القلق الإسرائيلي من تركيا: ليبيا غرباً وأذربيجان شرقاً

  • الخميس 20 اغسطس 2020 12:43 م

القلق الإسرائيلي من تركيا: ليبيا غرباً وأذربيجان شرقاً

مع مرور الوقت، تتوتر العلاقات التركية الإسرائيلية، وتتسع رقعة خلافاتهما، سواء بسبب تأييد أنقرة لحركة حماس، أو زيادة نفوذها في البحر المتوسط على خلفية الصراع في ليبيا، أو مزاحمتها لإسرائيل في القوقاز، حيث منطقة النفوذ الإسرائيلي مع أذربيجان، وهو ما يزيد من استقطابهما وتنافسهما.

السطور التالية تناقش أبعاد التوتر التركي الإسرائيلي، وما انعكاساته على الشرق الأوسط عموما، وعلاقات الجانبين خصوصا، وتأثيرها على باقي ملفات المنطقة: سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

شكل تمركز الأتراك في البحر المتوسط مصدر قلق إسرائيلي بزعم تأثيره السلبي على مستقبل غازها الذي بات في خطر،بعد إعلان أنقرة نيتها الحفر قبالة سواحل ليبيا، مما عبر عن طموحات توسعية في المنطقة.

فيما تشير القراءة الإسرائيلية لما تشهده ليبيا من حرب داخلية واستقطاب خارجي، أن الرئيس التركي رجب ديب أردوغان استغل بحذر الأزمة العسكرية والاقتصادية لحكومة طرابلس بقيادة فايز سراج، ووقع سلسلة من الاتفاقيات والتعاون العسكري، وإقامة الحدود البحرية بينهما، استنادا للقانون البحري الدولي الذي يسمح لهما بتجاوز مسافة 400 ميل من مياههما الإقليمية.

إسرائيل راقبت التحركات التركية، خاصة مع تضاعف اكتشاف حقول الغاز في شرق البحر المتوسط، مما أفرز حالة من تشكيل التحالفات والاتفاقات بين الدول التي بدأت بتحديد مناطقها البحرية الاقتصادية في الوقت المناسب، وبدأت السباق لتحديد مواقع حقول الغاز وتطويرها، ودخلت إسرائيل في مجموعة من التعاون الاقتصادي والاستراتيجي مع اليونان وقبرص ومصر.

يتوقع الإسرائيليون أن تنمو جرأة الأتراك مستقبلا، وهذا ليس ما تريده إسرائيل ومصر واليونان وقبرص، وحتى لو تركز الصراع في الساحة الدبلوماسية، فإن فرص المواجهة المادية في البحر تبدو واقعية، فما يحدث في ليبيا يهم إسرائيل كثيراً، مما يجعلها بحاجة لحملة منظمة تجاه تركيا حتى لا تتفاجأ، فقد تأتي المفاجآت من عدة اتجاهات، بما في ذلك التعاون الفلسطيني التركي في مجال الغاز قبالة سواحل غزة.

في الوقت ذاته، ترقب إسرائيل فرص اندلاع مواجهة بحرية بين تركيا واليونان، في المنطقة الواقعة بين جزيرة كريت وليبيا، ومع تقاربها في السنوات الأخيرة من اليونان وقبرص، فإن ذلك قد يتطلب زيادة المناورة معها، مع الدعم الذي تتوقعه من حلفائها في المنطقة في مواجهة السياسة التركية.

في سياق متصل، فإن إسرائيل واليونان ومصر تواجه بصورة مشتركة ما بات يعرف بـ"التحدي التركي"، ويضعها أمام اختبارات قاسية، مما قد يحمل تنبؤات مفادها أن تصاعد الصراعات في شرق البحر المتوسط، قد يصل درجة التدهور نحو مواجهة عسكرية، في ضوء القراءة الإسرائيلية للسلوك التركي على المستوى الجيو-استراتيجي والاقتصادي، الذي يركز على ترسيم حدود المياه بشرق البحر المتوسط، وهي قضية ذات أهمية كبيرة لإسرائيل، لأنها تثير مخاوف بشأن الاشتباكات العسكرية حول النشاط الاقتصادي قرب شواطئ الطاقة.

وفي ظل التحدي الإيراني والجبهة الشمالية الذي يواجه إسرائيل هذه الأيام، فهي تفضل ألا تكون شريكا عسكريا نشطا في مواجهة عسكرية محتملة بجانب اليونان أو مصر ضد تركيا، لكنها قد تساعد بتعزيز التعاون الاستخباراتي، والمشتريات الأمنية، والتنسيق السياسي في واشنطن، فإسرائيل لا تخفي خشيتها من اتساع الساحات التي تنشط فيها تركيا بصورة فاعلة، لأنها تلقي بظلال طموحاتها الاستراتيجية على مستقبل شرق البحر المتوسط، وتقاسم المياه الاقتصادية فيه.

ترى إسرائيل أن "معركتها" ضد التطلعات التركية في شرق البحر المتوسط، تواجهها جملة عوامل إقليمية وقوية لها تأثير على ميزان القوى، فمصر تتعرض لضغوط مزدوجة: من إثيوبيا بشأن قضية السد، وتهديد الإخوان المسلمين على الجبهة الليبية، وباتت هاتان مسألتان ذات أهمية وجودية لنظام السيسي، مما يخلق احتمال حدوث صدام بين مصر وتركيا.

المعلومات المتوفرة لدى إسرائيل، تفيد بأن اليونان تدعم بشكل كامل التحركات المصرية في ليبيا، ولكن من المشكوك أنها ستكون قادرة على التدخل في مواجهة عسكرية بجانبها ضد تركيا، أما عما يمكن أن تفعله إسرائيل، ففي حال تصاعدت الصراعات في شرق البحر المتوسط لدرجة التدهور نحو صراع عسكري، فلن تتمكن من المشاركة بشكل مباشر في القتال ضد تركيا، سواء مع اليونان وقبرص، أو مع مصر في ليبيا.

يبقى تعميق التعاون الاستخباراتي الإسرائيلي مع اليونان ومصر، عنصر أساسي في الاستعداد الملائم للتحدي الذي تفرضه تركيا، بجانب الأنشطة العسكرية المشتركة، والتركيز على تمارين القوات الجوية والبحرية، وبالاشتراك مع القوات الأمريكية، والتركيز على تعزيز العلاقات، والحفاظ على توازن القوى الإقليمي، وتعزيز البحرية الإسرائيلية في مواجهة التسلح البحري التركي.

في ساحة مواجهة أخرى، فإن الاستقطاب بين تركيا وإسرائيل انتقل من ليبيا إلى منطقة القوقاز، خاصة بعد أن تم الكشف عن سوء عمل الطائرات المسيرة من دون طيار التي اشترتها أذربيجان من تل أبيب، مما قد يفسح الطريق أمام أردوغان لدق إسفين بين باكو وتل أبيب، وبيع بضاعته العسكرية للأذريين.

وفيما زالت إسرائيل هي القوة الرائدة بمجال الطائرات من دون طيار، فإن تحركات تركيا العسكرية الناجحة في ليبيا، واستخدامها للطائرات دون طيار التركية ضد أنظمة الدفاع الروسية الممنوحة للجنرال حفتر، فتحت شهية الجيش التركي بهذه الساحة الأرمنية الأذرية التي يتطلعون إليها منذ سنوات عديدة.

كل ذلك يؤكد أن القراءة الإسرائيلية لطموح تركيا في عصر أردوغان تشير أنها أصبحت قوة مركزية في المنطقة، وتتمركز قواتها حاليا في سوريا والعراق وقطر والصومال وليبيا، وفي مجال الطاقة تطمح للوصول لمزيد من النفوذ، وبعد أن وقعت اتفاقية حدود بحرية مع ليبيا، فهي تتطلع الآن لنموذج مشابه تجاه الدولة الشقيقة لأذربيجان، ما قد يدفع إسرائيل لتنمية التعاون معها.

طوال سنوات عديدة، راقبت تركيا بقلق التعاون العسكري والاقتصادي الحيوي بين إسرائيل وأذربيجان، الدولة الإسلامية الشيعية الوحيدة في العالم التي تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وتتسم بالعلاقات الوثيقة، وهناك أواصر دافئة بينهما، وبلغت ذروتها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

مع العلم أنه عندما كانت العلاقات بين إسرائيل وتركيا طبيعية، لم يهتم الأتراك للتعاون الأمني بين أذربيجان وإسرائيل، ولكن مع تدهور علاقات أنقرة وتل أبيب، وتزايد تطلعات أردوغان الإقليمية، زادت التوترات، وقد يكون من المشروع أن نرى جهدا تركياً هو الأول من نوعه لمنافسة سوق تصدير السلاح الإسرائيلي، ومحاولة لإبعادها عن منطقة القوقاز، وتشويه صورتها كمزود أمني فعال وعالي الجودة.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200820-israels-concern-with-turkey-libya-in-the-west-azerbaijan-in-the-east/?fbclid=IwAR0NMNgFNBkiLLTxtlNPceOUrufVLIqUDVSVOg03e6Vc8KnrziPonusjmDM