دوافع وكوابح ردود الفلسطينيين تجاه خطة الضم الإسرائيلية

  • الثلاثاء 09 يونيو 2020 07:46 ص

دوافع وكوابح ردود الفلسطينيين تجاه خطة الضم الإسرائيلية

يستعد الجيش الإسرائيلي لمواجهة سيناريوهات خطوات لضم الضفة الغربية، في ظل الدعوات الفلسطينية المتتالية للرد عليه، رغم أن الظروف السائدة قد لا تشجع على تحقيقها، في ضوء العوامل المحبطة التي لا تدفع الفلسطينيين للانخراط بعمليات ضد إسرائيل، سواء بسبب رفض السلطة لأي مقاومة مسلحة، أو الظروف الاقتصادية السيئة للفلسطينيين، أو انشغال الشباب بقضاياهم الشخصية، وخوف فتح من سيطرة حماس على الضفة الغربية.

السطور التالية تناقش السيناريوهات الإسرائيلية لمشروع الضم، وأسباب غياب ردود فعل فلسطينية غاضبة ضده، وهل نحن أمام اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، وما النتائج المترتبة عليها..

مع بدء العد التنازلي لتنفيذ مشروع الضم في أوائل يوليو، كشفت التقديرات الأمنية الإسرائيلية أنه في حال الشروع بعملية الضم فإن الهجمات الفلسطينية المسلحة ستعود، في الضفة الغربية وداخل إسرائيل، وقد تصل مآلاتها إلى انهيار السلطة الفلسطينية، وفي هذه الحالة لا ينبغي استبعاد سيناريو الانتفاضة الجديدة.

وعقد الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن جلسات استماع حول إمكانية التصعيد بعد خطوة الضم المرتقبة، ويتحضران لخوض "لعبة حرب" تحاكي سيناريوهات التصعيد في الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يحمل مخاوف إسرائيلية جدية من تكاليف هذه الخطوة، سواء على صعيد الأعباء المالية والاقتصادية، أو التصعيد الأمني والميداني.

تقدر المحافل الأمنية والعسكرية الإسرائيلية أن كلفة مواجهة مشروع الضم في الضفة الغربية يقترب من مليار شيكل، مما يعني تعطيل الاقتصاد الإسرائيلي، وفي السيناريو المتطرف، فمن المتوقع أن يكلف تجنيد كتائب عديدة وقوات مختلفة في الجيش الإسرائيلي 100 مليون شيكل للكتيبة الواحدة.

الحسابات الأخيرة التي أجراها خبراء الأمن والاقتصاد الإسرائيليون، مجهزة ببيانات محدثة، وحللت سيناريوهات التصعيد المتوقعة، وتشير أن خطة الضم إن تحققت على الأرض، ستكون كلفتها مئات الملايين من الشواقل، وقد تتجاوز المليار، مع العلم أن هذه الخسائر ليست الحجة الرئيسية ضد الضم، فالفكرة في عمومها سلبية من جميع النواحي: الأخلاقية والسياسية والأمنية، ولكن لأنه لا يوجد في السياسة وجبات مجانية، فإن خطة الضم ستسبب لإسرائيل صداعا فوريا وآلاما في البطن، فضلا عن انبعاثات إقليمية أخرى.

أخطر من ذلك، فإن بعضا من تفاصيل الفاتورة الإسرائيلية المتوقعة عقب عملية الضم، إمكانية عبور المواجهة إلى الحدود الشمالية، أو انخراط الفلسطينيين في إسرائيل كما حصل بدايات الانتفاضة الثانية، دون إغفال أن يسفر الضم عن حريق إقليمي.

على الصعيد الفلسطيني الداخلي، صحيح أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مقتنع بإحباط الهجمات المسلحة ضد إسرائيل، لكن تصاعد المقاومة الشعبية ضد الجنود والمستوطنين، سيدفع الجيش لتجنيد احتياطياته، وبلوغ تكلفة كل كتيبة عاملة 60 مليون شيكل في السنة، و40 مليون أخرى للرواتب، وزيادة في عدد الأشهر، وهي الوقت المقدر لقمع الانتفاضة، وضعف عدد الكتائب التي سيتم تجنيدها في الوقت نفسه.

كما يجب أن تضاف إليها تكلفة أعلى لكتائب شرطة الحدود، ونصفها رواتب دائمة، ففي عملية السور الواقي 2002 في الضفة الغربية، جند الجيش الإسرائيلي 5 فرق عسكرية، 3 منتظمة، و2 احتياطيان، ولكل قسم احتياطي 20-25 كتيبة، مما أسفر عنه إنفاق الملايين والمليارات.

هذه المبالغ تضاف لملايين الشواقل المطلوبة لتحديث البنية التحتية، وتجهيز أسلحة مخصصة للمظاهرات والقنص، وفي السيناريو المتشدد، هناك فرضية لانضمام قوات الأمن الفلسطينية لتنفيذ هجمات على المستوطنات والحركات على المحاور الرئيسية في طرق الضفة الغربية وشوارعها، ويتوقع تعبئة 10 كتائب احتياطية بحلول نهاية 2020، وفي هذه الحالة، لن يكون لدى الفلسطينيين سبب لوقف العمليات ضد إسرائيل.

صحيح أن السلطة ليست معنية بكسر الأواني مع إسرائيل، وحريصة على عدم فقدان أصولها الحكومية والاقتصادية، نتيجة لتصعيد واسع النطاق، لكن التهديد الرئيسي على إسرائيل لا يتجسد بتهديدات السلطة الفلسطينية، بل في الطريقة التي سيرد بها الشارع الفلسطيني، الأكثر حضورا اليوم مما كان عليه في السابق، وهذا يعني أنه أصبح تحديًا حقيقيًا، والسلطة ستجد صعوبة في دعم وعدها لإسرائيل بأن وقف التنسيق لن يصاحبه موجة من التصعيد.

مع أن توتر الضفة الغربية، وآخر مؤشراته قتل جندي من لواء غولاني ببلدة "يعبد" بإلقاء حجر كبير، يعطي دلالات أننا قد نكون عشية تنفيذ عدة حوادث أمنية، بغض النظر عن كونها تصعيدا منظما أم لا، لكن العملية وقعت بعد أن عاشت إسرائيل فترة هادئة نسبيًا، مع عدد قليل جدا من الهجمات المسلحة المعادية، رغم بقاء هجمات إلقاء الحجارة، وقنابل المولوتوف، والزجاجات الحارقة، لكن التجربة الميدانية بعثت لإسرائيل برسالة مفادها أنه كلما واجهت هجوما فلسطينيا مسلحا، فهذا يعني أنها ستكون أمام المزيد من التوتر الأمني والهجمات.

في الوقت ذاته، ورغم كل التوقعات الإسرائيلية المتشائمة، لكن الهدوء الأمني الذي عاشته الضفة الغربية في العقد الماضي، يطرح تساؤلات حول التزام السلطة بالعلاقات مع إسرائيل، وضمان الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

مع أنه منذ صعود محمود عباس للسلطة في 2005، اتسمت حقبته بنشوب أزمات مستمرة، فالجمود مع إسرائيل استمر على المستوى السياسي؛ ونشبت 3 حروب ضد غزة: 2008-2009؛ 2012؛ 2014؛ واندلعت انتفاضة السكاكين 2015، وأزمة الحرم القدسي في 2017؛ ونقل السفارة الأمريكية للقدس في 2018، والتطورات الدرامية الأخيرة التي تخللها نشر صفقة القرن أوائل 2020، وأخيرا أزمة كورونا.

ورغم أن تلك الأحداث تخللتها صدور تحذيرات إسرائيلية استراتيجية من تطور موجة مسلحة واسعة النطاق، كانتفاضة الأقصى 2000، أو انتفاضة جماهيرية شعبية ثالثة، كالانتفاضة الأولى 1987، لكن ذلك لم يحدث في الضفة الغربية، مما يدعو للتساؤل حول سبب بقاء ما يمكن وصفه "الصمت الغريب"، وما تظهره السلطة الفلسطينية من كراهية عميقة لاستخدام الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وخشيتها أن تصبح حماس أقوى، أو تسيطر تدريجياً على الضفة الغربية.

هناك أسباب عديدة تحول دون الرد الفلسطيني على هذه السلوكيات العدوانية الإسرائيلية، لعل أهمها أن فلسطينيي الضفة الغربية يشعرون باغتراب إزاء قيادتهم، فكبار مسؤولي السلطة متهمون بالفساد المالي، ويمنعون إحياء النظام السياسي الفلسطيني، وتشير استطلاعات الرأي لهذا الاغتراب، وتطلع ما يزيد عن 60% من الفلسطينيين لاستقالة أبو مازن، ونتيجة لذلك، تجد السلطة صعوبة بتعبئة الجمهور من أجل التحركات التي تروج لها.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200608-why-are-palestinian-responses-to-the-israeli-annexation-plan-so-limited/?fbclid=IwAR1eyHpW74bUbsCMX2FuOUU33leYChzp9SkGCTm2HhRCRtidK9KNyGOO7uo