نتنياهو يبدأ العد التنازلي لأفول عهده السياسي

  • الثلاثاء 04 اغسطس 2020 04:08 م

نتنياهو يبدأ العد التنازلي لأفول عهده السياسي

بصورة متلاحقة، تزايدت الاحتجاجات الإسرائيلية ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، سواء بسبب سياسته الفاشلة في مواجهة كورونا، أو قضايا الفساد المتورط فيها، بجانب عدم انسجام الائتلاف الحكومي، مما دفع أوساطا إسرائيلية لرؤية هذه المظاهرات بداية النهاية لعهد نتنياهو السياسي، بل إن بعضهم شبهها بمظاهرات الثورة الفرنسية التي أطاحت بالإمبراطور لويس الرابع عشر.

عاش نتنياهو المظاهرات الأخيرة في أجواء من القلق والخوف على اهتزاز كرسيه الذي يجلس عليه منذ ما يزيد عن أحد عشر عاما، لأنها عكست مستوى الغضب والإحباط الذي يشعر به الإسرائيليون، حيث لم تشهد إسرائيل شيئًا من هذه الاحتجاجات منذ عقود، فآلاف المتظاهرين تجمعوا عبر الشارع من مقر رئيس الوزراء محاولين اختراقه، وتصاعد المئات من رجال الشرطة، بعضهم قاموا بإبعادهم، لكن المتظاهرين رفضوا الاستسلام، ووقفوا متماسكين، رغم محاولات رشهم بالمياه لتفريقهم.

استمرت المظاهرات ساعات طويلة، وبلغت ذروتها يوم 14 يوليو باعتقال عشرات المتظاهرين، الذين وصفوها بـ"ليلة الباستيل"، لأنها تصادفت مع تاريخ الثورة الفرنسية، فيما يعتبر نتنياهو بالنسبة للعديد من الإسرائيليين تجسيدًا مستبدًا للإمبراطور الفرنسي، وزوجته ماري أنطوانيت، صحيح أن "ليلة الباستيل" لم تسقط نظام نتنياهو، لكنها تسببت بارتجافه من تأثيرات الاحتجاجات المستمرة، فهي لها تأثير عميق عليه، وعلى قدرته على الحكم.

من الواضح أن نتنياهو يقاتل من أجل بقائه السياسي، ويخشى على حريته الشخصية بينما يواجه المحاكمة بتهم الفساد، لكن هروبه المخطط من الذراع الطويلة للقانون تحطم بأقصى سرعة في جدار من الطوب على وقع فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية.

لكن اللافت أن هذه المظاهرات الإسرائيلية بدأت تؤثر على أداء حزب الليكود في استطلاعات الرأي، وتغلق نافذة فرصته باستمرار حكومة الوحدة مع حزب أزرق-أبيض، مما قد يسرع بالتحضير لانتخابات جديدة، رغم ما قدمه نتنياهو من منح مالية للإسرائيليين لمواجهة تبعات إغلاقات كورونا، لكنها أثارت معارضة مسؤولي وزارة المالية وكبار الاقتصاديين، الذين رأوا أنه ليس لديها سوى هدف واحد، وهو تقليص الاحتجاجات القادمة المخطط لها، ودلالة على فقدانه للسيطرة، وربما حتى بداية الذعر، لأنه لم يسبقها أي مداولات وتحليلات مهنية.

السؤال المطروح الآن أنه في حال تصاعدت الاحتجاجات الإسرائيلية، فسيتحول "صداع" نتنياهو إلى دوار كامل، ويبدو هذه المرة أنه يواجه عاصفة كاملة، وللمرة الأولى لمست الاحتجاجات قاعدته الحزبية، فالبطالة وإغلاق الأعمال التجارية وفقدان سبل العيش لها أثرها، وقد يكون الناخبون أكثر تضررا من الآخرين، وستتلاشى المليارات التي وعد بتسليمها للجماهير بسرعة في الحرارة الشديدة.

صحيح أن نتنياهو يعتبر بنظر كثير من الإسرائيليين، لكنه في الوقت ذاته يؤذيهم، والعقد الزمني الذي قاد فيه الدولة لن يمنع التاريخ من الحكم عليه بشدة، لأنه يتصرف بشكل منهجي من أجل المصلحة الشخصية، فقد أوجد عهده على الطاولة عدة قنابل موقوتة، سواء وباء كورونا الذي تفشل إسرائيل بمعالجته، والخشية أن يكون خارج نطاق السيطرة؛ فيما الاقتصاد مزدحم يفشل في استيعاب خمس سكان الدولة.

كما فرض نتنياهو على الأجندة الإسرائيلية قرارا مصيريا لضم الضفة الغربية، الذي يتطلب من مؤيديه أن يستعدوا لعواقبه المحتملة، بما في ذلك تعريض الاستقرار الأمني للخطر، وزعزعة العلاقات مع الجيران العرب، وأوروبا، ويهود العالم، ونصف مواطني الولايات المتحدة.

كل واحدة من الجبهات التي أشعلها نتنياهو تعد دراما ملحمية بحد ذاتها، لأنها تصيب إسرائيل الدولة والمجتمع في لحظة خطيرة، وجعلها تواجه جملة من التحديات الهائلة في الصحة والاقتصاد والمجتمع والأمن والعلاقات الخارجية، وهذا يبدو غير مستقر إلى حد كبير، وفي النهاية فإن نتنياهو يقود حكومة ائتلافية هشة، متكئة على أرجل رقيقة، وفقدان الشهية، وإذا تم كسر الساقين، سيغرق الإسرائيليون مجددا في أزمة سياسية.

صحيح أن نتنياهو زعيم ذو خبرة، وحظي بأن يحكم إسرائيل طوال عقد كامل، وتجنب الحروب غير الضرورية، ودفع ازدهار إسرائيل الاقتصادي، وعمل على تحسين موقعها الدولي، لكنه في العامين الماضيين، هاجمته سلسلة التحقيقات والاتهامات الجنائية، مما سيدفع التاريخ للحكم عليه بقسوة شديدة.

القناعة السائدة في أوساط الإسرائيليين أن نتنياهو يتصرف بشكل منهجي بدافع المصلحة الشخصية، لإيذاء القوة الداخلية لإسرائيل، وهذا التصميم الصعب المأساوي يقوم على إثبات واسع، وبلغت الاتهامات خطوة أخرى بالغة الخطورة، حين اتهمه المدعي العام باستخدام وسائل إجرامية لدرء الادعاءات ضده، والتصرف بطريقة تعبر عن تضارب المصالح، برغبة شخصية منه لمنع التعرض لـ"أفعاله غير اللائقة".

كل ما تقدم يوجد العديد من المصالح أمام نتنياهو في ذهابه نحو انتخابات جديدة، خاصة في ضوء محاكمته الوشيكة، وإمكانية مكوثه في السجن، والخوف من توقيت صدور قرار المحكمة العليا، وخسارته للمزيد من المقاعد البرلمانية في أثناء أزمة كورونا، مما يزيد من مستوى التوتر في الائتلاف الحكومي، الذي يستمر في التصاعد يوما بعد يوم.

يمكن الاعتقاد أنه لن يكون هناك مهرب أمام نتنياهو سوى الانتخابات قريبا، فهو ينتظر محاكمته في يناير، وسيطلب منه حضور 3 جلسات أسبوعية، وتقدر المصادر السياسية أن قلقه كبير في هذا الوقت، لأن المستشار القضائي للحكومة يعمل بالفعل لتهيئة الظروف التي تجعل من الصعب على نتنياهو العمل، ومن ثم لن يكون هناك خيار سوى إرساله للسجن.

هذا الوضع الجديد ينشئ حالة من تضارب المصالح تمنع نتنياهو من التعامل مع شئون الدولة، وقد تكون أساسا للادعاء بأنه لن يتمكن من العمل بهذه الطريقة، وحتى لو تمكن من القفز فوق هذه العقبة، فهناك المزيد من المطبات في طريقه تتطلب منه الذهاب لصناديق الاقتراع بسرعة، لأنه يواصل فقدان المزيد من الأصوات في استطلاعات الرأي.

الافتراض السائد في الأوساط السياسية والحزبية الإسرائيلية أن النزيف الحاصل في تراجع أصوات الليكود وأسهمه الانتخابية سيبقى مستمرا، وفي كل يوم يمر، فإن المستفيدين الأكبر من خسائر نتنياهو، هم زعماء المعارضة الذين يجلسون في المدرجات، تحضيرا للانقضاض عليه.

 

Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200804-the-countdown-to-the-demise-of-netanyahus-political-reign/?fbclid=IwAR2VUWLY4WMO29hADf16nkXv1z7t0e4DCfWHer0WlxF8A7Vh6N3ThML4djI