قراءة إسرائيلية في الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي

  • السبت 23 يناير 2021 08:50 ص

قراءة إسرائيلية في الذكرى العاشرة لثورات الربيع العربي

أبدت دوائر صنع القرار الإسرائيلي، السياسية والأمنية والبحثية، اهتماما لافتا بمرور عشر سنوات على اندلاع الثورات العربية بمثل هذه الأيام، محذّرة من تجدد موجاتها، رغم أنها للوهلة الأولى تبدو بحكم المنتهية في ذكراها العاشرة.

صحيح أن التقارير الإسرائيلية التي صدرت مؤخرا بمناسبة مرور عقد على اندلاع ثورات الربيع العربي تحدثت بصورة مجمع عليها أنها فاشلة، لكنها بدت مستعجلة في ذلك، لأن مثل هذه التحركات التاريخية الأخرى التي نضجت بعد سنوات عديدة، تحمل فيها براعم النجاح.

لقد انشغل الإعلام الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة بما وصفها احتجاجات "الربيع العربي"، في الذكرى العاشرة لانطلاقها ضد السلطات الديكتاتورية في الشرق الأوسط، بزعم أنها تحولت إلى "شتاء إسلامي" للإسلاميين الذين استغلوا الفوضى لملء الفراغ الذي تركه الحكام العرب الذين تمت الإطاحة بهم.

تحدثت المعطيات الإسرائيلية آنذاك أن المتظاهرين الإسلاميين كانوا أكثر تنظيماً من الليبراليين، ولذلك نجحوا بالوصول للسلطة في انتخابات ما بعد الثورات، وكشفت المتابعة الإسرائيلية لنتائج الثورات العربية بعد هذه السنوات أن الإسلاميين استفادوا منها، في مصر حيث وصل الراحل محمد مرسي أحد زعماء الإخوان المسلمين لكرسي الرئاسة قبل الانقلاب عليه، وفي تونس تولت حركة النهضة الحكم، وشهدت دول أخرى فوضى عارمة، وحروب أهلية طاحنة في سوريا واليمن وليبيا.

اعتمدت إسرائيل رواية مفادها أن الربيع العربي نتيجة لسياسة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، رغم أن واشنطن فوجئت به، وكذلك الاستخبارات العالمية، بما فيها الإسرائيلية، وظهر التأثير الأمريكي متواضعاً على التطورات الداخلية العربية، واكتفى بالدعم المعنوي لاتجاه الدمقرطة، لكنه لم يعمل على الترويج لها بالقوة.

هذا يؤكد أن الربيع العربي لم يحدث بسبب سياسات أوباما، ولكن بسبب ظهور الشبكات الاجتماعية التي سمحت لسكان الدول العربية بفهم مدى صعوبة وضعهم من حيث الحريات المدنية، وشكلت بمثابة أدوات تنظيم لم تكن موجودة من قبل، واليوم بعد عشر سنوات هناك عدد غير قليل من الدلائل على أن الربيع العربي سيحقق نتائج إيجابية في النهاية، رغم الخشية من طول الطريق.

لاحظت المنظومة الإسرائيلية ودوائرها كثيرا من التطورات العربية بعد هذه السنوات العشر، ومن خلالها يمكن الحكم بشكل مختلف على التغيير الذي أحدثه الربيع العربي، والتعرف على معناه الإيجابي، فالعديد من التغييرات التاريخية الإيجابية اليوم جاءت بعد فترات صعبة ودموية، والانتقال من حالة توازن لأخرى يستلزم فترة من الفوضى وعدم الاستقرار.

في الوقت ذاته، دفعت الثورات العربية بعدد من الحكام العرب للإدراك بأنهم يقفون على نفس الجانب مع إسرائيل، ضد الجماعات الإسلامية وإيران، مما قد يدفع الأنظمة العربية وإسرائيل لتبني رؤية جديدة للشرق الأوسط، رغم أنها ستحرم إسرائيل من الادعاء الدائم بأنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

إن تزامن إحياء العشرية الأولى لثورات العربي مع اتفاق التطبيع، منح إسرائيل شعورا بأن يجعل من هذه المنطقة مليئة بالفرص، وليس بالتهديدات فقط، من خلال استنفاد الشعور بالتهديد من الدول المجاورة، وفي النهاية الاستفادة من الفرص المتاحة في المنطقة لصالح تسوية مع الفلسطينيين، لأنها ستغير وضع إسرائيل في المنطقة والعالم بشكل كبير.

وفي ظلال مرور عقد على اندلاع ثورات الربيع العربي، يعتقد مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي أن عدم الاستقرار الإقليمي، بجانب قوة شبكات التواصل، وتطوير التضامن الاجتماعي، قد يتسبب باندلاعها مرة أخرى، وبقوة.

فاجأت طريقة اندلاع الاحتجاجات العربية بدءًا بتونس مرورا بمصر ثم اليمن وسوريا وليبيا، المخابرات الإسرائيلية، التي لم تعترف بقوة الشبكات الاجتماعية، بجانب الحمم المشتعلة التي شهدتها ميادين التحرير، حتى إن واشنطن أدارت ظهرها للرئيس المصري مبارك، ولف أوباما الحبل حول عنقه، لإجباره على إخلاء مقعده.

يمتلك مجتمع الاستخبارات الإسرائيلية الأساليب الأمنية اللازمة لتحليل العقد الماضي في الشرق الأوسط، لكن معظم خبرائه متفقون على أن الربيع العربي لم يتوقف، رغم تغير شكله، وتلاشيه، لأنه قد يندلع مرة أخرى بشكل غير متوقع، ومن المحتمل جدًا أن يكون أكثر قوة في المستقبل، طالما أن الجماهير العربية غير راضية عن أوضاعها.

تعطي المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في ضوء الواقع الناشئ بالمنطقة، نفسها هامشا واسعا للتقييم الاستخباراتي، ففي العمليات التاريخية من هذا النوع تستمر موجات أخرى، ومن الصحيح أن نلاحظ أن هذه الموجات الأعلى تليها الاضطرابات الإقليمية، ولأن الوضع في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا، فسوف يستغرق وقتًا أطول، رغم أن التعميمات في ما يتعلق بالربيع العربي ليست دقيقة.

من وجهة النظر الإسرائيلية، شكلت التطورات العربية وقودًا للاحتجاجات العنيفة التالية، وطالما أن العرب لا يحصلون على ما يريدونه من السلطات الحاكمة، فقد يتكرر الربيع العربي كما حدث بميدان التحرير، مع أن ديكتاتوريي الشرق الأوسط، ممن تشبثوا بالسلطة فترة طويلة اكتشفوا أمامهم فجأة قوة ضخمة تم تنظيمها بسرعة دون سابق إنذار، ودون أن تتمكن المخابرات الإسرائيلية من الإشارة لبؤرتها المركزية.

تؤكد تجربة إسرائيل مع الربيع العربي أن الواقع في الشرق الأوسط يحظر فيه التنبؤ بما سيحدث غدًا، مع أن هذه الحقبة الزمنية الخطيرة ساعدت الاستخبارات الإسرائيلية في تحليل ديناميكيات الشرق الأوسط، ففي الماضي كان هناك ادعاء بأن الديكتاتورية أفضل من الفوضى، لكنها اليوم لم تعد تستطيع تسويق هذه الفرضية بسهولة، وهنا يبدأ الصراع.

بعد عقد من الزمن، لا تفضل إسرائيل سقوط الأنظمة العربية، أو اندلاع الحروب الأهلية من حولها، بل تسعى لاستمرار الأنظمة المستقرة، حتى لو كانوا ديكتاتوريين، وبالنسبة لإسرائيل، فإن هناك حاجة لعنوان واحد واضح لإيصال الرسائل والتفاوض، لأن الشرق الأوسط ما زال يحمل سنام الجهاد العالمي في سوريا وسيناء والعراق، والظواهر التي اندلعت واختفت في هذه المرحلة، شكلت تهديدا للجبهة الداخلية الإسرائيلية.

الخلاصة في وجهة النظر الإسرائيلية، أن الربيع العربي لم يسلط الضوء على رغبة المواطن العربي بتحصيل حقوقه الأساسية والعيش الكريم فحسب، بل أكد على تنامي اللاعب غير الحكومي، والقتال بدون أسلحة حربية، واستغلال التقنيات المتقدمة لتهديد العالم، وهو ما يقلق إسرائيل فعلاً في قادم السنوات!

 

المصدر MiddleEastMonitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20210122-israeli-interpretation-on-the-10th-anniversary-of-the-arab-spring/?fbclid=IwAR1rOW2LRBHBPeUkn2LdIb_jddTPvKZkz40oGxAW_rAXB3fqCUF3OWyiSZo