السلطة الفلسطينية تخيب الآمال بعودتها للتنسيق الأمني مع إسرائيل

  • الجمعة 20 نوفمبر 2020 07:24 م

السلطة الفلسطينية تخيب الآمال بعودتها للتنسيق الأمني مع إسرائيل

تطور سريع شهدته العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية في الساعات الأخيرة تمثل بإعلان السلطة الفلسطينية استئناف التنسيق الأمني مع إسرائيل، بعد توقف دام ستة أشهر، مما دفع فصائل فلسطينية لإصدار مواقف تدين هذه الخطوة، وتحذر أنها ستكون على حساب المصالحة الوطنية.

في الوقت ذاته، يطرح عودة السلطة الفلسطينية للتنسيق الأمني مع إسرائيل جملة من الأسباب التي تقف خلف هذه الخطوة المفاجئة، أولها انتخاب جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة، وثانيها الأزمة الاقتصادية الحادة في السلطة الفلسطينية، وثالثها الخلافات داخلها حول المصالحة مع حماس.

كان واضحا منذ قرار السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، أنها صعدت إلى شجرة مرتفعة للغاية، ومنذ اتخاذ هذه الخطوة، حاول الجانبان، السلطة الفلسطينية وإسرائيل، جس نبض الطرف الآخر، لأن التنسيق الأمني بينهما "أنجز" جهودا كبيرة منذ عام 2008، على صعيد ملاحقة المقاومة الفلسطينية، وصمد أمام عدد ليس قليلا من الاختبارات الصعبة، وبات متجذرا بالفعل في ثقافة الأجهزة الأمنية في تل أبيب ورام الله.

اللافت أنه رغم وقف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل استمر تبادل السلع في الانتقال من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية، وواصل المسئولون الفلسطينيون التنقل بين مدن الضفة الغربية، والسفر خارجها، وهذا جزء من التنسيق الذي لم يتوقف، وبعد أشهر من دخول نطاق تجميد التنسيق الأمني حيز التنفيذ، دأب الجيش الإسرائيلي على القيام باعتقالات مركزة في جميع أنحاء الضفة الغربية، شملت مئات الفلسطينيين.

منذ اللحظة الأولى لقرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، وقطع اتصالاته معها، بدا أنه سيبحث عن طريقة للنزول من هذه الشجرة، ورغم أنه أعطى تعليمات شاملة لجميع الجهات الفلسطينية على الأرض لقطع الاتصال مع نظرائهم في إسرائيل، لكن التقديرات الإسرائيلية أكدت أن هذا الوضع سيتغير، وهو ما حدث بالفعل للأسف الشديد، ولم تصمد السلطة الفلسطينية في هذا الاختبار!

على مدى السنوات الماضية، كانت هناك تهديدات وتحذيرات من كبار المسؤولين الفلسطينيين بأنهم على وشك قطع التنسيق الأمني والمدني مع إسرائيل، لكنهم عادوا بسرعة كبيرة، وتصرفوا بشكل مختلف على الأرض، رغم أنه هذه المرة بدا الوضع مختلفا، لأن إسرائيل مرت خلال الشهور الستة الماضية بأهم اختباراتها الميدانية مع الفلسطينيين، بسبب انقطاع الاتصالات على جميع المستويات.

لم يستطع الجيش الإسرائيلي إخفاء قلقه الكبير أن يسفر قرار السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني عن عودة العمليات المسلحة لقوى المقاومة الفلسطينية، أما المستوطنون الذين دأبوا على دخول المناطق الفلسطينية، خاصة مناطق "أ" في الضفة الغربية، فقد واصلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية حمايتهم،والعمل على تأمينهم، ثم تسليمهم للجيش الإسرائيلي.

ورغم بقاء التنسيق الأمني الفلسطيني الإسرائيلي متوقفاً منذ مايو الماضي، وقطع العلاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، فقد زعم الإسرائيليون أن الخطوط الأمنية لا تزال مفتوحة بينهما، وواصل ضباط أجهزتهما الأمنية تبادل الرسائل غير المباشرة، وإرسال الإنذارات الأمنية من إسرائيل للسلطة الفلسطينية، ومنع احتكاك قواتهما، مما يفند تصريحات مساعدي عباس الذين زعموا أن قطع العلاقات يتضمن وقف التنسيق الأمني مع الجيش وجهاز الأمن العام -الشاباك، الذي ساعد لسنوات بإحباط الهجمات المسلحة من قوى المقاومة الفلسطينية.

تعتبر عودة السلطة الفلسطينية الى التنسيق الأمني مع إسرائيل إنجازا للأمن الإسرائيلي، الذي حذر المستوى السياسي الحكومي من عودة الهجمات الفلسطينية، وفي هذه الحالة فإن الجيش سيعود للأراضي الفلسطينية، مما دفع المنظومة الأمنية الإسرائيلية لتنبيه القيادة السياسية الإسرائيلية مرة ومرات بأنها تجر المنطقة للتصعيد العسكري.

كما أدرك جنرالات الجيش الإسرائيلي، في فترة مبكرة أن قرار عباس بوقف التنسيق الأمني هدف لوقف التحرك الإسرائيلي لضم المستوطنات وغور الأردن، لأن واقع السلوك السياسي الإسرائيلي لم يترك خيارا أمامه سوى قطع التنسيق، ولو بصورة مؤقتة، وإلا فسيُنظر للسلطة على أنها متعاونة أمنيا مع إسرائيل، وفي هذه الحالة قد تعود الهجمات المسلحة ضد المستوطنين والجنود نتيجة فقدان السيطرة الميدانية من جهة، أو نقص التنسيق الأمني من جهة أخرى.

بدا واضحا منذ اللحظات الأولى لقرار السلطة الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني أن الجيش الإسرائيلي سيضطر للعودة للأراضي الفلسطينية دون خيار، مع أن هذا آخر شيء تريده السلطة الفلسطينية، التي سعت لترميم قدراتها الأمنية بعد عملية السور الواقي، وفي اختبار الواقع، اتضح جلياً أنها لم تنوي منذ البداية كسر كل الأواني مع إسرائيل، وفي حالات استثنائية تم اتخاذ خطوات ميدانية لمنع التدهور الأمني، ومن ذلك أنه كلما دخل المستوطنون عن طريق الخطأ للمدن الفلسطينية، فإن الأمن الفلسطيني أعادهم لإسرائيل، وهو ما تم فعلا..

ورغم مرور ستة أشهر على وقف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، فإن هذا التنسيق بقي موجودا بينهما في عدة مجالات، فالصعيد المدني يشمل منح تصاريح العمال، ودخول المرضى للعلاج الطبي في المستشفيات الإسرائيلية، وفي الجانب الأمني، فإن التنسيق يمكّن الجيش وحرس الحدود من دخول المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية من أجل الاعتقال أو تسيير الدوريات، والنقل السريع الذي يشمل التسليم السريع للمستوطنين الذين يدخلون مناطق عن طريق الخطأ، وهي حالات يُعرفها الجيش بأنها خط أحمر، وقد تؤدي لتصادم فوري مع الفلسطينيين.

كما يشمل المجال الأمني نقل المعلومات من إسرائيل لأجهزة السلطة الفلسطينية حول النشاطات المسلحة من المنظمات الفلسطينية، وبقي السؤال الكبير في حينه ما إذا كان عباس على استعداد للذهاب حتى النهاية في قراره هذا، حتى لا يبدو متعاونا مع خطة الضم، أو يحاول زيادة الضغط على المستوى السياسي في تل أبيب، لأن المنظومة الأمنية الإسرائيلية حذرت من التدهور مع الفلسطينيين نتيجة لصفقة القرن الأمريكية.

لكن قرار السلطة الفلسطينية بالعودة للتنسيق الأمني مع إسرائيل يؤكد أن جيش الاحتلال نجح بإيصال تحذيراته للحكومة بأن استمرار وقف هذا التنسيق سيجر المنطقة للتصعيد مع الفلسطينيين، وهو آخر ما تريده إسرائيل، وفي هذه الحالة تبدو الإشارة مهمة أن بعض المبررات التي تسوقها السلطة الفلسطينية في عودتها للتنسيق الأمني مع إسرائيل، أن هذا التنسيق لم يحم الإسرائيليين فحسب، بل حمايتها هي أيضا، ومن مصلحتها منع الهجمات ضد إسرائيل، وإبقاء سيطرتها على الضفة الغربية، وكأن عدوها الحقيقي هي قوى المقاومة وليس الاحتلال الإسرائيلي الذي يتربص بها، وعمل على تهميشها طوال السنوات الماضية!

 

المصدر MiddleEastMonitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20201119-disappointment-with-pas-resumption-of-security-coordination-with-israel/?fbclid=IwAR1QfYBU74qFonn0bCBqp4Oi8MNbrtFd7PtktmLpNQdgKH_4B72iqCCvo5k