عرض كتاب: إخفاقات في ترسيم حدود “إسرائيل” وتصحيحها

  • الإثنين 26 ديسمبر 2022 07:18 م

عرض كتاب: إخفاقات في ترسيم حدود “إسرائيل” وتصحيحها

 

المـؤلف الجنرال حاييم ساربيرو
عـرض د. عـدنان أبو عـامر
النـاشر مركز تراث الاستخبارات
سنــة النشر 2022
اللـغة العـبرية

 

  • المقدمة والمحتويات

بعد مرور أكثر من خمسة وسبعين عاما على إقامة دولة الاحتلال “الإسرائيلي” على أنقاض فلسطين المحتلة، قد يُفاجأ كثير من القراء بأن أحد الأسباب الرئيسة التي منعتها من إصدار دستور خاص بها، أسوة بمعظم دول العالم، أنها لا تريد أن يتضمن هذا الدستور حدودها الجغرافية المقرّة والمرسّمة، مما يكشف عن أطماع “إسرائيلية” توسعية لا تخطئها العين، سواء المرتبطة بأساطير “من النيل الى الفرات”، أو تمديد حدودها المختلفة “شرقا مع الأردن، وجنوبا مع مصر، وشمالا مع لبنان وسوريا”.

 

يسعى الكتاب “الإسرائيلي” الذي بين يدينا اليوم، والذي صدر للتوّ، وفق مؤلفه خبير الحدود، الجنرال “حاييم ساربيرو”، إلى معالجة ما اعتبره إهمالا وأخطاء في إنشاء حدود “إسرائيل”، ودعوة لتصحيحها فيما رآه “الوقت المناسب”، مستعينا بعدد كبير من الخرائط الجغرافية التي يدعم بها مزاعمه حول حصول أخطاء عند رسم الحدود، أدت لمزيد من الأخطاء على مر السنين، بما في ذلك عند توقيع اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، مما يستدعي من “إسرائيل” وخبرائها في الخرائط والقانون بذل قصارى جهدهم لتصحيحها.

 

نُشر كتاب ساربيرو على شكل ألبوم صور، طُبعت على ورق فاخر، ويحتوي أكثر من 190 صفحة، إضافة إلى 44 خريطة ملونة، وأخرى بالأبيض والأسود، كما قُسّم على اثني عشر فصلاً، واختتم بقائمة من المصادر والاتفاقيات التعاقدية والوثائق.

 

  • اتفاقيات الهدنة

يكشف الكتاب أن خط الحدود الوارد في اتفاق السلام مع مصر رسمه فريق خبراء مشترك في 26 آذار/مارس 1966، ولكن مع مرور الوقت؛ اتضح أنه تم الاتفاق على ممارسة حدود مؤقتة، بحيث يكون “بحر إيلات” هو الخط الفاصل وفقًا للإحداثيات، في حين أن الحدود البحرية الاقتصادية بين “إسرائيل” ومصر لم تُرسم بانتظام، بل استندت لمبادئ اتفاقية الأمم المتحدة للبحار عام 1982.

 

في القطاع الأردني، تقرر أن تطبيق القانون في برك البحر الميت ونهر اليرموك سيكون على أساس شبكة التنسيق، واتخذ فريق أردني – إسرائيلي مشترك قرارات، كملحق لاتفاقية السلام مع المملكة في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994.

 

يوصي مؤلف الكتاب بأن تنشئ السلطات “الإسرائيلية” خط عمل محددا في إحداثيات قطاع الحدود الدولية في نهر الأردن، بحيث يمثّل حدودا دولية معترفا بها، وخاضعة للتغييرات الضرورية، مع استمرار المناقشات القائمة بسبب التدفق البشري والطقس والتعدين والفيضانات والمواسم، علما أن هذا الخط لم يحصل بعد على الموافقة الأردنية الرسمية.

 

يزعم ساربيرو أن الاتفاق الرسمي المنصوص عليه في اتفاقية السلام بين مصر والاحتلال، لم يشمل مسار الحدود البحرية في منطقة البحر الإقليمي بخليج إيلات، مما دفعه للتوصية برسم هذا الخط، والاتفاق عليه رسميا، على اعتبار أنه في فترة الانتداب البريطاني اندلع نقاش حول هذه الحدود، وتم وضع علامة عليها بشكل مختلف في كل مرة، بحدود ثماني كيلومترات لكل جانب.

 

يذكر الكتاب أن اتفاقية الحدود التركية المصرية وقعت في تشرين الأول/أكتوبر 1906، واستخدمت بموجب قرار الأمم المتحدة في خطة التقسيم للعام 1947، وكذلك خط الهدنة، ولاحقًا أثناء اتفاقيات السلام، وبالعودة الى أيلول/سبتمبر 1922 أصدر المفوض السامي البريطاني هربرت صموئيل مرسومًا لتصميم الحدود، خاصة بتشكيل حكومة الانتداب شرقًا في معظم المملكة الأردنية، ووافقت عصبة الأمم على على هذه الحدود.وشهد شباط/فبراير 1950، وفق الكتاب، توقيع اتفاقية هدنة بين إسرائيل ومصر، حيث أُجريت تعديلات مهمة على حدود قطاع غزة. وكذلك في نيسان/أبريل 1949،

وُقعت اتفاقية الهدنة لوقف إطلاق النار لمرة واحدة مع الأردن، وجرى فيها تبادل الأراضي بين الجيش العراقي وإسرائيل، وتسليم وادي عارة والنقب الشرقي لإسرائيل مقابل الانسحاب في مكان آخر.

 

  • الخرائط الملونة

بدا لافتا كيف أحضر المؤلف خريطة التقسيم الملونة المسماة “الملحق (أ)” لقرار الأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947، والتي توضح المناطق المخصصة لإسرائيل، وباللون الأصفر المناطق المخصصة للفلسطينيين، وكذلك نقاط التماس في الأراضي المنخفضة والجليل السفلي بين أجزاء الدولة اليهودية المتوقعة.

 

ويرى ساربيرو أن الحدود المصرية التي نصت عليها اتفاقية السلام في كامب ديفيد 1979، لم تضع يدها بدقة على مسار الحدود البحرية في منطقة البحر الإقليمي في خليج إيلات، مما يستدعي إعادة رسم هذا الخط، والاتفاق عليه رسميا، بزعم أنه من المستحسن تحديد مسار عمل اقتصادي من شأنه أن يحدد مصالح كل دولة في البحر المتوسط وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة 1982.

 

في قطاع الأردن، يزعم المؤلف أن الحدود في وادي عربة لم يتم تحديدها بخطوط واضحة، بل حُددت في كل مرة بشكل مختلف، بما في ذلك وصول الاختلافات إلى ثماني كيلومترات لكل جانب، ولذلك في حالة حدود البحر الميت ونهر اليرموك التي خضعت لتغيرات في الفيضانات وسنوات الجفاف، مما يتطلب، وفق رأيه، تحديد الحدود باتفاق متبادل وفقًا للإحداثيات، مع العلم أن حكومة الانتداب أعلنت في 1944 أنه من غير الممكن إنشاء خط حدودي بين أراضي إسرائيل والمملكة الأردنية لأن الخط الحدودي في عربة لم يتم ترسيمه بعد.

 

يكشف المؤلف أنه منذ سن قانون السلطة القضائية في “إسرائيل” عام 1948، وحتى توقيع اتفاقية السلام مع الأردن عام 1994، لم يتم تحديد الأراضي التي يُطبق فيها القانون “الإسرائيلي”، والأراضي الخاضعة فعليا للسيطرة “الإسرائيلية”، بل إن الخلافات في المسافات المحددة وصلت الى عدة كيلومترات.

 

  • قطاع غزة

يشير ساربيرو إلى أن ظروف الحياة تسببت في انحرافات عن الخط الحدودي في حدود قطاع غزة، مثل زراعة بساتين الفاكهة واللوز في الكيبوتسات والطرق وخزانات الصرف الصحي، إذا كان الخط المتفق عليه في الثمانينيات بمثابة تصحيح لخط الهدنة الإسرائيلي – المصري في شباط/فبراير 1924، ويتوافق مع الخط النظري الذي يمر بثلاثة كيلومترات شرق طريق غزة – المجدل، وقد وضعت على هذا الخط العديد من الملاحظات التي تتعلق بعدم الدقة في فروق الارتفاع والرسم وفقًا للإحداثيات. ورغم أن الخط الحدودي لا يتطابق مع التعريف في قانون منطقة الاختصاص، فقد اعتبر خطا رسميا، وظهر على الخرائط الإسرائيلية حتى اتفاق السلام مع مصر، وفي ضوء هذه الفجوة الخلافية بين مسار نسيج الحياة في الميدان، ومسار خط الهدنة، يوصي المؤلف بتفضيل حدود السياج الأمني، ​​بادعاء أنه أصبح “مستقرًا”.

 

يزعم ساربيرو في حديثه عن الحدود “الإسرائيلية” – المصرية، أن خط الحدود الدولي مبني على عدة نسخ سابقة، وعليه نشأت مسألة السيطرة على طابا، حيث تضمنت النسخ السابقة نسخة أنشئت عام 1841 بأمر ملكي من السلطان العثماني، ونسخة ثانية اقترحها المفوض البريطاني لشبه جزيرة سيناء وقت ترسيم الحدود، “براملي”، ونسخة ثالثة حددتها الاتفاقية التركية – البريطانية لعام 1906، ونسخة رابعة تم تحديدها بالفعل في خريف عام 1906. وأشار إلى أن الفكرة البريطانية الرئيسة التي وجهت علامات الحدود المصرية كانت ترك العديد من مصادر المياه في أراضي سيطرتها، والسماح لجيشها بالسيطرة على المنطقة، ومنها خليج إيلات، رغم أن الجيش التركي كان هناك لبضع سنوات، لافتًا إلى أنه تم التخلي عن القضية لاحقًا.

 

في 1913، وقبل عام واحد فقط من اندلاع الحرب العالمية الأولى، أعد الضابط الهندسي نيوكومب خريطة جديدة للمنطقة نتيجة المواجهة بين الجيشين البريطاني والعثماني، وكانت ذات حدود واضحة. لكن من الواضح أن هذه النسخ العديدة شكلت أساسا لترسيم الخط الحدودي أثناء اتفاقية السلام مع المصريين، وقد تضمنت أخطاء إسرائيلية كثيرة، وفق المؤلف.

 

  • خطأ ديّان

يحاول الكتاب إيجاد تعريفات لخط الهدنة بين “إسرائيل” ومصر، ومنها أنه يمنع المزيد من القتال بين قواتهما العسكرية، لكنه بدا واضحا أن الخط الهدنة لم يتم تعريفه كخط حدود سياسية، مما جعله يحصل على انطباع مفاده أن أمامنا تعريفا حرفيا لخط الهدنة، “يبدأ من الساحل عند مخرج الوادي، ويمر شرقًا عبر دير سنيد، ويعبر طريق غزة – المجدل، ويصل إلى النقطة 3 كم شرق الطريق، ومن هناك ينعطف جنوبًا بموازاة طريق غزة – المجدل، ويستمر حتى الحدود المصرية”.

 

ويستدرك قائلاً إن كل نقطة على الخط الحدودي تسمح بإضافة أو حذف مئات الأمتار، أو حتى عدة كيلومترات هنا وهناك، مما يستدعي التعرف على كيفية تجنب مثل هذه الأخطاء في المستقبل، لأنه من بين أمور أخرى اتضح أن 77 حجرًا من أصل 80 حجرًا حدوديًا من 1906 تمت الموافقة عليها كحدود سياسية رسمية وقت توقيع اتفاق السلام، فيما بقي 14 حجرا خلافيا، خاصة حول طابا.

 

لا يتردد المؤلف باتهام وزير الحرب الأسبق موشيه ديان بالتسبب بالوقوع في خطأ تصميم الحدود مع الأردن، قائلاً إنه كلف إسرائيل خسارة مئات الكيلومترات المربعة الصالحة للزراعة في وادي عربة، علما أن هربرت صموئيل قدم تعريفا لافتا لوادي عربة يبدو مقبولا لإسرائيل، ورد فيه أن نصف الوادي لحكومة الانتداب، والنصف الآخر باتجاه الأردن. وبالرغم من أن الأردنيين لم يفكروا في هذا الخط إطلاقا، ولم يعدّوا أو يشاركوا في إعداد خرائط له حتى نهاية الانتداب، وقعت إسرائيل في أخطاء كثيرة.

 

يستشهد الكتاب في تعزيزه لمزاعمه حول الحدود مع الأردن بخرائط نادرة للحدود الإلزامية في الأنهار والبحر الميت، وخط الهدنة بين “إسرائيل” والأردن، وأوجه القصور في ترسيم خط الحدود على الخرائط الإلزامية بواقع واحد من كل 250 ألفًا، معتبرا أن ديان افتقر إلى خبير في الزراعة الصحراوية كان سيمنع وقوع هذا الخطأ.

 

  • خبرة دسمة

تأتي أهمية الكتاب الاستثنائية، من كون مؤلفه ساربيرو 75 عاما، إلى جانب عمله في الجيش، مهندس خرائط ومعلومات جغرافية، وخبيرا دوليا في الحدود، وحاصلا على الدكتوراه من جامعة بار إيلان في ترسيم الحدود، كما يعمل منذ 1974 في وضع وتحديد إحداثيات وتوثيق الحدود الدائمة والمؤقتة لإسرائيل برا وبحرا، وقائدا لوحدة رسم الخرائط في الجيش، ومدير عاما لمركز رسم الخرائط الإسرائيلي.

 

تركزت مهام ساربيرو، فضلا عن مشاركته بحروب الاحتلال، في وضع الخرائط للجيش بدقة، وإنشاء خرائط الصور الخاضعة للرقابة لاستخدامها في الجيش، وإدخال أول نظام لقياسات الأقمار الصناعية في “إسرائيل” للأغراض والأهداف الاستخباراتية في 1976، واعتماد أنظمة المعلومات الجغرافية الأولى، وإدخال الحواسيب الأولى، واعتماد أول أنظمة القياس التصويري التحليلي، وإنشاء قواعد بيانات الخرائط الرقمية، وتطوير أول نظام للتصوير الواقعي التشغيلي، والتصوير الفوتوغرافي الرقمي.

 

إلى جانب ما سبق، شارك مؤلف الكتاب في ترسيم وتعليم خطوط الفصل العسكري بعد حرب 1973، وكان مسؤولاً عن تعليم الخطوط الوسيطة في سيناء بعد كامب ديفيد 1979، وعضوًا في الوفد التفاوضي مع الأردن 1994، ووقع على ترسيم الخط الحدودي، وفي عام 2000 كان مسؤولاً أمام فريق الأمم المتحدة لترسيم الخط الأزرق مع لبنان، وعضوًا في فرق التفاوض لاتفاقيات الحدود مع الدول المجاورة، وفي 2010 عمل في فريق التفاوض مع قبرص حول تحديد الحدود البحرية للمنطقة الاقتصادية، ونشر العديد من الكتب والأطالس باللغتين العبرية والإنجليزية.

 

من جهة أخرى، قدم لكتاب ساربيرو اثنان من كبار المتخصصين، البروفيسور موشيه بارور، الحائز على جائزة إسرائيل في الجغرافيا، والبروفيسور إلياكيم روبنشتاين، مساعد رئيس المحكمة العليا السابق، الذي انخرط بصورة تفصيلية في اتفاق السلام مع مصر.

 

  • الخاتمة

تكثُر الاستخلاصات اللافتة من كتاب “إخفاقات في ترسيم حدود إسرائيل وتصحيحها”، والتي لعل أهمها تعامُله مع حدود إسرائيل من وجهة نظرها هي، وليس جيرانها الذين يتشاركون معها هذه الحدود، ولا حتى المنظومة الدولية الأممية التي أقرتها. وفي ذات الوقت، يسلط الكتاب الضوء على ما يمكن وصفها بحالة عدم اليقين المتأصل في تعريف حدود الدولة، والحدود الدولية الدائمة، والحدود المؤقتة، وأحادية الجانب.

 

لعل توسع الكتاب كثيرا في فحص مدى قابلية تطبيق القانون “الإسرائيلي” في المناطق الواقعة على جانبي الخط الحدودي، أفسح المجال أمامه لكشف النقاب عن أوجه القصور التي حدثت أثناء ترسيم الحدود والإجراءات القانونية والسياسية والخرائطية، مما يستدعي استمرار ما وصفها بـ”التصحيحات اللازمة” لصالح دولة الاحتلال، وفقا للهدف الرئيسي من إصدار هذا الكتاب الجدلي.

 

المصدر مركز رؤية للتنمية السياسية

https://vision-pd.org
/%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a5%d8%ae%d9%81%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%b1%d8%b3%d9%8a%d9%85-%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a/