اللقاءات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية تزعزع الائتلاف الحكومي

  • الأحد 10 أكتوبر 2021 11:38 ص

اللقاءات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية تزعزع الائتلاف الحكومي

 

ما زالت الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية تعيش أصداء اللقاء الذي جمع قادة حزب ميرتس اليساري برئاسة نيتسان هوروفيتس، الشريك في الائتلاف الحكومي، مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في مقر المقاطعة برام الله، مما أوجد أجواء من التوتر داخل الائتلاف ذاته.

وقد جاءت معظم ردود الفعل الإسرائيلية من معسكر اليمين، سواء داخل الحكومة ذاتها، أو من صفوف المعارضة، واعتبر كلاهما أن مثل هذا الاجتماع يخرج عن الإجماع الإسرائيلي في العلاقة مع الفلسطينيين، وطالبت بوقف هذا الاجتماعات التي بدأت مع بيني غانتس وزير الحرب، وانتهت بلقاء قادة ميرتس.

وفي حين يدافع من يعقد هذه اللقاءات عنها، بزعم الحفاظ على خيار التسوية مع السلطة الفلسطينية، لأن البديل الآخر هو تقوية حماس، وهو ما لا تريده إسرائيل والسلطة الفلسطينية معاً، لكن معارضي هذه اللقاءات لا يكترثون بهذه الذرائع، ويعتبرونها لقاءات غير ضرورية، لأنها لا تحمل انعكاسات بعيدة المدى.

فريق ثالث في داخل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي يرى أن هذا التناقض في مواقف الوزراء إنما يؤدي إلى خلق مواجهات غير ضرورية، لأنه سينتج في النهاية عن زعزعة استقرار الحكومة، مع العلم أنه لا يمكن اعتبار الضجة الإسرائيلية القائمة فقط بسبب اجتماعات ميرتس وغانتس مع عباس، لكنها استمرار لإشكاليات يشهدها الائتلاف الحكومي منذ بداياته، مما يعني أن هذه الضجة ليست سوى قمة جبل الجليد في الخلافات الداخلية، في ظل حالة الاستقطابات التي تشهدها الحكومة القائمة.

لم يكن سرا منذ بداية تشكيل الحكومة أنها قامت على أساس هدف واحد فقط يتمثل بالإطاحة بنتنياهو بصورة حصرية، رغم وجود تباينات حزبية بين مكونات الائتلاف الحكومي القائم، ولذلك فمن الواضح أن العاصفة التي أعقبت لقاءات غانتس وهوروروفيتس مع عباس، تعني أننا أمام عواصف قادمة أخرى في الطريق، وهذه الخلافات قد تزيد من التصدعات في الحكومة المشكلة.

في الوقت ذاته، لا تحمل اللقاءات الإسرائيلية المتواصلة مع عباس أي تطلعات سياسية باستئناف عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، باستثناء التقاط الصور التذكارية، وتسجيل نقاط داخل الائتلاف الحكومي ذاته، دون وجود برنامج سياسي مخطط له مع الفلسطينيين، إلا فرض مزيد من الوقائع على الأرض من الاستيطان، ومصادرة الأراضي، واستباحة الضفة الغربية.

ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت ووزير الخارجية يائير لابيد لم تعجبهما لقاءات نظرائهما في الحكومة مع عباس، لكن رغبتهما بالإبقاء على الائتلاف الحكومي الهش، خشية سقوطه، أسكتهما، وجعلهما غير قادرين على منع حصول هذه اللقاءات، حتى أن أوساطهما القريبة تحدثت عن أن اللقاءات، وإن حصلت رغم أنفهما، فلن تسفر عن نتيجة تذكر، لأنه في عصر الحكومة الحالية لن تحصل مفاوضات سياسية مع السلطة الفلسطينية.

أكثر من ذلك، فقد اعتبرت ذات الأوساط أن اجتماع غانتس مع عباس يمكن تصنيفه تحت العمل الأمني الملتزم بالواقع القائم في الضفة الغربية، لأن بينيت نفسه لم يتطرق للقضية الفلسطينية في خطابه الأخير في الأمم المتحدة.

يمكن ربط تزايد عقد هذه اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية مع زيادة الحديث الأمريكي عن إمكانية استئناف العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وما قيل عن ضغوط تمارسها إدارة الرئيس جو بايدن على رئيس الحكومة نفتالي بينيت بالعودة التدريجية للعلاقات مع السلطة الفلسطينية، ولذلك تبدي المحافل اليمينية الإسرائيلية قلقها من عودة المطالبة الأمريكية بإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما يثير سلسلة من ردود الفعل الإسرائيلية الرافضة حول عودة اللاجئين، وترسيخ الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

كما تتزامن اللقاءات الفلسطينية الإسرائيلية مع عودة موظفي الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وعودة سماع عبارة "دولتين لشعبين"، لكن ذلك أثار لدى الإسرائيليين الرافضين لهذا الخيار جملة تساؤلات "استنكارية وتعجيزية"، من بينها طبيعة الفلسطينيين الذين سيكونون مواطني الدولة الفلسطينية المستقبلية، وهل يقتصرون على سكان المنطقة "أ" في الضفة الغربية، وإلى أي مدى سوف تتمتع السلطة الفلسطينية بالفعل بحكم شبه ذاتي فقط، دون الوصول إلى مشروع الدولة المستقلة، وهل يجب إضافة غزة لهذه الدولة، وماذا عن الخمسة ملايين لاجئ فلسطيني الذين ينتظرون منذ 73 عامًا للتمتع بحق العودة، لكن العودة لأي منطقة؟

مع العلم أن غانتس مثلا الذي يبدي تشجعا للتوافق مع التوجهات الأمريكية لا يظهر ذات الحماس لخيار حل الدولتين، لاسيما بسبب تحفظاته حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وبالتالي فإن إلقاء نظرة على هذا المشهد يثير مشكلتين جيو-استراتيجيتين بالنسبة لإسرائيل، أولاهما كيف ستتواصل الضفة الغربية مع قطاع غزة، مع أن أي رابط بينهما سيقطع إسرائيل إلى قسمين، ويعرضها لخطر الاقتحام، وهو ما يروجه معسكر اليمين الإسرائيلي.

 كما أن هذه الذريعة الإسرائيلية تعتمد على فرضية مفادها بوجود 70 كيلومترا بين الأردن والبحر، مما يعني أنه إذا تم إنشاء الدولة الفلسطينية، فستعود إسرائيل إلى عمق استراتيجي يبلغ 15 كيلومترًا في المنطقة الوسطى، وهذه نقطة ضعفها، بحيث ستكون في مرمى نيران الصواريخ من الجبال، وفي هذه الحالة، يستذكر الإسرائيليون الواقع الناجم في غزة عقب الانسحاب منها، وتراجع مقدار الأمن الذي يجب أن يتوقعه الإسرائيليون، في حين فتحت عملية "حارس الأسوار" الأخيرة في غزة نافذة أمنية على عامل مهم لم يؤخذ في الحسبان حتى الآن: الخريطة الجيو-استراتيجية.

الخلاصة أن مجمل الذرائع الإسرائيلية اليمينية في رفض اللقاءات مع السلطة الفلسطينية، وبجانبها يبدون تحفظا إزاء الحراك السياسي الأمريكي نحو استعادة حل الدولتين، يجعل الحكومة الحالية تظهر وكأن يديها وأقدامها مقيدتان في كل قرار سياسي وحكومي، وبالتالي فإن النتيجة المتوقعة تتمثل باستمرار حالة الشد والجذب داخل الائتلاف الحكومي، إلا إذا استطاع بينيت منع وزرائه من استمرار لقاءاتهم تلك، وفي هذه الحالة قد يواجه سيناريو انفراط عقد ائتلافه الهش أصلا، أو الدخول في صدام مع إدارة بايدن، وهما خياران أبعد ما يريدهما رئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي يسعى لتثبيت أقدامه في منصبه، وبأي ثمن!

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20211008-israeli-meetings-with-the-pa-destabilise-the-government-coalition/