة التي اندلعت في الأراضي المحتلة، وتضيف إسهاما في تشكيل الشخصية الفلسطينية وعملت على تأصيلها، بعدما تعرضت للكثير من عمليات التشويه والتذويب خلال تاريخها السياسي الطويل، فكان همها منذ البداية إرساء شخصية شعبية مكافحة، منتمية، واثقة، مقاومة، وإذا كانت فصائل المقاومة المسلحة قد ناضلت من أجل تشكيل الشخصية السياسية والوطنية الفلسطينية، فقد دعمت الثقافة هذا التوجه وأسهمت في إنجاحه بشكل فعال، أعطى نتائجه المحسوسة على أرض الواقع العملي.

كما اتجهت الثقافة والمثقفين والأدب والأدباء لتشكيل شخصية اجتماعية وطنية متمسكة بالأرض، وأهداف الاستقلال والتحرر، وكان عليها عبء كبير أثبتت أنها أهل له،ونجحت في أداء دورها بصورة متقنة، وبلغة أخرى أثبتت الثقافة أنها سلاحا ومفجرا مضيئا يعبئ الأجيال ويأخذ بيدها، بقوة ورصانة وامتلاء.([8])

لقد أثرت فعاليات المقاومة على الكتاب أنفسهم، ووجدوا أنفسهم متفاعلين معها بحيث جعلتهم يكتبون أدبا وثقافة في عمق الحدث المقاوم، وإن كان هناك اتفاق على أن أي إنتاج ثقافي أو أدبي يوازي عملية فدائية هنا ومظاهرة جماهيرية هناك، إلا أن ذلك الإنتاج عمل إلى جانب الإعلام على تخليد الحدث، وبالتالي تحقيق الهدف أو مجموعة الأهداف المتوخاة من البنية الثقافية، وهكذا وجد المثقف نفسه مع الانتفاضة والمقاومة، وعرف أنه مطالب بالكتابة عن الجماهير المقاومة ولها.

الأمر الأبرز في الإنتاج الثقافي خلال مرحلة الانتفاضة، تمثل -كما عبر الشاعر خليل توما- في تفاعله مع حدة الأحداث الملتهبة والمتفجرة يوما بعد يوم، فصور الشهادة، الأطفال، المواجهات، الجندي الإسرائيلي، كلها مواضيع انعكست في الإنتاج الثقافي والأدبي، لاسيما القصة القصيرة، وهي بطبيعة الحال أقدر على معالجتها.([9])

وربما قراءة متأنية لعدد كبير من الإنتاج الثقافي والأدبي الذي زخرت به سنوات الانتفاضة، تشير إلى أن نهايات قصصها ورواياتها تكتسب أهمية كبيرة، حيث يكتب الكاتب فيما المقاومة مستمرة ومتفاعلة، الأمر الذي أشار إليه معظم الذين كتبوا القصص في ظل استمرار الانتفاضة، وإذا كانت المقاومة قد عززت الثقة بالغد القادم، فإن الكاتب وهو مطالب بهذا من قبل ومن بعد، وجد ما يعزز موقفه، وهو يكتب وسط جو ثوري مقاوم ذي معنويات عالية، فتجد كلماته صدى أوسع من ذي قبل، قبل الانتفاضة.([10])

ومن أبرز السمات التي اتسمت بها القصص والروايات الأدبية خلال الانتفاضة:

  • التحدي والاستمرار رغم القمع الاحتلالي المستمر،
  • الشهادة دفاعا عن الوطن حياة متجددة،
  • الدموع المكابرة،
  • الأطفال في الميدان،
  • الإشارة للمستقبل الذي يحل فيه التغيير.

ويمكن في هذه العجالة الحديث عن أبرز الكتاب والروائيين خلال مرحلة الانتفاضة ومنهم: عزت الغزاوي، حليمة جوهر، زكي العيلة، جميل السلحوت.

  1. الشعر والنشيد

بحكم طبيعته الخاصة وقابليته للإلقاء، فقد سبق الشعر كلا من القصة والرواية وبقية الأجناس الأدبية الأخرى، لأنه الأسرع في الاستجابة للأحداث عادة ويجمل صفاتها، حيث استجاب للانتفاضة وظل يحدو مسيرته الكفاحية المقاومة مع انطلاقها، وجاءت الانتفاضة لتعمق الشعر المقاوم المنتفض، وأمدته بأسباب القوة والخلود والتحدي، وخلصته في المقابل من بعض المهابط والسلبيات التي عانى منها في بعض القصائد، ولدى بعض الشعراء.

ولعله من المفيد أن نذكر أن الأغنية والنشيد لعبا دورا هاما في حالات الصدام والمواجهة، لذا تم كتابة أشعار وأناشيد جديدة عملت مع ما كان متداولا سابقا دورا هاما خلال الانتفاضة، إذ تم تحويل ما يصلح من كلمات كتبت سابقا لتتلاءم مع مرحلة المقاومة.

ومن المميزات التي ميزت شعر الانتفاضة والمقاومة:

  • أكثر حدة ومواجهة وتعبيرا وثقة،
  • أقرب في معظمه إلى الخطابية والمباشرة والتنوير،
  • يعبر عن صوت جمعي ونفس نضالي صادق ومؤثر،
  • تمركزت لغته حول قاموس طغى بكلماته وامتد، بحيث باتت مفرداته تتكرر بكثرة وتنويع واضحين مثل: الحجر، الإطار، المتراس، الشباب، الهتاف، العلم، الملثم، السجن، الجنود، المقلاع، الشهيد، العرس، الأطفال، وهو أمر طبيعي لأن الشعر في هذه الحالة يتحدث عن الواقع المقاوم الذي يعج بالكلمات والمصطلحات والصور.

وبشكل من الأشكال، أصبح الشعر رويدا رويدا هو الانتفاضة والمقاومة بعينها، بحيث أصبحت عصب الشعر وملامحه المميزة، وبذا يصح القول أن الانتفاضة الشعبية أحدثت انتفاضة شعرية، كما أن إعلام المقاومة استفاد كثيرا من الرصيد الشِّعري، الفصيح منه والشعبي على حد سواء، وتحول جزء لا بأس منه إلى أناشيد وأغان، بفعل البساطة والوضوح والقصر والجمال الذي يشد الانتباه، وسهولة التذكر.

علما بأن حركة حماس كانت الأكثر استخداما للشعر في مجال كتابة الشعارات، رغم أن الفئات الأخرى لها رصيد لا بأس به من الشعر الفصيح والشعبي، مما يشير إلى "تشرب" أفراد حماس بالأخص لمعاني المقاومة المتضمنة في دواوين الشعر وأشرطة التسجيل قبل الانتفاضة وخلالها، بحيث أصبحت هذه المعاني أغنيات لذيذة، وألحاناً مطربة لا تغيب عن بالهم، ويتكرر ذكرها على ألسنتهم وشعاراتهم، وغدا الرصيد الشعري لدى قوى المقاومة يتضمن العديد من شعر الشعراء الفلسطينيين والعرب خاصة في العصر الحديث، وكذلك الأناشيد الفلسطينية والسورية والأردنية في الوطن والمهجر، والنشيد الإسلامي الكويتي والبحراني واليمني، فضلا عن أناشيد الأعراس ومهرجانات الفن الإسلامي.([11])

ونورد عددا من الأمثلة التي تمثل الكم كبير الذي استخدم الموروث الشعري في الكتابة الجدارية:

  • من الشعر الفصيح:
  • فلسطيني فلسطيني فلسطيني...ولكن في طريق الله والإيمان والدين
  • اقتلوني مزقوني...أغرقوني في دمائي
  • لن تعيشوا فوق أرضي ...لن تطيروا في سمائي
  • غضبي نار حجري مدفع ... للباغي أبداً لن أركع
  • إذا كان حبي لفلسطين جريمة.. فليشهد التاريخ أني مجرم
  •  إن صادروا حتى الشتاء فقل لهم...جراحي سماء فوق أرضي تمطر
  • في القدس قد نطق الحجر
  • الله أكبر كلما صدح الرصاص وزغردا ...الله أكبر لن تضيع دماء إخواني سدى
  • أنا عائد أقسمت أني عائد..والحق يشهد لي ونعم الشاهد
  •  من الشعر الشعبي
  • غاب السبع وتمرد النسناس ...واللي يخون الوطن راح تذبحه حماس
  • قسماً قسماً يا أمي لنعيد الدار
  • القدس عروس ومهرها استشهادي

وإذا اعتبرنا أن كل ما كتب من شعر في الانتفاضة كان عن المقاومة، فإنه في الوقت ذاته حاول مواكبتها من حيث المستويين الأفقي والعمودي، لأن هذه المقاومة غدت أكثر إبداعا وقوة من كل ما كتب وما قد يكتب عنها.

وهكذا أصبح في مخزون الشعر ما يمكن أن يسمى "قصيدة المقاومة"، وهي التي جاءت من قلب الانتفاضة، وتحدثت من داخلها عنها ولها، بلغة خطابية عالية التوتر، حماسية، تحكي عن تفاصيل الأحداث العارمة الدامية، وتحمل شعارات المقاومة والانتفاضة وروحها كمضمون أساسي لها، وهي قصيدة تخلصت إلى حد كبير من الغموض والسمات كالفردية والتخاذل والكآبة والرومانسية السلبية، وبالتالي غدت قصيدة تحمل سمات المرحلة بالضرورة والفعل، وقصيدة غاضبة وفاعلة وذات أثر مباشر، وعملت على توسيع بعض المظاهر التي وجدت قبل الانتفاضة، كظاهرة التغني بالشهداء وتمجيدهم، والإشادة بالمظاهرات وصمود المعتقلين والأسرى.([12])

ونستطيع التدليل على عدد من القصائد والشعراء المجددين لقصائدهم، والتي يحق أن نسميها قصيدة المقاومة، ومنها: فضاء الأغنيات للمتوكل طه، المقنع لسميح فرج، المجد ينحني أمامكم لعبد الناصر صالح، وجدان بحرك بالحناء لوسيم الكردي، وسميح القاسم، كما أن عددا كبيرا، هائلا نسبيا، من الدواوين الشعرية صدر خلال سنوات الانتفاضة.([13])

وقد أبرز شعراء الانتفاضة حجم التحدي الذي تكنه الانتفاضة للاحتلال، حتى لو كان هذا التحدي بالأكف التي تحمل الحجارة، بعشب البلاد ومدارسها وبحرها وبرها، بطرقها وسهولها وجبالها، وهم يجرمون الاحتلال الإسرائيلي دون أن يبرئ أحدا من تهمة قتل الفلسطيني، وبالتالي تحولت كلماتها إلى طلقات، وأعطت الرغبة بالمقاومة والقتال حركة للقصيدة، تماما مثل حركة المخيم اليومية في تفاعله الخلاق لصنع معركة الحياة والنصر.

وحفلت قصائد الشعر الفلسطيني والعربي والعالمي بمعاني المقاومة، من خلال:

  • تنوعت الأعمال الشعرية على امتداد الوطن العربي بقضايا مختلفة من قضايا الانتفاضة والمقاومة، وبأساليب متنوعة، ما بين الخطابي والدعائي من جهة، وما بين النابض بروح الثورة والانتفاضة من جهة أخرى، فتنوعت هذه النتاجات الشعرية ما بين الفاعل والمنفعل، الجمالي والرديء، ومثل هذا الشعر كثير ملأ صفحات الدوريات والمجلات المتخصصة وغير المتخصصة، يحكمه هاجس النشر وتسجيل كلمة للذكرى والموقف، ومن هؤلاء سميح القاسم، محمود درويش، أحمد مطر، نزار قباني،
  • على الصعيد العالمي، انعكست الانتفاضة والمقاومة في شعر عدد من الأدباء والشعراء، بوعي وصدق كبيرين، فصاغ الشاعر الفيتنامي "هيو وان" قصيدة رائعة عن أطفال الانتفاضة بعنوان: تعيدون للريح قميصها الفلسطيني، يخاطب الشاعر فيها فلسطين كل فلسطين بتعاطف وجداني وأمل كبير بمستقبل الشعب الذي يصوغ من دمه نشيد المقاومة.([14])
  • حظي شعر الانتفاضة والمقاومة بدراسات معمقة هدفت لتوضيح أثر كل منهما في الآخر، وكيف غدا الشعر بالفعل مركبا أساسيا من مركبات البنية الثقافية للمقاومة من خلال استعراض السمات التي منحتها المقاومة لشعر الأرض المحتلة،
  • التعبير عن مرحلة جديدة تمحورت حول قضية التمرد على الاحتلال، وبناء الدولة الفلسطينية، حيث ظهر عنصران مهمان كان لهما تأثير على توجيه أقلام الشعراء وهما الطفل والحجر، واللجوء للوضوح والمباشرة، حيث استطاع الشعراء التعبير عن أفكارهم دون مواربة، أو حاجة إلى التعمية، أو اللجوء إلى الرمزية المغلفة بالضباب، وربما يعود هذا إلى وضوح الأهداف واستلهام الواقع وهضمه،
  • التفاؤل والتحدي، حيث أجمع الشعراء على أن المقاومة ظاهرة ثورية مميزة وجديدة من حيث كثافة المشاركة أو اتساع مداها الزماني والمكاني، وتجاوز هذا حده في أحيان كثيرة، فوصل إلى شعور بالزهو والخيلاء، وقفز من الرغبة في التخلص من احتلال الضفة والقطاع، للمطالبة بكامل التراب الفلسطيني،
  • الظاهرة الجغرافية، وهي ظاهرة ملفتة للنظر في شعر الانتفاضة والمقاومة، فظهرت أسماء مدن وقرى ومخيمات كثيرة في هذا الشعر بشكل مكثف، وإيراد المصطلحات الدالة على أحداث المقاومة والانتفاضة كمنع التجول، الغاز المسيل للدموع، العمليات الفدائية.([15])
  • الوقوف على تفاصيل نضالية كثيرة عايشها الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، وواجهها يوميا وانعكست ملامح المكان والزمان في الكثير من الأعمال الأدبية، سواء في الشعر أو القصة أو المقالة، والشعر هو الأسرع تفاعلا مع أحداث المقاومة،
  • المباشرة والخطابية في القصيدة، وهنا لا بد من التأكيد على أهمية النواحي الفنية في الأدب، فالشاعر يخاطب الجمهور بشكل مباشر على أساس التفاعل الوجداني والواقعي مع الحدث، مستبعدا الرموز الأسطورية والتكثيف الرمزي المغرق الذي يحتم على القارئ البحث والتنقيب،
  • ظهور الموقع المقاوم في القصيدة، حيث تظهر تفاصيل الانتفاضة اليومية في كل المواقع كالقرية والمخيم والمدينة، ولا تستطيع قصيدة واحدة إغفال هذه التفاصيل لأنها لن تتمكن من التعبير عن حقيقة ما يجري على أرض الواقع، فنرى الكاتب يتفاعل مع الأحداث ونرى التنافس النضالي في مختلف المواقع.([16])

3- السينما والفن                                           

شكلت الانتفاضة حافزا قويا للمصورين الصحفيين للحضور إلى الأراضي المحتلة لتسجيل فعاليات الانتفاضة اليومية، سواء بهدف نقلها عبر وسائل الإعلام، ونشرات الأخبار كمادة إخبارية إعلامية، أو من أجل صياغة أفلام تلفزيونية أو سينمائية، تتناول الحدث الانتفاضي المقاوم.

كما استطاعت الجهود السينمائية داخل الوطن المحتل عند مطلع التسعينات، وبعد مرور عامين على انطلاق الانتفاضة، من تتويج عملها بتأسيس العديد من الوحدات والمؤسسات والشركات العاملة في مختلف مجالات العمل والإنتاج السينمائي التي تخصصت بتقديم خدمات التصوير، ومن ثم تولت عمليات التصوير بشكل مباشر، ويمكن هنا ذكر عدد من المؤسسات ومنها: مؤسسة القدس للإنتاج السينمائي، مركز الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، طيف للإنتاج، فيزيون أكاديمي، مارسيا فيلم، وغيرها.

ويعتبر فيلم "أطفال الحجارة" الذي أخرجه جورج خليفي وزياد فاهوم عام 1988، بمثابة الاستجابة الأولى من السينما لتناول موضوع المقاومة عبر رصد مجموعة من الأطفال وحياتهم وحركتهم في خضم الانتفاضة.

وفي العام ذاته قدم ناظم شريدي مسلسل "صيف فلسطيني حار" مبينا الدور الذي لعبه مخيم الدهيشة بجوار بيت لحم، وكاشفا الممارسات العنيفة التي ووجه بها من قوات الاحتلال، ثم قدم محمود سوالمة فيلما بعنوان "الانتفاضة"، يتجول خلاله في أنحاء الوطن المحتل، راصدا صورا من وقائع الانتفاضة، وحياة الناس على إيقاعها، ويعد فيلم "نشيد الحجر" لميشيل خليفي عام 1990 من أشهر الأفلام، لكونه فيلما تسجيليا روائيا طويلا مدته 105 دقائق، يسير على خطين متوازيين:

  • أحدهما خط روائي يتناول قصة حب بين شاب وشابة فلسطينيين تتجدد قصة حبهما بعد مضي 18 سنة، بعد أن عصفت بهما الأحداث عند مطلع السبعينات،
  • وثانيهما خط تسجيلي يرصد وقائع من يوميات الانتفاضة، والأجيال الشابة التي تنخرط في فعالياتها..

كما اشتهر فيلم "أطفال جبل النار" لمي المصري عام 1990، حيث عادت المخرجة لمدينتها نابلس بعد غياب قسري دام 14 عاما، وهو فيلم تسجيلي وثائقي طويل مدته 49 دقيقة، عبارة عن رؤية ذاتية منها للمدينة التي اشتهرت في الانتفاضة بدورها ومساهماتها، والمقاومة التي شهدتها للجيش الإسرائيلي.

وجاء فيلم "جند الله" لمخرجه حنا مصلح ليتابع نشاطات وفعاليات حركة المقاومة الإسلامية حماس، التي ولدت مع الانتفاضة، ومارست دورا كبيرا وفاعلا فيها، ولم يتوقف رصد الفيلم عند الجوانب الكفاحية المقاومة لحماس، بل رصد دورها الاجتماعي والخيري في مجالات الصحة والتربية والتعليم.([17])

وبإمكان القائمة أن تطول في سرد الأعمال السينمائية خلال سنوات الانتفاضة، أبرزها: الحرية المسلوبة لطوني قدح، انتفاضة شعب لزياد درويش، دار ودور لرشيد مشهراوي، بيت من ورق لهاني أبو أسعد، على حدود الوطن لجمال ياسين، حتى إشعار آخر لرشيد مشهراوي، دماء في محراب إبراهيم لمحمد إبراهيم وأسامة عبد الرازق، وسلسلة أفلام المخرج الفلسطيني البارز إياد الداوود..

لقد وصل الفنانون والسينمائيون إلى قناعة مفادها أن "الصورة الواحدة تعادل عشرة آلاف كلمة"، وغدت الصورة وحدة تبادل ثقافي ومعرفي، وباتت تشكل العالم ووعيه السياسي على كيفيتها، ومن هنا تبرز أهمية منتج الصورة وفي أي سياق يقدمها، وهي القناعة التي دفعت بالكثير من المؤسسات الفنية والإنتاج السينمائي تؤكد أن العالم يعيش في زمن "ثقافة الصورة"..

كل ذلك جعل الإنتاج السينمائي والبث التلفزيوني أحد أهم الميادين التي تبرز فيها ضرورة العمل المواجه الفاعل، والواعي المدرك لقضيته، نظرا لتمتعه بعدد من المميزات:

    • يمتلك الفيلم وشريط الصورة، إمكانية انتشار هائلة وسريعة على مستوى العالم، كما يمتلك إمكانية أن يتم إعداد أو طبع آلاف النسخ منه، وتوزيعها وبثها عالميا، عبر أكثر وسائل الاتصال الجماهيري انتشارا وسهولة في التداول، ومقدرة على التأثير، بدءا من صالات السينما، وأجهزة التلفاز، وساعات البث التي تغطي مدار الساعة، ومحيط الكرة الأرضية، وصولا إلى أجهزة الفيديو التي انتشرت خلال سنوات الانتفاضة قبل ظهور الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية.([18])
    •  حاولت السينما القيام بدورها خلال مرحلة الانتفاضة، وتقديم رؤيتها، وبسط حديثها عن انتفاضة الحجارة خلال ما مضى من عمرها من سنوات، حيث حملت قضيتها إلى أوسع قطاع من المتلقين، فشاركت في أكثر من مهرجان سينمائي في العالم.
    •  من خلال استعراض ومتابعة الإنتاج السينمائي الفلسطيني، عبر ثلاثة عقود من الزمن، السبعينات والثمانينات والتسعينات، ومحاولة قراءة ما أنجزته بصدد الانتفاضة يمكن القول أن السينما حاولت القيام بدورها المقاوم، من خلال إدراك السينمائيين أنفسهم لأهمية فعلهم الذي يستطيع أن يتكامل مع الفعاليات الانتفاضية الميدانية المقاومة، وتطور هذا الدور خلال سنوات الانتفاضة السبع، وتعمق الإدراك الذي اتصل بوعي أهمية الصورة وما يمكن أن تمثله كسلاح.

4- الأغنية الشعبية والانتفاضة

بحكم طبيعتها وسهولة حفظها وسرعة انتشارها وقرب كلماتها من لغة الخطاب الشعبي، انتشرت الأغنية الشعبية خلال الانتفاضة بصورة هائلة، وراح الشبان يغنونها في المواجهات والمعتقلات، ووظفوها لاستفزاز جنود الاحتلال، وتحقيق بعض أهداف الانتفاضة.

ويندرج تحت هذا العنوان ألوان الفن الشعبي الفولكلوري المعروفة جميعها من القصيدة العامية، قصيدة الزجل، المقطوعات، وحتى الشعارات ذات الوقع الموسيقي الشعبي، الذي يثير المشاعر ويؤجج الأحاسيس ليفعل فعله في التنوير والتصدي والحماس.

من هنا، صادرت دوريات الاحتلال الكتب التي تحمل هذه الأغاني والأشرطة المسجلة عليها، كما اعتقلت الزجالين ومنعتهم من إقامة الاحتفالات والمهرجانات، بعد أن تنبهت إلى خطورة هذا الفن في وقت سابق من الانتفاضة، حين أصدرت أوامر عسكرية تحد من نشاط فناني القول الشعبي تحت التهديد بالاعتقال والغرامات المالية.

كما وجدت مصطلحات الانتفاضة والمقاومة وألفاظها طريقها للأغنية الشعبية، فأغنتها بالزخم الثوري الحماسي، كما فعلت الأغنية نفسها فعلها التحريضي في التشجيع وإلهاب الأفئدة، وانتقل فن (المهاهاة) الشعبي من أسلوبه التقليدي التمجيدي إلى أسلوب انتفاضي يمجد الشهداء والمقاومين، ويحث على مقارعة الاحتلال والاستمرار في المقاومة والانتفاضة.([19])

وفي هذا الميدان نشطت فرق الفنون الشعبية التي تعتمد على فني القول والأداء في عرض أنشطتها المختلفة حيثما أتيحت لها الفرصة، كما اهتم عدد من الشعراء المحليين بالكتابة الزجلية، فكتبوا قصائد خاصة للفرق، وللمسرحيات التي عرضت خلال الانتفاضة.

أكثر من ذلك، فقد أثرت الانتفاضة بصورة واضحة وملموسة على الأدب الشعبي، ومن ثم بدأ ما يمكن أن يطلق عليه "فولكلور المقاومة"، حيث أفصحت القصائد الشعبية والأشعار عن الجانب الثقافي والتاريخي لأحداث الانتفاضة التي مرت بالأراضي المحتلة، وتحمل وجهة النظر الشعبية، علاوة على أن هذه النماذج الأدبية والثقافية أكدت التمسك بالأرض، والحقوق الوطنية المشروعة.

كما برزت ملامح الانتفاضة والمقاومة في الأغاني والأشعار الشعبية، حيث تم تسجيل انطلاقتها، ومظاهر السلوك اليومي للفلسطينيين خلال الأحداث، فضلا عن تسجيلها لأسلحة المقاومة البدائية التي تستخدم ضد أعتى الجيوش وأكثرها تسليحا في المنطقة، كالحجارة التي أصبحت تناظر "الكلاشنكوف"، وأصواتها أصبحت في نظر الشاعر الشعبي تشبه أصوات الطلقات النارية، بل تغلب عليها.

كما يورد الشعر الشعبي والأغنية التراثية وصفا لتلك الأسلحة لاسيما المقلاع، هذه الأداة البدائية ومكانتها في الحكايات والأمثال والأقوال الشعبية والتسميات المختلفة، فمن الناس من يسميها (مقلاعا، مقليعة، مطيطة، نقيفة، شعبة، الشديدة) لكن اختلاف هذه التسميات لا يعني وجود أي فرق في طريقة صنعها أو الغاية من استعمالها، ثم تطور استخدام الأغنية الشعبية في وصف أشكال المقاومة، كالحرائق وقنابل المولوتوف.([20])

ومن أبرز شعراء الأغنية الشعبية خلال الانتفاضة: نمر سرحان،أبو فراس العنبتاوي، حسن وهدان.

  1. المزاج الشعبي العام

نجحت الانتفاضة والمقاومة في تحويل الوجدان الشعبي والمزاج الجماهيري العام إلى كيفية أخرى راقية تتناسب وهذه الكيفية النضالية، وتبين ذلك من خلال:

    • النكتة الشعبية: وهي بحكم طبيعتها الخاطفة وسرعة التقاطها للحدث، وسهولة وصولها إلى المتلقي ذي الدافعية المتوفرة، كانت أحد الجوانب الهامة التي تأثرت بالانتفاضة وأثرت فيها بالكيفية ذاتها، حيث انتشرت نكات كثيرة عديدة تمجد في مضمونها العام الانتفاضة والمقاومة والناس بمختلف فئاتهم، حتى صارت تتردد في كل بيت وعلى كل لسان.
    • المثل الشعبي: تم التعبير عنه من خلال التفاعل الواعي ثوريا مع المثل والمقولة الشعبية ذات البعد التوجيهي السلبي، التي ترددها أجهزة مخابرات الاحتلال لدى اعتقال المقاومين والتحقيق معهم، ومنها: الكف ما بتناطح مخرز، مية عين تبكي ولا عين أمي تبكي، امش الحيط الحيط وقول يا رب الستر، وغيرها من الأمثال الانهزامية التي أفرزها الوجدان الجمعي الشعبي في ظروف تاريخية ونفسية وسياسية معين، إذ تحولت هذه الأمثال إلى أضدادها الثورية المقاومة.
    • الشعار: أسهم الشعار إسهاما هاما في الانتفاضة ومسار المقاومة، فحمل تعليمات قيادة الانتفاضة حول المناسبات المختلفة والفعاليات المتعددة، وأوضح مواقف وطالب بأخرى، فصار الجدار الذي يحمل شعار الانتفاضة بمثابة الصحافة المتحررة من الاحتلال، بل والمتحدثة له، وتحول أحد مظاهر التحدي إلى إعادة كتابة الشعارات التي تجبر قوات الاحتلال المواطنين على محوها في صباح اليوم التالي.
    • أغاني المناسبات: إذا كانت المناسبات التي تغلف بالأغاني كالأعراس والختان والنجاح...إلخ قد اختفت أغانيها، فإن الألفاظ الشعبية والذهنية الجماهيرية قد ألفت أغانيها الخاصة بعيدا عن ترديدها في هذه المناسبات، أو حولت بعض الألفاظ ذات المدلولات الهشة إلى ألفاظ ذات مدلولات ثورية انتفاضية مقاومة.

ثالثا: السلوك الإسرائيلي تجاه البنية الثقافية

لجأ الاحتلال إلى محاربة الثقافة الوطنية، والتعليم المقاوم، وسارعت السلطات العسكرية لفرض هيمنتها المباشرة على سير العملية الأكاديمية، وقامت بإجراء تغييرات جذرية فيها، وشملت إجراءاتها المجالات التالية:

    1.  فرض مناهج لا تناسب الفلسطينيين بما يتناول تاريخهم وقضيتهم،
    2.  إصدار تعليمات عسكرية تتضمن إشعارا بمنع تداول أية أطالس أجنبية وعربية، أو خرائط تشير إلى حدود ما قبل سنة 1967،
    3.  تفريغ الكتب المتبقية من أية مضامين وطنية وقومية، فحذفت الفصول المتعلقة بالقضية الفلسطينية، واستبدلت كلمة فلسطين بإسرائيل،([21])
    4.  إبعاد عدد من الكتاب والأدباء، الذين كانوا يمدون المجلات بإبداعاتهم أو يشرفون على بعض الدوريات الأدبية،
    5.  منع الأدباء والكتاب من السفر، واعتقال معظمهم وملاحقتهم والتحقيق معهم، وفرض الإقامة الجبرية عليهم، بسبب نشر مادة أدبية أو دراسة ثقافية، أو كتابة مقالات فكرية،
    6.  مراقبة النصوص الأدبية والثقافية وإعمال مقص الرقيب فيها، مما يلغي نشرها، أو يشوهها، أو تأجيل السماح بنشرها، حتى تفقد ألقها وحرارة المناسبة التي قيلت فيها، ولعل هذا المقص هو مصيبة المصائب التي تقتل الأدب والثقافة.

وفي ظل الظروف الاحتلالية والمواجهة المستمرة التي تفرضها السلطات العسكرية على المثقفين والأكاديميين ومحاولة فرض مشاريعها عليهم، يقوم هؤلاء بالتعبير عن مواقفهم الوطنية تجاهها، خاصة وأن العلاقات المتأزمة بين الجانبين ليست حديثة العهد، فالحكم العسكري منذ بداية الاحتلال، نظر لتلك المؤسسات الأكاديمية والثقافية على أنها مرتع للتطرف، أو مواقع إرهاب، كما نظر للمثقفين نظرة خوف وترقب كنظرته إلى عنصر خطر يهدد أمن الدولة.

وقد دفع ذلك كله، بسلطات الاحتلال أن تشن دعاية عنيفة ضد تلك المؤسسات بشكل مستمر، واتهامها بأنها مراكز تحريضية ومعاقل للمخربين ومثيري الاضطرابات، وبؤر للمظاهرات وتعليم قذف الحجارة، وأتت هذه الحملة بهدف عزل مؤسسات التعليم والثقافة عن المجتمع، وتهيئة الأجواء الداخلية والخارجية للانقضاض عليها وسحقها.

كما أرسلت لجنة الخدمة الجامعية العالمية ولجنة الحقوقيين الدولية، بعثة للتحقيق في حرية التعليم الأكاديمي والنشاط الثقافي في الأراضي المحتلة، ومن استنتاجاتها:

  1. إن النهج الذي اتبعته سلطات الاحتلال في معاملتها للجامعات والتجمعات الثقافية كان نهج مضايقة يتجاوز ما يمكن تبريره بحجة النظام العام والأمن،
  2. هناك ضرورة ماسة لإعادة النظر في سلسلة واسعة من الإجراءات والممارسات التي تؤثر في تلك المؤسسات، خصوصا التي تقيد تلقي الأموال  من الخارج،
  3. الاعتراف بالدور الذي يمكن لتلك المؤسسات أن تؤديه في عملية تطوير المنطقة اقتصاديا وفكريا وثقافيا وسياسيا.

ويمكن القول أن المبدأ الأساس الذي اعتمدته السياسة الإسرائيلية في مجال انتهاكاتها للحقوق التعليمية والثقافية يندرج تماما داخل إطار الأيديولوجية الصهيونية، فهي سياسة وضعت أساسا لكي تلبي هدفا محددا، يتمثل في تصفية التراث الثقافي والتاريخي للشعب العربي الفلسطيني والقضاء عليه، إنها صورة من صور الإبادة العرقية التي تكمل المشروع الصهيوني الذي يعد بحكم جوانبه العسكرية والاجتماعية والاقتصادية إبادة لشعب بأكمله.([22])

وكانت سياسة الاقتلاع –ولا زالت- وتصفية البقاء العربي في فلسطين، هدفا مركزيا وحاسما للسياسة الرسمية الإسرائيلية، ومنها تأتي سياسة الاقتلاع الثقافي، ونشر العدمية القومية، والتجهيل والتعتيم، ومصادرة حريات التعبير والنشر، واستلاب التراث والكنوز الحضارية، وفي قراءة لهذه السياسية ضد المؤسسات التعليمية والثقافية، يمكن بلورة أهدافها على النحو التالي:

  1. عرقلة عملية النمو الثقافي وتطويرها كما ونوعا،
  2. إعاقة التعاون المتبادل بين المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وصولا إلى تفكيك العلاقات الثقافية والوطنية بين سكان الأراضي المحتلة،
  3. تهجير الكفاءات والكوادر العلمية والثقافية التي ترفض التعاون مع الاحتلال.
  4. الإغلاق المستمر لها بين الحين والآخر، وعدم السماح لها بفتح كليات وأقسام جديدة،
  5. عدم السماح بإقامة الأبنية المناسبة وصعوبة الحصول على الأجهزة والأدوات،
  6. الرقابة على الكتب والمواد الدراسية، واعتقال عدد كبير من الأكاديميين والمثقفين.([23])

كما منعت سلطات الاحتلال تداول الكثير من الكتب في الضفة والقطاع، وامتلأت قائمة الممنوعات يوما بعد يوم، حيث اتهم عدد كبير من الطلاب الجامعيين وحتى المواطنين العاديين وسجنوا بسبب حيازتهم كتبا ممنوعة، ومما يجب ملاحظته أنه نظرا لاتساع نطاق الكتب الممنوعة، فإنه يكاد يكون دائما من الممكن العثور في أي بيت طالب جامعي أو محاضر أكاديمي على كتب وصور يسري عليها الحظر العسكري، وما دام الحال كذلك، فكان بإمكان الجيش في كل وقت أن يبرر دخول أي بيت وتفتيشه، واعتقال أهله بحجة البحث عن كتب ممنوعة، وعليه فإن وجود مثل هذه الكتب الممنوعة صار موضوع دعاوى حكمت المحاكم فيها بسجن الكثيرين وتغريمهم.

ومن الكتب المحظورة في فترة الانتفاضة:

    • يهودي مالطة لكريستوفر مارلو،
    • صهيوني يطالب بدولة فلسطينية لفيليب غيلون،
    • يقظة العرب لجورج انطونيوس،
    • القنديل الصغير لغسان كنفاني،
    • فلسطين الجريمة والدفاع للمؤرخ أرنولد توينبي،
    • إرهاب إسرائيل المقدس لمؤلفته ليفيا روكوش.([24])

وقد عبرت منظمات حقوقية دولية عديدة عن قلقها لأنه كثيرا ما تستخدم حيازة الثقافة غير القانونية ذريعة لتوقيف الأشخاص، خصوصا المثقفين الذين يفرج عن أكثرهم فيما بعد بلا اتهام وبلا محاكمة، كما وصف تقرير لمنظمة اليونسكو للثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة، التغييرات التي أدخلها الرقيب الإسرائيلي على الكتب الثقافية، بقوله: إن الرقابة تقلص آفاق الفلسطينيين لأنها تعطيهم صورة مشوهة لميراثهم الثقافي، ولأنها تقفل في وجوههم منفذهم إلى العالم العربي اليوم، وإلى العالم المعاصر بشكل عام.

وجاءت صور اعتقال الطلبة من داخل المنازل، ومن حرم الجامعة بعد محاصرتها، كما شهدت الأعوام الأولى للانتفاضة تكرار حوادث إغلاق المؤسسات التعليمية والثقافية، فبالرغم من أن سلطات الاحتلال أغلقتها قبل الانتفاضة، إلا أن الإغلاق توسع خلالها بصورة خطيرة جدا، هددت مستقبل التعليم والثقافة في الأراضي المحتلة، وكانت الذريعة الدائمة بأنها بؤر للمظاهرات ومراكز شغب، وأن إغلاقها من ضروريات الحكم السليم.([25])


1) الراشد، جمال، الجامعات الفلسطينية هوية حضارية وقلاع مقاومة، مجلة المجتمع، الكويت، العدد 853، 7/6/1988.

2) الغبرا، شفيق، الانتفاضة أسبابها واستمرارها، المستقبل العربي،مركز الوحدة العربية،بيروت، العدد 113،يوليو 1988،ص56.

 

3) صالح، عبد الجواد، الاحتلال وأثره على المؤسسات الثقافية، مركز القدس للدراسات الإنمائية، لندن، ط1، 1985، ص27.
4) للاطلاع على هذه الأطر الطلابية بالتفصيل يرجى الرجوع إلى: عماد غياظة، الحركة الطلابية الفلسطينية الممارسة والفاعلية، مؤسسة مواطن، رام الله، ط1، 2000، ص105-132.

5) غياظة، عماد، مرجع سابق، ص150، وللتوسع في دور الجامعات في الانتفاضة يمكن الرجوع إلى:

- أبو لغد، إبراهيم: التعليم الفلسطيني تاريخا وواقعا وضرورات المستقبل، جامعة بيرزيت، رام الله، ط1، 1997.

- الجرباوي، علي، الجامعات الفلسطينية بين الواقع والمتوقع، جمعية الدراسات العربية، القدس، ط1، 1986.

- ريجي، أندرو، التعليم الفلسطيني و تحديات المستقبل، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، القدس، ط1، 1995.

- الزرو، صلاح، التعليم في ظل الانتفاضة، التعليم في ظل الانتفاضة، مركز أبحاث رابطة الجامعيين، الخليل، ط1، 1989.

6) مروة، كريم، المقاومة أفكار للنقاش عن الجذور والتجربة والآفاق، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1985، ص215.
7) الثقافة العربية والانتفاضة، جريدة الاتحاد، حيفا، 9/9/1988.

8) طه، المتوكل، الثقافة والانتفاضة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، رام الله، ط1، 1994، ص30.

9) أدب الانتفاضة وانتفاضة الأدب، مجلة عبير، القدس، العدد 24، حزيران 1989، ص24-27.

10) إبداعات الحجر، مجموعة أدباء وشعراء، منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 1989، ص56.
11)
محمد، إبراهيم، شعارات الانتفاضة دراسة وتوثيق، منشورات فلسطين المسلمة، لندن، ط1، 1996، ص123.

12) إبداعات الحجر ، مرجع سابق، ص67.

13) المرجع السابق، ص69.

14) مجلة العاصفة، دائرة التعبئة والتوجيه التابعة لحركة فتح، العدد 105، فبراير 1989، ص217-222.

15) أبو عمشة، عادل، دراسة تحليلية نقدية لشعر الانتفاضة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، 1990، ص76.

16) عواد، حنان، أدب المقاومة، جريدة القدس، 22/12/1990.

17) إبراهيم، بشار، السينما والانتفاضة، مجلة باحث للدراسات، بيروت، العدد 1، شتاء 2001، ص105-125.

18) المرجع السابق، ص115.
19) البرغوثي، عبد اللطيف، دور الأغاني الشعبية في الانتفاضة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 1990، ص76.

20) سرحان، نمر، الانتفاضة في الفولكلور الفلسطيني، مؤسسة التراث، عمان، ط1، 1988، ص18.

21) مكاوي، سمر، واقع التعليم العالي في ظل الأوامر الإسرائيلية، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 132، نوفمبر 1982، ص68-79.

22) غباش، حسين، فلسطين حقوق الإنسان وحدود المنطق الصهيوني، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط1، 1987، ص91.
23) التعليم العالي في الأراضي المحتلة، مجلة صامد، العدد 100، نيسان 1995، ص74.

24) شحادة، رجا، مرجع سابق، ص158.

25) الزرو، صلاح، التعليم في ظل الانتفاضة، رابطة الجامعيين، الخليل، ط1، 1989، ص28.