المفاوضات المباشرة..رؤية إسرائيلية للأهداف والأبعاد

  • السبت 20 يناير 2018 09:07 م

المفاوضات المباشرة..رؤية إسرائيلية للأهداف والأبعاد

مع رفع وتيرة الحديث الإسرائيلي عن انطلاق المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية، يبدو الحديث مشروعا عن أهداف تل أبيب من هذه المفاوضات، ومراميها، وأبعادها، سواء ما كان ذلك على صعيد العلاقة مع الإدارة الأمريكية، وربما ارتباط ذلك بتطورات إقليمية قد تصبح فيها إسرائيل طرفا فاعلا.

فقد اعتبر رئيس الحكومة الإسرائيلية، "بنيامين نتنياهو"، أنه يوجد مناخ دولي مريح لإجراء مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، مقدرا بأن هذه المفاوضات ستبدأ في منتصف شهر آب الحالي.

وقال إنه أجرى في الأسابيع الأخيرة "محادثات مع زعماء في العالم حققت هدفا واحدا وهو خلق  مناخ دولي مريح أكثر للبدء في محادثات مباشرة مع الفلسطينيين"، موجها دعوته لمحمود عباس للبدء في محادثات التسوية، والاستجابة لدعوة المجتمع  الدولي من خلال الحفاظ على ما أسماها "الترتيبات الأمنية" كشرط أساس لانطلاقها".

وأضاف "نتنياهو" أنه لم يتلق أي خطة فلسطينية للسلام حتى الآن، علما أن رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، قال إنه سلم المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، "جورج ميتشل"، الذي يشكل وسيطا في المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، تفاصيل خطة سلام فلسطينية تعين عليه إبلاغ الجانب الإسرائيلي بها.

وقال إنه "لا يوجد تغيير في شروط التجميد"، في إشارة إلى تعليق البدء بأعمال بناء جديد في مستوطنات الضفة الغربية.

  • تفاصيل المفاوضات

من جهته، كرر وزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس حزب العمل، "ايهود باراك"، استعرض خطته لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، وتتضمن انسحاب إسرائيل من أحياء فلسطينية في القدس الشرقية، لا تشمل البلدة القديمة ومحيطها، وتجميد البناء في المستوطنات "المنعزلة" في عمق الضفة تمهيدا لإخلائها في إطار اتفاق سلام، ودفع تعويضات مالية لسكانها.

واعتبر "باراك" أن حل قضية اللاجئين ينبغي أن يكون في إطار الدولة الفلسطينية بعد قيامها في المستقبل، وعدم تطبيق حق العودة إلى مناطق داخل الخط الأخضر.

وفيما لا تزال المواقف بين إسرائيل والفلسطينيين متباعدة، يطرح السؤال حول ترجيح "نتنياهو" بأن المفاوضات المباشرة ستبدأ قريبا، وعلى ماذا يستند في تقديره هذا.

الراجح في الأمر إنه "بالإمكان الاعتقاد، أن تقديره يستند إلى قرار مجلس جامعة الدول العربية وإلى مواقف الرئيس الأميركي، "باراك أوباما"، حيث تبلور تحالف إقليمي - دولي واسع، يشكل استمرار الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بالنسبة له تهديدا إقليميا، وواضح تماما أن ما يحدث في السنوات الأخيرة هو أن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني أصبح مشكلة إقليمية، كما أنه بات جزءا من معادلة أوسع بكثير، وتهدد توازن القوى الشرق أوسطي والعالمي".

عمليا، فإن الانقسام الحالي في المنظومة الشرق أوسطية هو الذي أوجد لدى "نتنياهو" فرضية أنه في نهاية المطاف سيضطر كلا الجانبين، الإسرائيلي والفلسطيني، إلى التوصل لتفاهم.

والاعتبار لدى "نتنياهو وأوباما" وجهات في جامعة الدول العربية هو أنه في المعادلات القائمة يتعين على الإسرائيليين والفلسطينيين أن يواجهان معا مشاكل مثل إيران وحماس وحزب الله، وهذا الوضع هو الذي سيملي على إسرائيل والفلسطينيين التوصل إلى اتفاق، رغم أنه لا يبدو أنه يوجد نضوج كاف لدى الجانبين للتوصل إلى تسوية.

  • مفاوضات شكلية أم حقيقية؟

السؤال الأكثر أهمية في سياق قرب انطلاق المفاوضات المباشرة: هل يريد "نتنياهو" والإدارة الأميركية إظهار أن هناك مفاوضات جارية، أم أن هناك نية حقيقية للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين؟

والإجابة على هذا السؤال تحتم الوصول إلى قناعة حقيقية مفادها أن اللاعبين الأساسيين- الإسرائيليين والفلسطينيين- ليسا ناضجين للتوصل إلى اتفاق، فالفلسطينيون ليسوا مستعدين بعد للموافقة على الحد الأدنى من المطالب الإسرائيلية، والإسرائيليون أيضا ليسوا ناضجين للموافقة على الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، هذا هو الوضع اليوم.

ولكن ينبغي ألا نتناسى للحظة واحدة أن جامعة الدول العربية قالت لمحمود عباس إن المصالح العربية تقضي بـ"خفض لهيب الموقدة الفلسطينية – الإسرائيلية"، وهو ما قاله "أوباما لنتنياهو وأبو مازن".

ولذلك، يبدو من المشكوك فيه موافقة "نتنياهو" على الدخول في مفاوضات مباشرة استنادا إلى مبدأ إقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي المحتلة في حزيران 1967، وهو سيرفض ذلك، ويعلل بأن هذا الموضوع يجب أن يخضع للتفاوض.

  • مخرج لأزمات

من جهتها، أوضحت الباحثة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، "عنات كورتس"، أن أية مواجهة جديدة بين إسرائيل وحماس يمكن أن تفسّر من قبل الدولة العبرية والسلطة الفلسطينية كمخرج من الأزمة السياسية التي يواجهها الطرفان نتيجة للضغط الذي يمارس عليها للعودة إلى المفاوضات المباشرة.

مستدركة أنه بمجرد انتهاء المعارك، ستعاد إثارة التوقعات على الساحة الدولية باستئناف الحوار الفلسطيني الإسرائيلي، وتتجدد الضغوط من أجل ذلك، وبقوة أكبر، وقالت: هذه المواجهة الجديدة ستتسبب بصعوبات سياسية داخلية ستواجهها السلطة الفلسطينية عندما تتجه لدراسة تليين موقفها بالنسبة للمفاوضات المباشرة، وستزيد من صعوبة المعركة السياسية في إسرائيل من أجل تجنيد الجمهور الواسع وتعبئته لدعم التنازلات السياسية والإقليمية التي ستكون مصحوبة بالضرورة بتفكيك المستوطنات وأخذ مخاطر أمنية.

وأضافت أن التصعيد المتجدد في ساحة غزة سيخرب جهود السلطة في الاحتفاظ بصورتها كطرف على استعداد لاستئناف المفاوضات، وتعزز من صورة إسرائيل كدولة عدوانية، وبالتالي "حماس تستطيع أن تدعي في حينه أنّها حققت إنجازاً سياسياً"، وتابعت "كورتس" "بهذه الوسيلة تكون حركة حماس قد نجحت وعلى مدى سنوات مرة تلو الأخرى في منع تحقيق التسوية، وكذلك تكريس البنود المتشددة في برنامجها الفكري".

من جهته، قدم مستشار الأمن القومي الإسرائيلي "عوزي آراد" قبل نحو ثلاثة أشهر ما يمكن اعتباره جوهر الرؤية التي يتحرك بموجبها "نتنياهو" سعياً إلى مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين، و"آراد"، الذي يعتبر بمثابة العقل بالنسبة لـ"نتنياهو"، سُئل عن مدى وجود فرصة لاتفاق سلام مع الفلسطينيين انطلاقاً من المفاوضات التقريبية غير المباشرة التي كانت جارية في حينه، ورغم أن إجابته كانت في حينها غائمة، فهي تبدو اليوم أقل ضبابية في الوقت الذي يزداد الضغط على الفلسطينيين لإجراء مفاوضات مباشرة.

ولا يهدف "نتنياهو" من سعيه إلى مفاوضات مباشرة إلى شراء الوقت للالتفاف على سياسة أوباما فقط، فهو يراهن، في الوقت نفسه، على أن هشاشة الموقف الفلسطيني بفعل الأخطاء المتراكمة، والانقسام الراهن، تتيح فرصة غير مسبوقة لتسوية بالشروط التي يريدها، أو بأكبر مقدار منها.

  • الرهانات الخاسرة

وربما يستند رهان "نتنياهو" أيضاً على شواهد تدفع اتجاهاً قوياً في الحكومة الإسرائيلية للاعتقاد في أن القلق الذي يعتري قيادة السلطة الفلسطينية الآن، قد يدفعها إلى قبول بعض ما سبق أن رفضته، وإعادة التفاوض على بعض ما تم الاتفاق عليه في المفاوضات السابقة.

غير أن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن ضعف موقف السلطة الفلسطينية قد يجعل إقدامها على تقديم تنازلات جديدة صعباً، فالتسويات التاريخية، التي تُقدم فيها تنازلات مهمة، تحتاج إلى قيادة قوية، لذلك تحدث آراد عن "سيناريو" معقَّد، فضلا عن كونه غائماً، قد يشمل أربعة مؤتمرات سلمية، ويعني ذلك تدخلا دولياً كثيفاً لا سابق له، لكنه ليس هو الذي طالب به الفلسطينيون طويلا كي لا تستفرد إسرائيل بهم.

وإذا كان تهديد السلطة الفلسطينية بأن موقفها تجاه المفاوضات المباشرة سيؤثر في علاقاتها مع واشنطن يمكن أن يفرض عليها قبول هذه المفاوضات، فالأرجح أنه لن يكون باستطاعتها الإقدام على التنازلات الجوهرية اللازمة للتوصل إلى اتفاق مع حكومة إسرائيلية لا تنوي تقديم أي تنازل من جانبها.

ومع ذلك، وبالعودة إلى رؤية "آراد"، ستكون المفاوضات المباشرة إذا أُجريت حقلاً لتجربة دور دولي جديد يهتم بالشكل على حساب المضمون، ويسعى إلى إخراج مبهر لصيغة هزيلة تُعلن بمقتضاها دولة فلسطينية مؤقتة يحتفي بها العالم احتفاء خاصاً لتوفير شكل جميل يعوض المحتوى القبيح للاتفاق عليها.

الخلاصة أن هناك فجوات كبيرة بين مواقف الجانبين، والمفاوضات التي قد تبدأ قريبا لا تجري بسبب حدوث تغيير ما دراماتيكي، وإنما لأن كلا الجانبين تعرضا لضغوط خارجية هائلة، كما أن كليهما لا يعملان في فراغ.

و"أوباما" أوضح لعباس أن عليه التنازل عن شرط تجميد الاستيطان وعن التزام إسرائيل بإجراء المفاوضات استنادا إلى خطوط الرابع من حزيران، وفي المقابل أوضح لـ"نتنياهو" أيضا أن عليه الاعتراف بداية بمبدأ الدولتين لحل الصراع.