مصالحة تركيا وإسرائيل...إلى أين؟

  • الإثنين 15 يناير 2018 11:36 ص

تقدير موقف

مصالحة تركيا وإسرائيل...إلى أين؟

 

تتسارع التسريبات في الأسابيع الأخيرة حول مباحثات المصالحة الجارية بين تركيا وإسرائيل، في أكثر من عاصمة، دون ان تصل حتى كتابة هذه السطور إلى النهاية المأمولة من الجانبين، وهو إتمام المصالحة وإنهاء القطيعة التي بدأت منذ أواسط 2010 إلى اليوم، أوائل 2016.

وبينما تزداد التسريبات التي تخرج من الجانبين، او أطراف ثالثة، عن بعض مضامين مباحثات المصالحة، تخرج تصريحات رسمية من مسئولين من أنقرة وتل أبيب، تارة تأمل اقتراب المصالحة، وتارة أخرى تستبعدها، وتارة ثالثة تبقي الرؤية ضبابية، ولعل ذلك مقصود في حالاتها الثلاث.

أولاً: المصلحة من المصالحة

يمكن الحديث في هذه العجالة عن تقدير موقف يحاول استعراض مصالح الأتراك والإسرائيليين من مصالحة متوقعة، على النحو التالي:

  1. المصالح التركية: يبدو من الصعوبة بمكان الحديث عن تزامن مباحثات المصالحة التركية الإسرائيلية مع تصاعد الأحداث في المنطقة، ويمكن حصرها في التطورات التالية:
  • التوتر المتزايد بين روسيا وتركيا عقب إسقاط الأخيرة لطائرة روسية فوق أجوائها، مما فتح الباب واسعاً عن دخول علاقات الجانبين منعطفاً خطيراً غير مسبوق، وزاد من حدة الاستقطاب بين المحاور القائمة، وهو ما كان موجوداً أصلاً عقب التدخل العسكري الروسي في سوريا أوائل سبتمبر،
  • دخول الأزمة السورية في عهد جديد مما يشبه فرض الوصاية الروسية الإيرانية على صانع القرار في دمشق، وما يتردد في الأوساط الدولية والإقليمية عن رجحان كفة هذا المحور على حساب الثورة السورية وداعميها، بفعل الثقل العسكري الذي وجد طريقه لدعم النظام السوري مقابل عدم تزود المقاتلين المعارضين له بمعدات ثقيلة، وهذا الأمر كما هو واضح ليس في صالح تركيا،
  • التوتر التركي العراقي بسبب دخول عدد من الجنود الأتراك لمناطق داخل الحدود العراقية، ومطالبة الجامعة العربية للأتراك بسحب جنودهم، مما فاقم من درجة الضغوط الإقليمية على أنقرة، التي تبدو حريصة على عدم الدخول في إشكاليات عربية، وتريد المحافظة على صورتها شريكاً للعرب في قضاياهم، رغم التباينات القائمة،
  • هذه التطورات ربما تجعل من سياسة "صفر المشاكل" التي تبنتها تركيا مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم قبل أكثر من 14 عاما، حبرا على ورق، فالأتراك يمتلكون شبكة علاقات متوترة مع كل من: سوريا، مصر، العراق، روسيا، وأخيراً إسرائيل، وبصورة أقل إيران، وهو ما يجبر صانع القرار في أنقرة على البحث عن ثغرات هنا وهناك تكسر جدار التوتر الذي يحيط بها من جهاتها الأربع، او هكذا يبدو على الأقل، وهذا ما قد يفسر الإقدام التركي على مصالحة إسرائيل في بعض دوافعها وأسبابها.
  1. المصالح الإسرائيلية: صحيح أن الإسرائيليين يبدو الأكثر استفادة من حالة التشظي التي تعيشها الدول العربية، لاسيما على حدودها الشمالية في سوريا، والجنوبية مع مصر، لكنهم في الوقت ذاته، يرون أن هناك مخاطر قد تلوح في الأفق رغم الفرص القائمة في هذه اللحظة التاريخية، ولذلك تحاول إسرائيل ترميم بعض علاقاتها الإقليمية، ومنها تركيا.

هنا يمكن الحديث عن جملة من المصالح الإسرائيلية العاجلة في مصالحتها المرتقبة مع تركيا:

  • في ذروة القطيعة الإسرائيلية مع تركيا، لا تخفي إسرائيل أنها خسرت دولة ثقيلة العيار في المنطقة، عضو في حلف الناتو، ولديها ثاني أكبر جيش في الحلف، وتمتلك حدودا جغرافية مع العديد من الدول، وترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الداعم الأول لإسرائيل في العالم، الولايات المتحدة، التي تمارس ضغوطاً على أنقرة وتل أبيب لإتمام هذه المصالحة،
  • في طور إعادة رسم خارطة المنطقة على قاعدة حدود جغرافية ومذهبية وعرقبة جديدة، ترى إسرائيل أنها لابد ان تكون جزء من هذه التغييرات المرتقبة، ويبدو من الصعب عليها أن تنخرط في هذا المشروع، ولو بصورة غير مباشرة، وهي تمر بأسوأ حالات العلاقة بين اثنتين من أكبر دول المنطقة، إيران وتركيا، فإن كان متعسرا ترميم العلاقات من الأولى لأسباب معروفة، فإن الأمور مع الثانية تبدو أقل كلفة،
  • خرج إلى السطح في الأشهر الأخيرة مستجد جديد يتعلق بأبعاد اقتصادية بحتة مرتبطة باكتشاف المزيد من حقول الغاز الإسرائيلية، ورغبة تل أبيب بتصدير الكميات الفائضة لديها إلى الأسواق الأوروبية، وربما ليس لها من طريق ميسرة آمنة سوى الأراضي التركية، الأمر الذي يتطلب بالضرورة الاستعجال بهذه المصالحة التي قد تراها إسرائيل، ومعها تركيا، أنها "اضطرارية"!

ثانياً: كوابح المصالحة

في ذات الوقت الذي ظهرت فيه الفوائد العائدة على تركيا وإسرائيل من مصالحتهما المرتقبة، فإن هناك في المقابل جملة تحديات وموانع قد تعيقها، وتبطئ من وتيرتها، وهي على النحو التالي:

  1. تعتقد تركيا أنها حققت مكاسب شعبية وجماهيرية لدى الرأي العام العربي والإسلامي من جملة المواقف التي أصدرتها عقب القطيعة مع إسرائيل، وأي مصالحة تحصل مع الأخيرة، ساخنة أم باردة، طوعية أو اضطرارية، ستنتقص بالضرورة من هذا الرصيد الشعبي الذي حصلته تركيا في السنوات الست الماضية،
  2. صحيح أن تركيا قد حققت اثنين من شروطها الثلاثة لإتمام المصالحة مع إسرائيل، الاعتذار الإسرائيلي لها، والاتفاق على حجم التعويضات للضحايا الأتراك، لكن الشرط الثالث ربما لا يجد طريقه للتنفيذ والمتعلق برفع الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة،
  3. في الوقت ذاته، هناك عوائق إسرائيلية قد لا تسرع بإتمام المصالحة مع تركيا، وتتمثل أهمها بالبعد الشخصي، وهو حاضر بقوة لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" الذي يرى في الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" شخصية عنيدة نالت منه ما لم ينله الرجل الأول في العالم الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" حين قدم له الاعتذار بصريح العبارة،
  4. في ذات السياق، لا تبدو الساحة الإسرائيلية متقبلة لمثل هذه المصالحة مع تركيا، لاسيما في أوساط اليمين الحاكم، الذي لا يعتقد بوجود جدوى مجدية مقابل الثمن الذي ستدفعه إسرائيل، وهو ما قد يخضع "نتنياهو" لابتزازات شركائه في الائتلاف الحكومي أو خصومه في المعارضة، ولذلك نراه يقدم قدماً إلى الأمام، ويرجع عشرة إلى الوراء،
  5. لا تمتلك إسرائيل في ذروة مباحثاتها مع تركيا "بوليصة تأمين" حول قطع أو تقليص أو تراجع علاقة الأخيرة بحركة حماس، عدو إسرائيل اللدود، على العكس من ذلك، فإن الزيارات المكوكية بين الحركة وأنقرة ترقبها إسرائيل بعين الحذر والتشكيك بـ"صدق النوايا التركية" بالمصالحة معها،
  6. يظهر العائق الذي قد يبدو مهماً في عرقلة المصالحة لتركية الإسرائيلية، ويتمثل في مصر، التي تمتلك شبكة علاقات هي الأخطر مع إسرائيل، لاسيما في الجانبين الأمني والعسكري، وتبدو الأخيرة حريصة على عدم خسارة هذه العلاقة "الاستراتيجية" مع مصالحة "تكتيكية" مع تركيا، أو هكذا تبدو، ولذلك ربما خرجت الدبلوماسية المصرية عن اللباقة المعهودة حين أعلنت أنها تعارض أي تدخل تركي في قطاع غزة مقابل إتمام مصالحة أنقرة مع تل أبيب.

ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة

ليس هناك من تقدير موقف دقيق، حتى لدى دوائر صنع القرار في أنقرة وتل أبيب، حول مآلات مباحثات المصالحة الجارية حالياً منذ أشهر بينهما، وهو ما يمنحنا فرصة وضع جملة سيناريوهات متوقعة:

  1. المصالحة الكاملة: وتعني العودة بعلاقات الجانبين لما كانت عليه قبل عام 2010، حين وقعت أحداث سفينة مرمرة، وهو ربما يكون طموح إسرائيلي لا تخطئه العين، لكن الأثمان المطلوبة لهذه العودة المأمولة من العلاقات قد لا تقوى إسرائيل على دفعها،
  2. المصالحة الرسمية: وتتمثل بعودة السفراء إلى تل أبيب وأنقرة، وتطبيع سياسي وعسكري وأمني تدريجي، في ضوء أن العلاقات الاقتصادية لم تتأثر كثيرا بهذه القطيعة السياسية، دون أن تصل الأمور إلى "الحميمية" التي سادت خلال العقود الماضية،
  3. انهيار المباحثات: كما تهدد بعض تصريحات الجانبين، سواء لأغراض تفاوضية أو تسريبات حقيقية، والأغلب أن انهيارها، إن حصل، سيكون لأسباب خارجية بالضرورة، سواء عدم تحقق المطلب التركي برفع الحصار الكلي عن غزة، أو الفيتو المصري الذي تضعه على إسرائيل لتحقيق تلك المصالحة،
  4. لعل السيناريو الأكثر ترجيحاً في ضوء الاعتبارات سابقة الذكر، أن مباحثات إتمام المصالحة بين أنقرة وتل أبيب قد تجد طريقها نحو النجاح، عبر التغلب على الكوابح المشار إليها، من خلال إيجاد صيغة متفق عليها بين مختلف الأطراف: تركيا وإسرائيل وحماس ومصر، وتتعلق برفع الحصار عن غزة، تدريجياً أو نهائياً أو نسبياً، وهي آلية قد تحقق رضا لمعظم الأطراف.