إسرائيل تواجه تهديدا وجودياً هو الأخطر منذ تأسيسها

  • الأربعاء 25 نوفمبر 2020 08:15 ص

إسرائيل تواجه تهديدا وجودياً هو الأخطر منذ تأسيسها

يزداد القلق الإسرائيلي مما يصفونه أخطر أزمة داخلية تعيشها الدولة منذ تأسيسها، بسبب حالة الانقسامات والاستقطابات والتجاذبات الحزبية، وما تركته من آثار سلبية على صعيد تفسخ الجبهة الداخلية، وشيوع مصطلحات الحرب الأهلية، وانهيار المجتمع الإسرائيلي، والحرب العدائية والكراهية.

ويعتقد الإسرائيليون أن إسرائيل باتت تواجه واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، بعد أن فقدوا الثقة بمؤسسات الدولة وبأنفسهم، وبمن حولهم، وهم يتهمون شخصاً واحداً بالمسئولية عن انعدام الثقة وهو بنيامين نتنياهو، الذي قام ومساعدوه منذ سنوات بتدمير الثقة في المجتمع الإسرائيلي بشكل كامل ومنهجي.

صحيح أن نتنياهو قدم للإسرائيليين قائمة طويلة من الإنجازات، لكنه كأي سياسي لديه نقاط ضعف وإخفاقات، ومشكلته الكبرى ليست في الطريقة الفاشلة التي أصر بها على إدارة أزمة كورونا فحسب، بل في الهجوم الذي يشنه منذ سنوات ضد مؤسسات الدولة، وتدمير العلاقات الأخوية بين الإسرائيليين، وقد عاشوا منذ سنوات على حث بعضهم على عدم الإيمان بوسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية ونظام القضاء، والشرطة والنيابة العامة والمدعي العام ومسؤولي وزارة المالية، وفي النهاية يتضح أن الكثير منهم لا يؤمنون بسلطات الدولة.

لسنوات عديدة، يعيش الإسرائيليون حالة من التحريض ضد بعضهم، مما قوض ثقتهم ببعضهم، وزرع الفرقة والكراهية بين اليمين واليسار، العرب واليهود، المتدينين والعلمانيين، الشرقيين السفارديم والغربيين الأشكنازيم، واعتبار أن كل من لا يصوت لهذا المعسكر أو ذاك من الخونة، وليس لهم دور في إسرائيل، وكل منهم يعتنون فقط بمعسكرهم الحزبي، والنتيجة أن الإسرائيليين في هذه الأزمة الشديدة لا يؤمنون ببعضهم.

يتخوف الإسرائيليون من تفشي انهيار ما يصفونها "الأخوة الوطنية"، واستبدالها بالعداء القبلي، وتنامي الكراهية الداخلية التي قد تؤدي إلى تفكك إسرائيل، ونشوب حرب أهلية دامية، وتعميق الانقسامات الداخلية، وزيادة الجدالات وتبادل الاتهامات بالاستعانة باللغة الهجومية، والسياسات الانقسامية، ولكي يحافظ كل زعيم من زعماء الإسرائيليين على ولاء معسكره له، فهو يعمل على تعميق العداء بين الباقين.

النتيجة الحاصلة أن كل شيء الآن ينفجر بوجوه الإسرائيليين، فعدم الثقة بين بعضهم البعض يخلق أمامهم صعوبات، خاصة في خضم الوباء والأزمة الاقتصادية التي قد تسفر عن كارثة محققة لهم، مع شيوع حفنة من المتملقين والمنافقين الذين يتقربون من الزعماء الإسرائيليين.

اللافت أن نتنياهو الذي تمكن من شراء ثقة أمراء الخليج العربي والجمهوريين الأمريكيين، لكنه خسر بقية الإسرائيليين، وبعد أن بنى قيادته لسنوات على زرع الانقسام والكراهية بين الإسرائيليين، فإن شعاره بات عنوانه "أنا إسرائيل، وإسرائيل هي أنا"، ولم يعد قادرا على التمييز بين مصلحته الشخصية ومصالح الدولة.

وسط هذه الغيوم السوداء التي تحيط بالإسرائيليين، تزداد قناعات قطاعات عريضة منهم أن مجتمعهم أصبح ضعيفا ومنقسما وجبانا ومشلولا، وتحول من بلد قوي ومستقر وموحد، إلى مجتمع نزل إلى هاوية الكراهية، والشلل والانفصال، وبات يعيش أصعب أيام عرفها على الإطلاق.

لقد نجح نتنياهو وفريقه بتفريق الإسرائيليين، وتفكيكهم إلى فتات رقيقة من الكراهية والعداء والشر، وتحويلها من ديمقراطية حديثة إلى مملكة فاسدة، تفسد كل ما يمسه، وكل من يجرؤ على قول كلمة واحدة لانتقاد الحكومة الفوضوية يتم اتهامه على الفور بالخيانة، ويصنف فورا بأنه يساري يكره إسرائيل.

من الظواهر الدالة على هذا المنزلق الذي انحدرت إليه إسرائيل، أنها لم تعد تتسع للاستماع، واحترام الرأي المختلف، ومحاولة فهم الجانب الآخر، بل إن غموضا كبيرا بات يلفها، بفعل الكراهية الرهيبة، وطبقة الخبث التي ستتسبب باندلاع الحرب الأهلية، حتى أن قاعدة الكذب باتت تتعمق في النقاشات السياسية، بجانب اندلاع التحريض.

يتزامن ذلك مع مرور 25 عاما على اغتيال رئيس الوزراء الراحل إسحق رابين، حيث انقسم الإسرائيليون أكثر من أي وقت مضى، ووصل التحريض الداخلي آفاقا جديدة، لأن الزمن الذي تلى الاغتيال بات من أكثر الأوقات دراماتيكية في تاريخ إسرائيل، وعندما نُقل رابين للمستشفى في حالة حرجة، تأمل الإسرائيليون ألا يكون مطلق النار يهوديًا، لكن كل الآمال تبددت.

هذه الأيام الصعبة التي يعيشها الإسرائيليون تذكرهم بما سبق مقتل رابين، فالكراهية والانقسام الذي نراه في الشوارع الإسرائيلية أخطر مما كان عليه في ذلك الوقت، وأجراس الإنذار تدق، وتحذر من اغتيال سياسي آخر، ونشطاء الليكود يتجولون بقمصان عليها عبارة "اليساريون خونة"، فيما يغرد يائير نجل رئيس الوزراء باستمرار ضد المدعي العام، واتهامه بتشكيل تهديد وجودي على إسرائيل، ووصفه بأنه "سيئ مثل إيران".

مع العلم أنه عشية اغتيال رابين، انقسم الإسرائيليون بين يسار ويمين، بين مؤيدي اتفاق أوسلو الذي وقعه، وبين معارضيه الذين اعتبروا تسليم الأراضي للفلسطينيين خطيئة لا تغتفر ضد التوراة، حينها كان الجو مشحونًا، والإسرائيليون تمزقوا بين القطبين، وبهذا المعنى، فإن المناخ الحالي أسوأ بكثير، لأن عملية التفكك الداخلي تتسارع بشكل كبير، ولم يعد الانقسام بين اليسار واليمين، بل بين من يحتقر نتنياهو، ومن يعشقونه.

نصف الإسرائيليين يقفون وراء نتنياهو، والنصف الآخر يرونه قوة مدمرة، وتهديدا وجوديا حقيقيا لمستقبل إسرائيل، ولا أحد من الجانبين مستعد للتزحزح، لأن الجمع بين هذا التعنت والتحريض المرير من نتنياهو ورفاقه ضد سلطات القانون، الممزوج بالأزمة الاقتصادية العميقة، وحزم الاحتجاجات المستمرة في جميع أنحاء إسرائيل، يجعل الأمور كلها مهيأة للانفجار، ولم يعد المطلوب سوى شرارة لإشعال الحريق.

إن الشعار المناهض لنتنياهو هو "اذهب"، مما ساهم بتأجيج الاحتجاجات في إسرائيل، ومعظم العنف الإسرائيلي ينبع من أتباع رئيس الوزراء، من خلال محاولات دهس المتظاهرين، وإطلاق الغاز المسيل للدموع، ورذاذ الفلفل، ورشق الحجارة، والاشتباكات بين الحين والآخر، ولذلك فإن الهواء مليء بأبخرة قابلة للاحتراق، فقط بانتظار شخص ما لرمي عود ثقاب.

أخيراً... إن ما تشهده الأجواء الإسرائيلية من توترات تفيد باقتراب اغتيال سياسي آخر، صحيح أن المادة اللاصقة التي تربط "القبائل" المختلفة في المجتمع الإسرائيلي بأمة واحدة، لم تعد قائمة كما قبل، لكن هذا لا يعني أن الضرر لا رجوع فيه، ورغم نتنياهو نفسه محمي بشكل جيد من أجهزة الأمن، كدرس من اغتيال رابين، لكن الخطر الأكبر يكمن في المظاهرات والشوارع، وبالتالي فإن فرص محاولة استهداف أحد ما في إسرائيل باتت تتزايد، والمنحدر الذي تجد إسرائيل نفسها عليه أصبح منزلقًا أكثر من أي وقت مضى، والفرامل تتناقص، باتجاه مزيد من التعقيد لأزمتهم المستعصية.

 

المصدر MiddleEastMonitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20201124-israel-faces-the-most-dangerous-existential-threat-since-its-establishment/?fbclid=IwAR3FtkPo0q9lvjwf0Wa0mufw1i9I-5uIKhIg8aXYRd6WWvR3oQAiSyz1hoM