قراءات إسرائيلية حول "بقاء" السلطة الفلسطينية عشية خطة الضم

  • الثلاثاء 28 يوليو 2020 11:49 ص

قراءات إسرائيلية حول "بقاء" السلطة الفلسطينية عشية خطة الضم

في غمرة التحضيرات الفلسطينية والإسرائيلية لتنفيذ خطة الضم في الضفة الغربية وغور الأردن، تشهد الساحة الفلسطينية سلسلة تطورات داخلية فلسطينية، وأخرى خارجية مع إسرائيل، تأخذ جميعها الأوضاع نحو سيناريو تدريجي لإنهاء وجود السلطة الفلسطينية، أو على الأقل تقليص صلاحياتها إلى أدنى درجة ممكنة.

فقد أعلنت إسرائيل على لسان الجنرال في صفوف الاحتياط، ميخال ميليشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية بمركز ديان بجامعة تل أبيب، أن كابوساً ينتظر السلطة الفلسطينية بعد تطوير قناة اتصال مباشرة بين إسرائيل والجمهور الفلسطيني، رغم أنف السلطة الفلسطينية، خاصة بعد توقف التنسيق الأمني بينهما، مما قد يؤدي تدريجياً إلى انهيارها، من خلال مواصلة عشرات الآلاف من العمال والتجار والمرضى دخول إسرائيل كل يوم، دون تنسيق مع السلطة الفلسطينية.

في الوقت ذاته، بدأت السلطة الفلسطينية تنفيذ عدة خطوات أمنية ميدانية في الضفة الغربية استعدادا لتنفيذ خطة الضم، بما في ذلك إزالة الأسلحة غير القانونية من مقراتها الأمنية، بسبب خشية السلطة الفلسطينية أن تضع حماس يدها على هذه الأسلحة، وتستخدمها ضد إسرائيل في حالة تصعيد أمني في الضفة الغربية، كما أعلنت السلطة الفلسطينية عن إخفاء وثائق أمنية سرية من داخل مكاتبها الأمنية، ونقلها إلى أماكن أخرى.

السطور التالية تناقش التوجهات الفلسطينية نحو إسرائيل، وتلقي الخدمات منها، وموقف السلطة الفلسطينية، وهل يعني بدء العد التنازلي لانهيارها، ومدى استغناء الفلسطينيين عنها، وما أسباب الخطوات الأمنية التي قامت بها السلطة الفلسطينية، وعلاقتها بخطة الضم الإسرائيلية.

بالتزامن مع بدء العد التنازلي لإعلان خطة الضم الإسرائيلية في الضفة الغربية وغور الأردن، طفت على السطح ما اعتبرته أوساط أمنية إسرائيلية مظاهر "كابوس" ينتظر السلطة الفلسطينية وإسرائيل على حد سواء، الأمر الذي يخيف الجانبين معاً، عقب وقف التنسيق الأمني والمدني بينهما.

تمثلت مظاهر هذا "الكابوس" الإسرائيلي والفلسطيني معاً، بتوافد آلاف المواطنين الفلسطينيين في عدد من مدن ومحافظات الضفة الغربية أمام مكاتب التنسيق الإسرائيلي للحصول على تصاريح عمل، دون تدخل من السلطة الفلسطينية، التي كانت على علم بهذه الخطوة، مما أشار لتطوير قناة اتصال مباشرة بين إسرائيل والجمهور الفلسطيني.

جرت العادة منذ إنشاء السلطة الفلسطينية أن تكون الجهة الوسيطة بين الفلسطينيين الراغبين بالحصول على تصاريح لدخول إسرائيل، سواء للعمل أو العلاج أو الزيارات العائلية، وبين السلطات الإسرائيلية، من خلال وزارة الشئون المدنية، لكن منذ إعلان السلطة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني أواخر مايو 2020، توقفت عن القيام بهذا الدور، وأصبح الفلسطينيون يتواصلون مباشرة مع الإسرائيليين، بعلم السلطة الفلسطينية، ولكن دون تدخلها.

يشكل هذا المشهد، من وجهة النظر الإسرائيلية، مصدر قلق طويل الأمد وعميقا للسلطة الفلسطينية تجاه المحاولات الإسرائيلية لإضعافها من خلال إقامة علاقات مدنية عامة وحوار مباشر مع الجمهور الفلسطيني، مما سيؤدي تدريجياً لانهيارها، وهو خوف عبرت عنه السلطة بالإعلان مرارا وتكرارا في الآونة الأخيرة بأنها لن توافق أن تصبح مجلساً محليا أو مؤسسة خيرية، لاسيما على لسان حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وأحد المقربين من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ووزير الشئون المدنية في السلطة الفلسطينية، المسئول عن التواصل مع اسرائيل، في حديثه مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

منذ توقف التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فإن النشاط المدني المستمر المرتبط بإسرائيل أصبح تحت "يد مختفية"، وبهذه الطريقة، يستمر عشرات الآلاف من العمال والتجار والمرضى بدخول إسرائيل كل يوم، دون تنسيق رسمي مع السلطة الفلسطينية، ويبدو أنها تستطيع إذا أرادت منعهم من ذلك، لكنها تدرك أن نتيجة هذه الخطوة ستكون احتكاكاً مع الجمهور الفلسطيني، وغضبه منها.

المقصود أن السلطة الفلسطينية، وهي ترى تواصل مواطنيها مع السلطات الإسرائيلية من خلال القفز عنها، وعدم التنسيق معها، تستطيع منعهم، كي لا تتحول إلى عديمة الجدوى، وفاقدة لسيادتها عليهم، لكنها تخشى في المقابل من نتيجة هذه الخطوة المتمثلة في غضب الفلسطينيين منها، لأنها من خلال منعها لهم تتسبب في تعطيل مصالحهم، وتوقف مسار حياتهم في المجالات الاقتصادية والمعيشية، ولذلك فهي تغض الطرف عنهم، ولا تحاول منعهم من إجراء اتصالاتهم مع الإسرائيليين، دون المرور بها.

في الوقت الحالي، تفضل السلطة السماح للوضع الحالي بالوجود من أجل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، الذي تعرض لضربة شديدة خلال أزمة كورونا، وهكذا فإن تشديد التواصل بين الجمهور الفلسطيني وإسرائيل ليس فقط كابوسا وجوديا للسلطة، بل يجب اعتباره أيضًا مشكلة أساسية لإسرائيل، لأن تكريس جزء كبير من الفلسطينيين لعلاقة مدنية مباشرة معها، وتطلعهم لتحسين نوعية حياتهم، وجودة الخدمات التي يتلقونها، يعني استمرار انخفاض قيمة ومكانة السلطة الفلسطينية.

أحد المخاوف الإسرائيلية من هذا التطور أنه قد يعبد الطريق نحو سيناريو "الدولة الواحدة"، أو "الدولة ثنائية القومية"، وهو سيناريو لا يمر بالإعلانات والأحداث الدرامية، بل عبر عملية زاحفة أدت إلى تقويض واقع الضفة الغربية لمدة ربع قرن.

مع العلم أن إسرائيل لها مصلحة عميقة في استمرار وجود السلطة الفلسطينية، رغم كل عيوبها من وجهة النظر الإسرائيلية، والأزمة الحالية بين الطرفين، ليس فقط لأسباب أمنية للحفاظ على الاستقرار والقضاء على قادة المنظمات الفلسطينية المسلحة بزعامة حماس، وهو هدف وجودي للسلطة أيضًا، للأسف الشديد، ولكن أيضًا لنظرة استراتيجية لمنع عمليات الدمج الديموغرافي بين الفلسطينيين واليهود بالضفة الغربية.

في الوقت ذاته، تواصل السلطة الفلسطينية الاستعداد لتنفيذ عملية الضم في الضفة الغربية، من خلال اتخاذها خطوتين مهمتين، قد تحملان دلالات معينة باتجاه تقليص صلاحياتها في الأراضي الفلسطينية، إحداهما إخراج الأسلحة غير القانونية من أحد مقراتها الأمنية، بعد إعلانها عن مصادرة وثائق سرية من مقرات قواتها الأمنية.

يقصد بالأسلحة غير القانونية، تلك التي صادرتها السلطة الفلسطينية على مر السنين من مواطنيها، لكنها غير مرقمة، وهي متوفرة في أيدي الفلسطينيين بالضفة الغربية، وتم إخفاؤها في أمكنة أخرى، ويحتمل أن يتم استخدامها في هجمات يشنها الفلسطينيون، أو الاستعدادات لهجوم استباقي ضد أهداف إسرائيلية.

القلق الذي يسود السلطة الفلسطينية أنه إذا تدهورت العلاقات مع إسرائيل، فإن الجيش الإسرائيلي أو حماس قد يضعون أيديهم على تلك الأسلحة، وتشير هذه الخطوة إلى الاستعداد الفعلي من قبل السلطة الفلسطينية لتنفيذ عملية الضم.

الإحصائيات المتوفرة لكاتب السطور تتحدث عن حيازة السلطة الفلسطينية لقرابة 26 ألف قطعة كلاشينكوف، آلاف المسدسات، عشرات السيارات العسكرية المصفحة، وجميع أسلحة السلطة بكل أنواعها مسجلة لدى الأمن الإسرائيلي، في حين أن استيراد الذخيرة يتطلب تنسيقا مع إسرائيل، التي تراقب تسليح السلطة، وتحرص ألا يتجاوز ما نص عليه اتفاق أوسلو.

في الوقت ذاته، فقد كشف التلفزيون الإسرائيلي في الأيام الأخيرة النقاب عما أسماها "خطة كسر قواعد اللعبة"، حيث أبلغت السلطة الفلسطينية جهات أوروبية وأمريكية بأنها تنوي تسليم سلاحها للجيش الإسرائيلي في حال الإقدام على خطوة الضم.

وجاء في تفاصيل الخطة أن السلطة الفلسطينية سوف تجمع سلاح أجهزتها، بالإضافة للذخائر، وستدفع به على متن شاحنات إلى مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في مستوطنة "بيت ايل" شمالي رام الله، وستطلب من الجيش تحمل المسئولية كاملة عن مناطق السلطة، كما شمل التهديد وجود قرار بحل السلطة على يد منظمة التحرير، وحل الأجهزة الأمنية، وعدم دفع الرواتب لأي موظف.

كما تلقى مسؤولو المخابرات الفلسطينية تعليمات من جهات سياسية فلسطينية عليا بنقل ملفاتهم الاستخباراتية إلى مخبأ سري، وتم إصدار التوجيه في عدد من المدن على الأقل بالضفة الغربية، وهذه الملفات تضم معلومات أمنية حساسة أخرجها أفراد المخابرات من مكاتبهم الرئيسية، ثم تم إخفاؤها، وقد كانت آخر مرة صدرت فيها مثل هذه التعليمات في أيلول/سبتمبر 2000، بداية انتفاضة الأقصى، وهي محاولة من السلطة الفلسطينية استعدادا للتدهور الأمني، أو التصعيد الميداني بعد عملية الضم.

ما يعلمه الفلسطينيون أن أجهزة الأمن الإسرائيلية لديها إلمام بجميع ما لدى الأمن الفلسطيني من معلومات استخبارية ووثائق أمنية، سواء بموجب التنسيق الأمني بينهما، وما يتطلبه من إلزام السلطة الفلسطينية بتزويد إسرائيل بما لديها من تلك المعلومات والمعطيات، أو في ضوء الاختراق الإسرائيلي من خلال عيونها وعملائها داخل المنظومة الأمنية الفلسطينية.

لذلك يمكن الحديث أن السلطة الفلسطينية، وهي تخفي هذه الوثائق الأمنية، وتنقلها إلى أماكن سرية، إنما تحاول إبعادها عن أيادي الفلسطينيين في حال انهارت السلطة، وتفككت مؤسساتها، وتحولت مقارها الأمنية إلى مواقع مستباحة للفلسطينيين، الذين سيطلعون في هذه الحالة على معلومات مشينة بحق أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، تماما كما حصل إبان سيطرة حماس على غزة أواسط 2007، وحينها وضعت الحركة يدها على أسرار خطيرة عن عمل الأمن الفلسطيني بما يتعارض مع المصلحة الوطنية الفلسطينية، سواء في التجسس على المواطنين، أو العمل كأجهزة مرتزقة لدى دول إقليمية، أو تنفيذ مهام ليست نظيفة.

تشير هذه الشواهد على أن خطة الضم الإسرائيلية قد لا تتوقف عند فرض السيادة الإسرائيلية على مناطق واسعة من الضفة الغربية وغور الأردن، بل قد تتعداها إلى تراجع تأثير السلطة الفلسطينية فيما سيتبقى من بقع جغرافية متناثرة، ليست مترابطة، مما سيخفض من نفوذها على الفلسطينيين.

هذا الواقع الجديد سيزيد من الدعوات الإسرائيلية للبدء بإجراءات تدريجية لتفكيك السلطة، وفي الوقت ذاته يرفع من وتيرة تجاوز الفلسطينيين لها لإنجاز معاملاتهم اليومية، ذات الطابع المعيشي والاقتصادي، من خلال التواصل المباشر مع الجهات الإسرائيلية، وهو ما يفرض تحدياً خطيرا، ذو طابع وجودي على السلطة برمتها!

 

المصدر الجزيرة

https://www.aljazeera.com
/indepth/opinion/israel-nightmare-dissolution-palestinian-authority-200727113432326.html?fbclid=IwAR3ff7pZXvrJyva9xexVhGH4nMO3ah3By88Soo9l2ICLs6yFW4bHHsoD9Xw