تحديات متلاحقة تعصف بالاقتصاد الفلسطيني في ظل أزمة كورونا

  • الجمعة 22 مايو 2020 03:39 م

تحديات متلاحقة تعصف بالاقتصاد الفلسطيني في ظل أزمة كورونا

أعلنت السلطة الفلسطينية العمل بأحكام موازنة الطوارئ، وتركيز أولويات الإنفاق الفترة المقبلة على عدة بنود، خاصة بمساعدة الفقراء، ودعم النظام الصحي، وتوفير رواتب الموظفين والاحتياجات الأمنية، مع أن السلطة بحاجة لـ120 مليون دولار لمواجهة أزمة كورونا، وقد يصل عجز ميزانيتها 3 مليارات دولار، مع تراجع الإيرادات المحلية لـ50%، مما يزيد احتمالية لجوئها للاقتراض، بعد خسارة الاقتصاد الفلسطيني 3.5 مليار دولار بسبب الأزمة.

 

السطور التالية تناقش السيناريوهات المتوقعة للاقتصاد الفلسطيني بسبب أزمة كورونا، وقيمة خسائره من الأزمة، وهل تتسبب بانهيار السلطة ماليا، وما التقديرات التي تضعها الأوساط الاقتصادية والإحصائية لما ينتظر الاقتصاد الفلسطيني.

 

مع دخول أزمة وباء كورونا شهرها الثالث في الأراضي الفلسطينية، أعلن الجهاز المركزي للإحصاء أن الاقتصاد الفلسطيني سيتكبد خسائر تقدر بـ2.5 مليار دولار أمريكي في حال استمرار الجائحة لمدة ثلاثة أشهر، والعودة التدريجية لوضع ما قبل الأزمة، ومن المتوقع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 14% في عام 2020 مقارنة مع عام 2019.

 

تكشف هذه المعطيات الاحصائية أن الاقتصاد الفلسطيني أمامه جملة سيناريوهات صعبة، تتعلق باستمرار تأثير الأزمة الناتجة عن فيروس كورونا، خاصة عقب إعلان حالة الطوارئ في الضفة الغربية، وتقييد حركة التنقل بين المحافظات والمدن الفلسطينية، والقرارات التي أصدرتها الحكومة الفلسطينية بعودة العمال الفلسطينيين من داخل إسرائيل إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، مع الانتشار الواسع لفيروس كورونا لدى الاحتلال الإسرائيلي.

 

من الصعب القفز عن واقع تأثيرات كورونا على الاقتصاد الفلسطيني، دون الاعتراف بحقيقة مفادها أن هذا الاقتصاد يعمل في ظل بيئة شديدة المخاطر والتحديات تسببت خلال السنوات الماضية بمجموعة من الأزمات والصدمات: السياسية والاقتصادية، على حد سواء، كان آخرها أزمة إيرادات المقاصة الفلسطينية مع الجانب الإسرائيلي في العام 2019.

 

لكن العام 2020 لم يكن استثناء، فقد تعرض الاقتصاد الفلسطيني في نهاية شهر شباط إلى أزمة جديدة ذات صبغة عالمية متمثلة بفايروس كورونا، وتعتبر الأولى من نوعها التي تتعرض لها فلسطين في تاريخها المعاصر، ومن المتوقع أن يكون لها العديد من التداعيات على مستوى بعض الأنشطة والقطاعات الاقتصادية، وعلى مستوى الاقتصاد الكلي.

 

يتوقع أن تترك التطورات العالمية تأثيراتها على الاقتصاد الفلسطيني في ظل أزمة كورونا، بحيث تتضمن التعاملات المالية للاقتصاد الفلسطيني مع المؤسسات والأسواق المالية الإقليمية والعالمية، رغم محدوديتها، بعض المخاطر المحتملة، التي يتفاوت تأثيرها تبعاً لمصدرها ونوعها.

 

في هذا السياق، يمكن رصد عدة مصادر رئيسية لمخاطر محتملة قد تنتقل للاقتصاد الفلسطيني بشكل عام من خلال تعامله مع المؤسسات والأسواق الخارجية، وهي: الاستثمارات الخارجية، معدلات الفائدة، أسعار الصرف، أسعار النفط والمواد الأولية، وتدفقات الدخل، والتحويلات الجارية في ميزان المدفوعات.

 

يمكن الحديث عن حجم الأضرار المتوقعة على الاقتصاد الفلسطيني جراء تداعيات انتشار فيروس كورونا، بالاستناد إلى جملة سيناريوهات تتعلق باستمرار الأزمة لعدة شهور، وخاصة وأن الجهات المالية الفلسطينية، سواء وزارة المالية أو سلطة النقد أو الجهاز المصرفي، قامت بجملة من الإجراءات، ركزت على ضخ مزيد من السيولة في الاقتصاد، للتخفيف من تداعيات الأزمة، وكذلك لتحفيز النشاط الاقتصادي، مع أن النتائج الميدانية للأزمة الاقتصادية الفلسطينية في ضوء أزمة كورونا، ما زالت أولية، وليست نهائية، بسبب التأثيرات المتلاحقة لهذه الأزمة.

 

يتزامن ذلك مع استمرار إغلاق الحكومة الفلسطينية لجميع مرافق القطاع السياحي، خاصة المطاعم والفنادق والمقاهي بشكل شبه تام، واستمرار إغلاق المحال التجارية، باستثناء المواد الغذائية والمرافق الصحية والطواقم الطبية والصيدليات والمخابز ومحطات الوقود وأنشطة محددة أخرى.

 

فضلا عما تقدم، فقد شهد شهرا نيسان وأيار 2020، تراجعا في حركة التجارة الخارجية الفلسطينية مع العالم الخارجي، بسبب إغلاق المصانع والمنشآت المتخصصة بإنتاج بعض السلع في الدول الشريكة تجارياً، فضلا عن تراجع الحركة التجارية الفلسطينية مع إسرائيل على وجه الخصوص، وتركيزها في المواد الأساسية فقط، وارتفاع الإنفاق الحكومي الموجه للقطاع الصحي المتعلق بتكلفة العلاج المباشر، وتكاليف تعقيم المؤسسات.

 

يضاف إلى ذلك كله، التراجع الحاد في التحصيل الضريبي، سواء الضرائب المحلية والمقاصة، والتراجع بقدرة المنشآت، خاصة المتوسطة ومتناهية الصغر على دفع الرواتب، بسبب تراجع الإنتاج والأرباح.

 

تشير نتائج هذا السيناريو إلى توقع تراجع الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020 بنسبة 14% مقارنة مع 2019، وتقدير خسائر الاقتصاد الفلسطيني الكلي بـ2.5 مليار دولار، وهو ناتج عن انخفاض إجمالي الاستهلاك العام والخاص بـ1.3 مليار دولار، وانخفاض الاستثمار بـ2.1 مليار دولار، وتراجع الواردات بمليار دولار.

 

على مستوى الأنشطة الاقتصادية، من المتوقع أن يبلغ حجم الخسائر الفلسطينية في نشاط الزراعة وصيد الأسماك حوالي 200 مليون دولار، ونشاط الصناعة 362 مليون دولار، ونشاط الانشاءات 220 مليون دولار، ونشاط الخدمات 1,175 مليون دولار.

 

التقديرات الاقتصادية الفلسطينية تأخذ بعين الاعتبار الأنشطة التي توقفت كلياً كالمطاعم والفنادق ونقل الركاب، وتجارة التجزئة لبعض السلع والمتاجر، ومن واقع تقدير الخسائر لنشاط الخدمات بـ1,175 مليون دولار، فإن خسائر نشاط تجارة الجملة والتجزئة بلغت 59% من إجمالي خسائر نشاط الخدمات بـ689 مليون دولار، وخسائر الأنشطة الخدماتية المختلفة بلغت 31% من اجمالي خسائر نشاط الخدمات بـ374 مليون دولار، وخسائر نشاط المطاعم والفنادق نظراً للإغلاق الكامل لها 10% من إجمالي نشاط الخدمات بـ112 مليون دولار.

 

بجانب هذه المعطيات، توقع البنك الدولي انكماشا في الاقتصاد الفلسطيني قد يصل 7%، في حال تفاقمت أزمة كورونا، خاصة وأن الاقتصاد الفلسطيني يواجه وضعا بالغ الخطورة، مع توقف مختلف القطاعات عن العمل، بسبب إجراءات مواجهة الجائحة، في وقت يفتقر لأي أدوات للتحفيز المالي، وضخ السيولة، والاقتراض الخارجي.

 

هذه المعطيات تقدم مؤشرات قاسية حول مخاطر سلبية كبيرة سوف تلقي بظلالها على آفاق الأوضاع الفلسطينية، إذا لم تتم السيطرة على تفشي الفيروس، مما سيجعل تأثيره على النشاط الاقتصادي الفلسطيني، وسبل العيش للفلسطينيين، شديدًا وصعباً.

 

مما يزيد من هذه المخاطر الاقتصادية، ما أعلنه ممثلو القطاع الخاص الفلسطيني عن خطط لخفض الأجور بنسبة 50%، فضلا عن التأثير الأكبر من خلال قرار السلطة الفلسطينية بوقف دخول أكثر من 140 ألف عامل فلسطيني إلى إسرائيل، حيث يمثلون وأسرهم ثلث الاستهلاك الخاص، بالنظر إلى أن متوسط راتبهم أعلى 2.3 مرة مما هو عليه في الأراضي الفلسطينية، فضلا عن التوقع السلبي بسبب انخفاض عدد السياح من آسيا وأوروبا إلى الأراضي الفلسطينية، خاصة لدى زيارتهم الأماكن المقدسة في مدينتي القدس وبيت لحم.

 

الإشكالية الأساسية التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني أنه يفتقر إلى أدوات السياسة التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، مثل التحفيز المالي أو ضخ السيولة أو الاقتراض الخارجي، وهو ما سيترك هذا الاقتصاد معرضًا لمخاطر بالغة، في ظل أنه ضعيفًا للغاية.

 

يمكن إضافة الإجراءات الأخيرة لسلطة النقد الفلسطينية للحد من تأثير تفشي الوباء، لتلقي بتبعاتها السلبية على الاقتصاد الفلسطيني، خاصة تأجيل أقساط القروض للبنوك المحلية، ومع ذلك، من المتوقع أن يكون التأثير على الطلب والاستهلاك شديدًا، وبالتالي يمكن أن ينكمش الاقتصاد بأكثر من 7% بموجب هذا السيناريو.

 

اللافت أنه بعد الأزمة المالية الفلسطينية العامة عام 2019، فقد كان من المتوقع أن يتعافى الاقتصاد الفلسطيني ببطء في العام 2020، لكن تفشي جائحة كورونا أثر بشكل كبير على النشاط الاقتصادي، فالظروف المعيشية صعبة، حيث يعاني ربع قوة العمل من البطالة، ويعيش 24% من الفلسطينيين بأقل من 5.5 دولار في اليوم، على أساس تعادل القوة الشرائية في 2011، حتى قبل تفشي الجائحة، ويشكل انخفاضا أكبر من المتوقع في المساعدات، كما ترك انتشار جائحة كورونا مخاطر سلبية كبيرة.

 

من الآن فصاعدًا، يبدو أن الإجراءات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية منذ أوائل مارس 2020 لوقف انتشار تفشي جائحة كورونا، ورغم فعاليتها في الحد من انتشار الفيروس، لكنها أدت إلى تعطل النشاط الاقتصادي، خاصة في الضفة الغربية.

 

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد الفلسطيني انكماشا بنسبة 2.5% في العام الجاري 2020، الأمر الذي يجعلنا أمام تطورات اقتصادية فلسطينية متلاحقة، تذهب معظمها في الاتجاه السلبي، خاصة وأن الأداء السياسي والاقتصادي للسلطة الفلسطينية لا يعطي بشائر إيجابية.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200521-numerous-challenges-affect-the-palestinian-economy-due-to-the-coronavirus/?fbclid=IwAR2pYTULmMpMhZ9sxqygOdFlgdDhsdE34_cqWN9OccUXFIhdG2SLABOkix4