عرض كتاب: حرب لبنان الثانية من زاوية غرف اتخاذ القرار

  • الأربعاء 31 اغسطس 2022 12:42 م

 

عرض كتاب: حرب لبنان الثانية من زاوية غرف اتخاذ القرار

 

المؤلف:  شمعون غولان
الناشر:  دار مودن للنشر
سنة النشر:   2022
عرض:  د. عدنان أبو عامر
اللغة:  العبرية
  • المقدمة:

أصابت حرب لبنان الثانية التي اندلعت في صيف 2006 بعد نهايتها مباشرة، جيش الاحتلال والجمهور “الإسرائيلي” بحالة من “القشعريرة”؛ بسبب الانتكاسة التي حلّت به، واليوم في ذكراها السنوية السادسة عشرة، اختلفت هذه الحرب عن سابقاتها في التحقيق فيها، ودراستها في الجيش “الإسرائيلي” بما لا يقل عن حرب أكتوبر 1973، من خلال تشكيل لجنة تحقيق حكومية برئاسة القاضي “إلياهو فينوغراد”، كما حظيت بتغطية صحفية مكثفة، وذُكرت على نطاق واسع في السير الذاتية للقادة العسكريين.

يعدُّ الكتاب الذين بين أيدينا واحد من هذه الكتابات التي استندت إلى مصادر أولية وسرية للمنظومة الأمنية والعسكرية، وبالتالي فهو كتاب معتمد باعتباره تاريخ رسمي للجيش “الإسرائيلي”، خاصة وأن مؤلفه الجنرال “شمعون غولان” الذي عمل رئيسًا في قسم التخطيط الاستراتيجي في قسم التاريخ في الجيش عدة سنوات، ويقدم في كتابه هذا تفصيلاً كاملاً لما حصل في تلك الحرب خلال أيامها الثلاثة والثلاثين، مع قيود واضحة في الإبقاء على بعض المعلومات سرية من قبل الرقابة العسكرية.

يستعرض الكتاب في فصوله ثلاثة مراحل للحرب، وتقسيمها بين أول ثمانية أيام شهدت جهدًا ناريًا هجوميًا، ثمانية عشر يومًا من عمليات المناورة المحدودة، وآخر ثمانية أيام من توسيع العمليات البرية، مع بعض الأيام المتناثرة في كل مرحلة، لكن الكتاب في مجمله يحدّد تفصيلاً دقيقاً للآليات التي واكبت عمليات صنع القرار في القيادة العسكرية العليا.

يفتتح المؤلف كتابه بتقرير حقيقة صادمة مفادها أن هذه الحرب هي الأولى التي تمت ضمن مستوى سياسي جديد عديم الخبرة، سواء رئيس الوزراء “إيهود أولمرت” أو وزير حربه “عمير بيرتس”، ومعهما أول رئيس أركان للجيش “دان حالوتس”، قادم من سلاح الجو، وليس المشاة كما جرت العادة، وبسبب هذه الخبرات المتواضعة؛ يمنح الكتاب حيزًا لافتًا للخلافات التي نشبت بين المستويين السياسي والعسكري، وطغت على يوميات الحرب.

  • الثمن الباهظ:

يحمل الكتاب رسالة عامة مفادها أن حرب لبنان الثانية شهدت دفع دولة الاحتلال ثمناً فادحاً، لكنه كان أكثر كلفة وإيلاماً، فخلاله سقط قرابة 160 جندياً ومستوطناً، وأصيب أعداد مضاعفة، فضلًا عن أسر اثنين من الجنود، وخلَّفت الحرب كما يؤكد الكتاب شعوراً باليأس والإحباط وخيبة الأمل في أوساط “الإسرائيليين”، وكانت عشرات الإفادات التي أدلى بها الضباط والجنود وعناصر الاحتياط، الذين التقاهم المؤلف، أفضل معبّر عن هذه المشاعر القاتمة، فقد عبّروا عن مشاعر قاسية أثرت على مجمل أدائهم القتالي في ميدان المعركة.

يعدُّ الأخطر مما تقدم هو  أن مجمل ما قدمه الجنود والضباط من إفادات، أشارت بصورة أو بأخرى إلى أن هناك نفيرًا مستقبليًا من خوض معركة جديدة، وقد لا يجد الاستجابة نفسها التي لبوا بها نداء تلك الحرب، مما أوجد لدى المؤلف شعوراً بأن هناك دورًا كبيرًا ينبغي أن يقوم به قادة الدولة تجاه جنود الاحتياط، الذين أصيبوا بصدمة نفسية عميقة لن تزول آثارها قريباً، بسبب إحساسهم بالفشل الذريع في ميدان المعركة.

يناقش المؤلف الأدوار التي قام بها قادة المستويين السياسي والعسكري، وارتأى الابتعاد قدر الإمكان عن التوصيات الشخصية، خشية أن يقع في إشكاليات حساسة، وبالتالي لم ينصّب نفسه قاضياً متحررًا من أي التزامات أيديولوجية وحزبية وشخصية، ورغم ذلك، فقد ركز على ملاحظات وخلاصات مهنية وميدانية ونظرية، عن حجم التورط الذي أبدته الأجهزة والمؤسسات الأمنية والعسكرية “الإسرائيلية” في إخفاقات الحرب، مع العلم أنه في الوقت الذي قررت فيه دولة الاحتلال الرد على اختطاف حزب الله لاثنين من جنودها، وارتأت بأن الردّ عليه يجب أن يمتاز بالحدة والحسم في آن واحد، فقد كان المستويان السياسي والعسكري، على دراية بأن أحد النتائج الطبيعية والتبعات المتوقعة لهذا الردّ، أن تخوض الدولة حرباً طويلة الأمد مع الحزب، ومعارك قد تطول مدتها وتتوسع دائرة أهدافها، ورغم ذلك، وعلى عكس هذه التقديرات، فحين اندلعت المعارك، بدا وكأن مهمة الجيش كانت منحصرة في إحباط قدرة الحزب على إطلاق الصواريخ.

من الناحية العملية لم يتحقق هدف الجيش، فالحرب استمرت ثلاثة وثلاثين يوماً، وفي نهايتها بقي التهديد الصاروخي قائماً، كما كان في اليوم الأول من اندلاعها، بل إنه ازداد أضعافًا مضاعفة، ولعل سبب الفشل أن قرار خوض الحرب ضدّه لم يكن ملائماً لطبيعة الهدف المطلوب، فقد اختار الاحتلال الانطلاق بحرب ضارية ضدّ الحزب من خلال القصف العنيف لأهدافه، وباقي المناطق اللبنانية، وظنّ صُنّاع قراره أن سلاح الجو كفيل وحده بإزالة هذا التهديد.

  • الفشل الذريع:

يأخذ المؤلف على دوائر صنع القرار السياسي والعسكري مخالفتهم “ألف باء” الطريقة الكلاسيكية لتفعيل القوة العسكرية التي تأتي من خلال احتلال مواقع إطلاق الصواريخ، والقيام بتطهيرها وتمشيطها حتى النهاية، والتوغل في عمق المناطق التي يحتمل أن تتحول إلى مواقع بديلة، والنتيجة أن هذا الفشل الذريع في ميدان المعركة؛ أعطى تفسيراً صريحاً عن الاختلاف الواضح بين طبيعة تفعيل سلاح النار المضاد، وبين القيام بعملية عسكرية برية ذات تدريب عميق واتساع جغرافي.

يستند الكتاب في تفسير هذا الإخفاق إلى فرضية مفادها أن جوهر الأداء العسكري الذي رأيناه في تلك الحرب مبني على اعتقاد أن تدمير أهداف الحزب من خلال نيران مكثفة، سيحرج قيادته، ويضطرها إلى إعادة التفكير بجدوى إطلاق الصواريخ باتجاه فلسطين المحتلة، لكن تبين أن قدرة الحزب العملياتية، فيما يتعلق بإطلاق الصواريخ، لم تتأثر بصورة جوهرية.

يؤكد المؤلف أن هدف القيادة “الإسرائيلية” في حينه تمثل في تغيير الواقع القائم من خلال إيصال الحزب إلى قناعةٍ تأملت أن يصل إليها بسرعة، وبالتالي أصبح الأمر بيده، ومتوقفاً عليه فقط، ولما لم يظهر ضعفاً بادياً، ولم يبدِ استعداداً لإعادة تقييم خسائره بفعل الضربات الجوية، فإنّ الواقع الذي طالب الاحتلال بتغييره، ودفع من أجله ثمناً باهظاً، ظلّ كما كان، ولم يتغير شيء، مع العلم أن العملية العسكرية البرية كان من شأنها أن تُحدث التغيير المنشود في الواقع دون التفكير بإرادة الحزب، وبعيداً عن محاولة استقراء الحالة النفسية لقادته وزعمائه، وبالتالي، كان يمكن أن ترغمه على تغيير قناعاته، والمبادرة لوقف التهديد، لأنها ستفرض عليه معطيات جديدة على الصعيد الميداني، من خلال عملية حاسمة، لكن ذلك لم يحصل إلا متأخرًا.

يحاول المؤلف من خلال جملة اللقاءات التي عقدها مع عدد ممن خاضوا تفاصيل الحرب، أن يعيد السبب في اعتماد استراتيجية حصر أدوات المعركة بالقصف العنيف إلى عدة عوامل، أهمها: تَعزُّز عملية التسلح بالصواريخ طويلة المدى، وابتداع نظريات عسكرية ميدانية جديدة، وإدارة المعارك بطرق عملية، ووجود شبكات الاتصالات المتطورة، وغيرها؛ هذا يعني أن تقدم التكنولوجيا الجديدة، ألقى على عاتق صناع القرار العسكري “الإسرائيلي” رغبة في إحداث ثورة في إدارة المعركة، وأغرتهم لإحداث ثورة في طرق إدارة المعارك، ولذلك كان الهدف الاستراتيجي لهذه الحرب بمثابة تطبيق للنظريات العسكرية الجديدة؛ عقب نشوء تصور بأن القصف العنيف سيؤدي في النهاية لتدمير قيادة الحزب.

  • محدودية الأداء:

يكشف الكتاب أن قناعات صناع القرار؛ خلال ما يزيد عن شهر كامل من يوميات الحرب، في المستويين السياسي والعسكري في دولة الاحتلال، تبلورت باتجاه ضرورة استخدام استراتيجية القصف العنيف في مواجهة الحزب، لكن ذلك لم يغنِ عن ضرورة شنّ عملية عسكرية برية في عمق الأراضي التي يسيطر عليها، وعلى تماس قريب جداً مع مقاتليه، رغم ما تكبده الاحتلال من خسائر بشرية فادحة في أوساط قواته؛ لأن المواجهات البرية أكثر فعالية من الحرب الاستنـزافية، التي تدار دون حصول توغل ميداني، واحتلال مناطق وتمشيطها، والبقاء فيها فترة طويلة من الزمن.

أثبتت مجريات الحرب أن هذا تصورًا نظريًا فحسب، فضرب أهداف معينة لم يؤدّ إلى القضاء المبرم على الحزب، لأنه لم يتأثر بضرب البنى التحتية، إلا بشكل محدود، وسعى أكثر من أي شيء لجعل الإصابات محصورة في صفوف الاحتلال، وهذا يعني، بنظر المؤلف، أنه لم يكن من المجدي الاكتفاء بالغارات الجوية المكثفة والقصف العنيف، لأنّ الحزب ظلّ بمقدوره نشر مقاتليه سريعاً عبر خلايا صغيرة تقوم بإطلاق الصواريخ، وتمتلك القدرة على الاختباء سريعاً، والاختفاء عن عيون الطيارين، والاحتماء بالمواقع، وفي هذه البيئة التي تمنحه خدمات جليلة يجب التركيز على جمع المعلومات الأمنية والاستخبارية.

أكثر من ذلك، فقد أكد الكتاب على ظهور محدودية بارزة للعيان في طبيعة المعركة الميدانية، التي خاضتها قوات الاحتلال خلال الحرب، فضلاً عن صعوبات وإخفاقات عديدة شهدت عليها، لاسيما في مواجهة عسكرية قاسية أمام منظمة تخوض حرب عصابات، وأداؤها مختلف تماماً عن طريقة أداء الجيوش التقليدية.

يكشف الكتاب كذلك عن عنصر جديد يتعلق بآلية اتخاذ القرارات الخاصة بالحرب، ومنها مثلا أن القيادتين السياسية والعسكرية، طلبت من المستويات التنفيذية العملياتية تحقيق أهداف لم تكن موضوعة سلفاً مع بداية الحرب، ولم تكن على صلة أصلاً بهذه النظرة، رغم أنه كان ينبغي إقرارها في الحكومة، بالتنسيق بين المستويين السياسي والأمني، ممثلاً بمجلس الأمن القومي، وإرسالها أيضًا للأجهزة ذات الصلة: الجيش، ووزارة الخارجية وغيرها، واستخدامها لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.

  • تداخل الصلاحيات:

لا يجد المؤلف غضاضة في الاعتراف بأن هناك انحرافاً وقع في التخطيط للحرب، من خلال استخدام غير مجدٍ، ولغة غير مناسبة خاصة بالأهداف الاستراتيجية والفعالة العليا، التي يطلب تنفيذها من قبل مستويات منخفضة، وهنا عاد بالقارئ لما قال إنه محتوى النقاش العسكري الدائر آنذاك، وما تناوله من طبيعة التعامل مع قدرات الحزب، وكيفية تفعيلها، خاصة وأن عامل السرعة يبدو مهماً أكثر من أي وقت مضى، في ضرورة تقدير حجم الردّ العسكري للجيش، سواء من خلال عملية عسكرية أم بحرب نظامية، وتقدير طبيعة الآثار الحيوية والتنظيمية والقيادية الخاصة بمعارك الجيش.

يؤكد الكتاب أن أعداء “إسرائيل”، دولاً كانوا أم منظمات، لديهم بناء تنظيمي داخلي قوي، بحيث تدير الحروب لديهم مجموعة صغيرة من القيادات تمتلك مخزوناً هائلاً من المعلومات، وتتمتع بالقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات الحرجة، وقد أثبتت الحرب أنه لا يمكن إخضاع العدو بالقوة وحدها، وفي الوقت ذاته فإن القوات الخاصة لا يمكن أن تكون وحدها في قلب الاستراتيجية العسكرية للجيش “الإسرائيلي”، لأن طبيعة مهامها تكميلية، لكن الجهد العسكري الأساسي من مهام سلاح البر، الذي يناط به تحقيق أهداف المعركة الحربية.

يحذر الكتاب مما وصفه تكرار وضع ناجم عن قرار سياسي-استراتيجي، اتخذه المستوى السياسي، أثر بدوره على الجيش، وأسهم في لجمه، وتقييده عن القيام بدوره المناط به من الناحيتين: التكتيكية والفعالة، وبالتالي فإن المستوى السياسي أخطأ في عدم منح المستوى الميداني العملياتي للجيش وباقي الأذرع الأمنية، الهامش المطلوب لها، على الأقل في المستوى التكتيكي.

يؤكد المؤلف أنه بغض النظر عن طبيعة الاستعداد الذي أبدته قيادة المنطقة الشمالية خلال السنوات التي سبقت الحرب، فإن التاريخ الطويل ل”إسرائيل”، يشير إلى أمثلة عديدة حول تدخل المستوى السياسي في الأداء العسكري، الذي أثّر سلباً على عمليات الجيش في معظم الحالات، وفي ضوء ذلك، يوصي بضرورة أن تبدي الحكومة حذراً شديداً تجاه “اقتحامها” للتفاصيل العملياتية للمجالات المهنية، التي هي أصلاً من صلاحيات الأجهزة التنفيذية ومسؤولياتها.

اطلع المؤلف على تفاصيل صيرورة إصدار القرارات السياسية والعسكرية بوضع يده على أسباب الإخفاقات القيادية في المعارك التي خاضها الجيش، وأصابت فعاليتها العسكرية بأضرار كبيرة، عقب شيوع أفكار مبهمة غير واضحة فيما يصل إلى الجنود والضباط من تعليمات وأوامر عسكرية لم تكن متداولة لديهم في عمليات قتالية سابقة، وعبر انتشار مفردات لا تعتبر من الأدبيات العسكرية العملياتية التي دأب الضباط على تبادلها بين بعضهم خلال خوضهم لمعارك وعدوانات سابقة في لبنان والأراضي الفلسطينية، لاسيما بين الأوساط القيادية والإدارية العليا، استراتيجياً وتكتيكياً، حيث إن مستويات مختلفة داخل الجيش استخدمت هذه اللغة الجديدة، وبالتالي جاء تفسيرهم لها مختلفاً حسب فهم كل منهم على حدة، مما أدى في النهاية لنقص في الفهم، وخيبة أمل في أوساط الجيش، خاصة بين صفوف جنود الاحتياط، فضلًا عن انشغال عدد من الدوائر والأوساط المقربة من الجيش مثل دائرة التخطيط وتقدير الموقف، في تقييم النظرة الاستراتيجية، والفكرة العملياتية، وتجزئة الوضع الميداني.

لم تُجْرِ تلك الأوساط رغم ذلك نقاشات وعمليات بحثية منتظمة؛ حول تقدير الوضع في ساعات الطوارئ، وإصدار التعليمات، واستيضاح طبيعة تدريب القوات العسكرية؛ مثل تأهيل الوحدات، والتدريب على مهام خاصة والجبهات العسكرية، والجدول الزمني للتنظيم، وحجم التسليح والدعم اللوجستي، وغيرها؛ ونتيجة لذلك، وقعت فجوة كبيرة بين النظرة الاستراتيجية، والأهداف العملياتية المطلوب إنجازها من القوات الميدانية.

  • الكراريس المتناقضة:

يصل الكاتب في خلاصة كتابه إلى أن خوض جيش الاحتلال لهذه الحرب، وخلال هذه الفترة الطويلة، ليس له من تسمية تناسبه سوى أنه “فشل قيادي” للهيئة العامة للأركان؛ لأنه بصورة يومية نُقِل عشرات التعليمات الإدارية والأوامر العسكرية، وكميات هائلة من الوثائق الداخلية، إضافة إلى العديد من اللقاءات والاجتماعات التي عقدت للموافقة على العمليات العسكرية، والطلعات الجوية داخل الهيئة العامة للأركان.

لكنّ ما حصل فعلا أن نتيجة الحرب كشفت بوضوح لا يقبل الشك لـ”عدم معرفة” تلك الأوساط أن ما تخوضه الدولة في مثل هذه اللحظات هو “حرب” بدأت وسط تدخل غير مبرر لمختلف الأوساط القيادية في التفاصيل العسكرية، سواءً ما تعلق منها بالمراسلات الداخلية، أم إصدار التعليمات الميدانية، مما أدى إلى حالة من عدم وضوح الأهداف العامة في المستوى السياسي الأعلى، وعمّق حجم البلبلة في المستويات القاعدية، سواءً فيما يتعلق بطبيعة التنفيذ العملياتي، أم الجدول الزمني المطلوب.

يقول المؤلف: لعلي لا أجد خاتمة معبرة لهذا العرض حول ظاهرة الأوامر المتناقضة التي وصلت إلى المستوى القيادي الميداني، مما جاء في إفادة أحد جنود الاحتياط الذين شهدوا أمام إحدى لجان الكنيست للتحقيق في الحرب بقوله: “بصورة يومية تقريباً، تلقينا في الميدان 2-3 تعليمات عسكرية مختلفة، وحين شارفت الحرب على النهاية توقفنا عن تلقيها، وكنا نضحك كلما وصلتنا تعليمات جديدة مختلفة عن سابقاتها، فالقيادي الواحد يتراوح حجمه بين 40-50 صفحة، وحين تبدأ بقراءتها، يتصلون بك من قيادة الكتيبة، ويبلغونك بوجود كراسة جديدة في الطريق، فنترك ما بأيدينا من كراسة سابقة…، كانت تأتينا بين حين وآخر أوامر متناقضة، قد لا تبدو مختلفة في عناوينها الأساسية، لكن التفاصيل المتباينة تربكنا في ميدان المعركة، فجأة ترى أفراد كتيبتك يقرأون كراسة ما قبيل دخول الجبهة، وبعيد دخولها يقرؤون كراسة أخرى مغايرة في بعض التفاصيل عما سبقها، كانت هناك “فوضى” غير طبيعية مع هذه الأوامر”!

 

المصدر مركز رؤية للتنمية السياسية

https://vision-pd.org
/%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%b2%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%ba%d8%b1%d9%81/