الخاسرون والرابحون من الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي

  • الأربعاء 14 أكتوبر 2020 02:28 م

الخاسرون والرابحون من الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي

مع اقتراب توقيع اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي، تتزايد المواقف الإسرائيلية بشأن الفوائد المكتسبة من هذا الاتفاق، سواء على صعيد المكاسب المادية، أو اختراق المنطقة، أو مواجهة إيران، فيما يرى آخرون أن الاتفاق يطوي صفحة القضية الفلسطينية، ويجعلها هامشية بنظر الدول العربية، مما يفسر غضب الفلسطينيين.

السطور التالية تناقش تأثير الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي على مستقبل القضية الفلسطينية، هل تملك الإمارات قدرة تجاوز الفلسطينيين، أصحاب القضية الأصليين، وهل ما زال الفلسطينيون يملكون الفيتو على أي خطوة تطبيعية عربية مع إسرائيل دون الاتفاق معهم، ولماذا خسرت الامارات شعبيتها، وأسقطت اسمها في الرأي العام العربي بسبب الاتفاق مع إسرائيل، ما المقابل لكل هذه الخسائر.

بعد مرور شهر على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التوصل الى اتفاق سلام بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، وقبيل توقيع هذا الاتفاق في واشنطن، يتساءل الفلسطينيون والإسرائيليون حول ماهية هذا الاتفاق، بين كونه تكتيكيا أم استراتيجيا، في ظل صدور موجة من تفسيراته، بشأن من كسب وخسر منه.

وفور الإعلان الأمريكي عن هذا الاتفاق، الذي يعني توصل إسرائيل والإمارات إلى اتفاق سلام كامل، وترسيم شامل لعلاقاتهما السياسية والدبلوماسية، وصولاً لتبادل السفراء وإقامة السفارات، بدأت تخرج المواقف الإسرائيلية والفلسطينية، بين ترحيب إسرائيلي وصدمة فلسطينية.

توافقت العديد من الآراء على أننا أمام اتفاق يمكن وصفه بأنه إنجاز إسرائيلي أمريكي إماراتي، وفي الوقت ذاته خسارة فلسطينية، رغم أن القراءات ما زالت بعيدة لمعرفة مغزى الاتفاق على المدى الطويل بالنسبة لإسرائيل، رغم أنه يمنحها إمكانات إيجابية للغاية، وقد يُستغل لتعزيز اتفاقها مع الفلسطينيين، القضية الأكثر استراتيجية ووجودية لها، ومن ناحية أخرى، قد يتسبب الاتفاق في ضرر إذا حاولت تلك الأطراف استخدامه للالتفاف على القضية الفلسطينية، وإهمالها.

صحيح أن الاتفاق بين إسرائيل والإمارات، يقدم إنجازات للأولى، فالعلاقات السياسية والاقتصادية مع الثانية مهمة، لكنها ليست كافية، وقد يصبح الاتفاق إنجازاً استراتيجياً إذا لعبت الإمارات دوراً مفيداً بحل الصراع مع السلطة الفلسطينية، وإلا فإن البديل هو إضعافها، وتقوية حماس، وهذا هو سر التخوف الإسرائيلي، ولذلك فإذا كانت الإمارات متعلمة لممارسة نفوذها بإنتاج أدوات لتعزيز تسوية إسرائيلية فلسطينية بروح المبادرة العربية لعام 2002، فإن المنفعة التكتيكية لاتفاقها مع إسرائيل ستصبح استراتيجية.

التقدير الإسرائيلي يرى أن الاتفاق مع الإمارات سيتحول من إنجاز تكتيكي إلى ضرر استراتيجي إذا استغله نتنياهو وترامب لعدم إيجاد حل للقضية الفلسطينية، بزعم أن التطبيع الإقليمي قد يتحقق في غياب التسوية، صحيح أن التطبيع مهم بالفعل لإسرائيل، لكنه لن ينقذها من مأساة دولة ثنائية القومية، لأن خطوة الإمارات سلطت الضوء على قبول إسرائيل في الفضاء الإقليمي، شرط قبول حل الدولتين مع الفلسطينيين.

ولذلك قد يتزامن التطلع الإماراتي للاتصال العلني بإسرائيل، مع تهيئة الساحة الإقليمية بأكملها لأن تكون جاهزة للترويج لتسوية إسرائيلية فلسطينية تتماشى مع مصالح الأولى، مما يؤكد أن الاتفاق مع الإمارات يتطلب وجود قيادة سياسية إسرائيلية قادرة على استغلال السياق الإقليمي الإيجابي الجديد لإنقاذ إسرائيل من الوضع الراهن، خشية أن يقودها إلى دولة ثنائية القومية، التي تعني نهاية الحلم الصهيوني أخلاقياً وديموغرافياً.

ليس سراً أن الاتفاق الإسرائيلي مع الإمارات منح الأولى فرصة "للشماتة" بالفلسطينيين، لأن أشقاءهم "الإماراتيين" تجاوزوهم، ووقعوا اتفاقات سلام مع الاحتلال، قبل إيجاد حل عادل القضية الفلسطينية، يعيد الحقوق لأصحابها، ولذلك يزعم الإسرائيليون أنه بعد الاتفاق مع الإمارات، سيكون بإمكان الفلسطينيين أن ينتظروا طويلا لإنهاء الصراع معهم، حتى لو استغرق الأمر وقتاً طويلا، فالاتفاق مع الإمارات أثبت أن الوقت لا يخدمهم.

كما أن "شعار "السلام مقابل السلام" الذي قام على أساسه اتفاق إسرائيل والإمارات، ليس دقيقا، لأنه لم يكن لديهما صراع على الأرض والحرب، والاتفاق يعني أن الإمارات وضعت القضية الفلسطينية جانباً لتعتني بنفسها، مما يؤكد أن الوقت بات ملائما ومتاحا لإسرائيل لأن تستفيد من علاقاتها بالدول العربية "المعتدلة"، حتى من دون الفلسطينيين.

هذا يؤكد أن الاتفاق الإسرائيلي مع الإمارات يحمل العديد من المضامين الإسرائيلية، أهمها أنه بعد 25 عامًا من عدم قدرة القيادة الفلسطينية على بناء دولة، فقد مني الفلسطينيون بانخفاض كبير في مكانتهم الدولية، وقد يفقدون كل شيء، على حد الزعم الإسرائيلي.

في الوقت ذاته، تدرك بعض الأوساط "العقلانية" في إسرائيل، أن الاتفاق مع الإمارات لا يعني التخلص من ملايين الفلسطينيين، لأنهم لن يتبخرون من الجغرافيا والتاريخ، رغم إزاحة قضيتهم الوطنية عن جدول الأعمال العربي الرسمي، بل سيواصلون العيش هنا، وفي النهاية سيتعين على إسرائيل التوصل إلى حل معهم يتم التوافق عليه.

يبدي الإسرائيليون اعتقادهم بأن ترامب ونتنياهو عملا على تضخيم أبعاد الاتفاق مع الإمارات، لأن نتنياهو يعرف كمعظم الإسرائيليين، أن كل مقارنة لهذا الاتفاق باتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل مع جاراتها في مصر والأردن، هي تضخيم مفتعل وغير واقعي!

صحيح أن إقامة علاقات مع إمارة خليجية حدث يسر معظم الإسرائيليين، لكن الأمر يتعلق بإنجاز متواضع، لا يحتل العناوين لفترة طويلة، ولن يدفع إلى الهامش المشاكل المشتعلة ضد نتنياهو: كورونا، والأزمة الاقتصادية، والفساد الشخصي، ومن المشكوك فيه أنه نفسه يؤمن بالأوهام التي نثرها.

لا ينفي الاتفاق حقيقة أن التطبيع الجزئي كان قبل ذلك بكثير، بل إن علاقات تل أبيب وأبو ظبي توقفت أن تكون سرية منذ زمن بعيد، حيث تحتفظ إسرائيل هناك بممثلية، وتجري اتصالات دبلوماسية وأمنية، ورئيس جهاز الموساد ضيف مرغوب فيه هناك، وعندما تورط الموساد في تصفية القيادي في حماس محمود المبحوح بإمارة دبي في 2010، لم يبد رئيسه مائير داغان التأثر والقلق، لأنه عرف كيف يتدبر أمره مع قادة الإمارات.

لا يخفي الإسرائيليون تفاؤلهم من أن إقامة علاقات دبلوماسية إسرائيلية كاملة مع الإمارات، سيفتح الباب لإقامة علاقات كاملة مع دول أخرى مثل: البحرين، وعمان، والسعودية، والمغرب، وربما السودان، مع أن اتفاق السلام الثالث الذي توقعه إسرائيل مع دولة عربية بعد مصر والأردن، هو عكس ما اعتادت عليه على مدى السنين، حين كان يتطلب منها أن تتنازل عن أراضٍ تسيطر عليها كي تحقق اتفاقات سلام مع العرب، وباتت الصيغة الجديدة "السلام مقابل السلام"، بدلاً من "الأرض مقابل السلام".

الفلسطينيون من جهتهم لا ينخدعون بالدبلوماسية الزائفة التي أسفرت عن اتفاق الإمارات وإسرائيل، لأنها وسيلة للحفاظ على الوضع الراهن لإسرائيل المتمثل بممارسة سرقة الأراضي وهدم المنازل والقتل التعسفي خارج نطاق القانون والفصل العنصري، فضلاً عن انتهاكات أخرى لحقوق الفلسطينيين، فالضم واقع يومي على الأرض، ومن خلال تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون أي مكاسب للفلسطينيين، تتعهد الإمارات بالتواطؤ مع انتهاكاتها للقانون الدولي وحقوق الإنسان الفلسطيني.

كما يأتي الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي في إطار سلسلة ممتدة من الممارسات الأمريكية، وأبرزها نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، وإعلان صفقة القرن دون مشاركة فلسطينية.

أكثر من ذلك، فإن أوساطاً فلسطينية واسعة تعتقد أن الصفقة التاريخية بين الإمارات والاحتلال لا تقرب الشرق الأوسط من السلام، بل تعزز التحالف الإسرائيلي الأمريكي الإماراتي ضد إيران، ممَّا سيزيد من تأجيج التوترات، ويسبب الموت والمعاناة، والحفاظ على وضع إسرائيل القائم على الاحتلال والفصل العنصري.

إن الاتفاق الإماراتي مع إسرائيل ينقلها من دعم الفلسطينيين إلى دعم الاحتلال الإسرائيلي الذي لا ينتهي، ويعزز تحالفها مع واشنطن، ويتعلق بتحسين صورة نتنياهو، ودعم حملة الرئيس الجمهوري الانتخابية، بدلاً من إحلال السلام في الشرق الأوسط، كما يظهر مصلحة نتنياهو وبن زايد في إبقاء ترامب في البيت الأبيض، وهكذا فإن تطبيع العلاقات بين أبو ظبي وتل أبيب، الذي سهلته واشنطن، دعم ثلاثة قادة قمعيين: ترامب ونتنياهو وبن زايد، وسيؤدي لمزيد من الضرر للفلسطينيين.

ولذلك فإن أي محاولة إماراتية بالترويج لتطبيعها مع إسرائيل بأنه انتصار للفلسطينيين، الذين يمكنهم أن يطمئنوا لأنهم سيعيشون تحت الاحتلال الدائم، دون ضم أراضيهم مؤقتاً، فيمكن اعتبارها "سفسطة وقحة"، بدليل أن الفلسطينيين قلما توافقوا في السنوات الأخيرة على موقف سياسي بعينه، لكن اتفاق الإمارات وإسرائيل بدد معظم خلافاتهم، ولو مؤقتاً، بصدور تصريحات وردود فعل منددة ومستنكرة ورافضة للسلوك الإماراتي.

 

المصدر AL-JAZEERA

https://www.aljazeera.com
/opinions/2020/10/14/is-the-normalisation-deal-really-a-win-for-israel/