عباس "يؤزم" الساحة الفلسطينية بعد تأجيل "انفرادي" للانتخابات

  • الأحد 02 مايو 2021 11:22 ص

عباس "يؤزم" الساحة الفلسطينية بعد تأجيل "انفرادي" للانتخابات

شكل قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات الفلسطينية تماهياً واضحاً مع المطالب الإسرائيلية برفض هذه الانتخابات منذ بدايتها، خشية أن تسفر عن فوز كاسح لحركة حماس، مما يشكل انتكاسة لفريق التسوية، مما سيعيد الأمور لما كانت عليه عقب الانتخابات السابقة 2006، رغم أن هذا القرار أثار غضب الفلسطينيين، فيما تراقب القيادة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي تطورات الوضع عن كثب.

 لم يعد سراً بأن توترات شديدة سوف تشهدها الساحة الفلسطينية بسبب هذا القرار الانفرادي، مع أن الاتهامات التي وجهها عباس لإسرائيل بأنها لا تسمح للناخبين الفلسطينيين بالتصويت في شرقي القدس، لم تكن مقنعة للفلسطينيين.

القصة الحقيقية لهذا الوضع بدأت في تقديم السلطة الفلسطينية خطابًا لإسرائيل تطلب فيه السماح لـ 6،300 فلسطيني من شرقي القدس بالتصويت في مكاتب البريد، كما في الجولات السابقة، في حين أن إسرائيل لم ترد كتابيا إطلاقا على هذا الطلب الفلسطيني، رغم أن أبو مازن يعلم أن الانتخابات ستضع فتح أمام كارثة كبيرة، وقد تأتي في القائمة الرابعة من ناحية الحجم، وباقي القوائم ستأخذ النسبة الأكبر من أصوات الناخبين.

لقد خشي عباس فعلا مما قد يحظى به خصومه من نتائج مخيبة لآماله، سواء حماس أو محمد دحلان أو مروان البرغوثي، لذلك، ومن أجل مواجهة هذا الواقع الخطير بالنسبة له، فقد أعلن عن تأجيل الانتخابات، مكتفيا بتحميل المسئولية لإسرائيل، التي تخشى اندلاع اضطرابات أمنية احتجاجا على قرار تأجيل الانتخابات.

في الوقت ذاته، فإن خطوة تأجيل الانتخابات تسبب انقسامًا آخر في قيادة فتح، لأن جبريل الرجوب، الذي يصنف نفسه واحدا من المرشحين لخلافة عباس، بجانب ماجد فرج وحسين الشيخ، يريد الانتخابات، ويدفع لإجرائها، ولا يخفي تطلعاته منها.

كما أن الجيش الإسرائيلي يستعد على الأرض بعد قرار عباس من أجل فحص جميع ردود الفعل الفلسطينية، لأنه من الواضح تماما أن مثل هذا التحرك من قبله سيثير حنق حماس، التي تشعر بأنها على وشك الفوز، وبالنسبة لإسرائيل فإن فوز حماس في المجلس التشريعي كابوس يحظر تحققه.

تتزايد المعلومات المتوفرة التي تؤكد أن السلطة الفلسطينية دفعت ثمنا باهظا، بسبب الصراعات الداخلية، والأضرار التي لحقت بصورتها في الداخل والخارج، لا سيما عند اتضاح الفجوة بينها وبين حركة حماس، مع أن إلغاء الانتخابات، لن يؤدي بالضرورة لنشوء "ربيع" فلسطيني، فالوضع مختلف هذه المرة، لأنه بعد عقد ونصف من المحاولات لإجراء انتخابات في السلطة، انتهت جميعها بفشل ذريع.

وهكذا ظهر أن الجهود التي بذلتها السلطة الفلسطينية في الأسابيع الماضية آتت ثمارها، فور خروج تلميحات متزايدة من السلطة بشأن تأجيل أو تجميد الانتخابات، بسبب الخلاف مع إسرائيل بشأن إجرائها في القدس، كما في الماضي، مع العلم أن المعطيات المتوفرة تفيد بأن السلطة بذلت جهودا لممارسة ضغوط دولية على إسرائيل، تهدف لتمهيد الطريق لانسحاب محتمل من الانتخابات، وأن ذلك يترافق مع الانقسام داخل حركة فتح، التي تتراجع صورتها في نظر الجمهور الفلسطيني، في حين تظهر حماس حالة من الوحدة، ولديها دوافع كبيرة لجني إنجاز، يحقق هدفها المنشود بقيادة النظام الفلسطيني بأكمله، بحسب الرؤية الإسرائيلية.

يصعب في هذه المرحلة تحديد ردود الفعل الفلسطينية على تأجيل الانتخابات، رغم الأضرار الناجمة عن صورة فتح في الداخل والخارج، واتساع الفجوة بينها وبين حماس، ومن المرجح أن يتم تصويرها على أنها أحبطت خطوة استراتيجية، كان من المفترض أن تؤدي للوحدة الوطنية، وفي هذه الحالة من المحتمل أن يواجه أبو مازن عواقب وخيمة بشكل خاص، لأن الفلسطينيين منذ البداية، يظهرون عدم الثقة تجاهه، ويتوقع أن يستمر الانخفاض الحاد في التوقعات.

من وجهة النظر الإسرائيلية فإن إلغاء الانتخابات الفلسطينية خطوة استراتيجية مهمة ولازمة، وهي علامة تحذير من التهديدات التي قد تندلع على أمنها في المستقبل، في ظل الفجوة الكبيرة بين فتح وحماس، بجانب سلوك السلطة الفلسطينية الذي يثير جملة من المشكلات الأساسية بين الفلسطينيين.

كما أن من أهم مشكلات السلطة الفلسطينية عدم وجود استراتيجية واضحة، والافتقار لعملية اتخاذ قرار منظم، وسوء التوافق بين الأهداف المخطط لها والواقع الفعلي، وهنا يمكن الحديث عن غياب عناصر وازنة بجانب عباس، تمكنه من منع ما تصفه إسرائيل بـ"الحوادث التاريخية الصادمة"، وهذا يعني أن كل ذلك سيزيد من القلق الإسرائيلي بشأن السيناريوهات التي قد تتطور في اليوم التالي لقرار عباس بتأجيل الانتخابات.

لم يكن قرار عباس بتأجيل الانتخابات بعيدا عن الاتصالات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة بشأن الانتخابات الفلسطينية، ورغم مزاعمهما بأنهما لن يعملا على إحباطها، لكن كبار المسؤولين الإسرائيليين يعترفون أن تل أبيب والإدارة في واشنطن تأملان أن يؤجل الفلسطينيون تلك الانتخابات بأنفسهم، وفي هذه الحالة ربما حقق عباس أمنياتهم، قصدا أو عن غير قصد.

لعل ما وقف خلف الاتصالات الأمريكية الإسرائيلية بشأن الانتخابات الفلسطينية، ما يتردد من قلقهما المتزايد إزاء فوز حماس المحتمل فيها، لكنهما امتنعتا عن قول ذلك علنا، كي لا يتهما من الفلسطينيين بمحاولة إفشال الانتخابات، لكن اللافت أن اتصالاتهما تخللتها مخاوفهما المشتركة من أن الانقسام الداخلي في حركة فتح سيضعفها، ويمهد الطريق أمام حماس، ورغم أنهما لم يتخذا خطوات فعالة للقيام بذلك، فقد أصبحتا سعيدَتيْن عقب تأجيل الانتخابات بمبادرة خاصة من عباس، الذي أصدر إشارات لا تخطئها العين في الأسابيع الأخيرة عن تأجيل الانتخابات تحت ذرائع شتى.

لم يصدر عباس قراره الانفرادي بتأجيل الانتخابات بصورة مفاجئة، أو على حين غرة، فقد راقب حركته التي يقودها وهي ما زالت تشهد انقسامات، وتقدمت عدة قوائم منفصلة تابعة لها، ومنشقة عنها، وكما قبل انتخابات 2006، فقد تسببت الاشتباكات الداخلية داخلها بحدوث شقاق بين كبار مسؤوليها، وألحقت أضرارا بحملتها الانتخابية، كما يحصل اليوم مع مروان البرغوثي وناصر القدوة ومحمد دحلان.

الخلاصة أن هذه الخطوة الانفرادية من قبل عباس بتأجيل الانتخابات تزيد التوترات بالتأكيد في الساحة الفلسطينية، وربما تترك آثارها على الساحة الأمنية الإسرائيلية، وبات جيشها يعتقد أن أمامه في الأشهر المقبلة جولة من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

 

المصدرMiddleEastMonitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20210501-abbas-vexes-palestinian-political-scene-after-unilaterally-postponing-elections/?fbclid=IwAR3xYK9ouDXboFkUNVV4pTRoKFZDDPagAy4p5h6iFfEpcPZ2kfadnVIQuO8