أزمة كورونا تبث الحياة في علاقات السلطة الفلسطينية وإسرائيل

  • الجمعة 24 ابريل 2020 03:11 م

أزمة كورونا تبث الحياة في علاقات السلطة الفلسطينية وإسرائيل

أسفر تفشي فيروس كورونا في الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، عن زيادة التنسيق الإسرائيلي مع السلطة الفلسطينية لمواجهة الوباء، بالعمل المكثف على مدار الساعة، والتدخل الإسرائيلي المباشر، وطلب السلطة الفلسطينية من الجيش الإسرائيلي وضع حواجز عسكرية في المناطق التي لا تصل إليها لمنع خروج الفلسطينيين من المدن والبلدات والمخيمات.

وكشفت إسرائيل عن استمرار المحادثات الهاتفية على مدار الساعة بين ضباط الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، علما بأن التنسيق يشمل المستويات المدنية والأمنية، بسبب المخاوف الإسرائيلية من تضرر السلطة الفلسطينية بفعل أزمة كورونا بسبب تردي أوضاعها الصحية والاقتصادية.

وقد أبدت الجهات الأمنية الإسرائيلية اهتماما واضحا في دراسة التبعات المتوقعة لانتشار وباء كورونا في الضفة الغربية على إسرائيل، بما فيها التأثيرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية، في ظل أن هذا الوباء قد لا ينتهي قريبا، وسيترك آثاره المؤكدة على موازين القوى السائدة. 

آخر هذه الاهتمامات ما أصدره جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية –أمان من تقدير موقف استراتيجي ، حيث شكل رئيس هيئة أركان الجيش أفيف كوخافي طاقما خاصا لبحث التبعات المترتبة على هذا الوباء بإشراف تامير هايمان، استنادا لمعلومات أمنية واستخبارية حصل عليها الجهاز من مصادره، وتم رفعه للمستوى السياسي.

التقدير الاستخباري الإسرائيلي يقدر جهود السلطة الفلسطينية لمواجهة الكورونا، حيث تتلقى الجهات الفلسطينية الرسمية مساعدات مكثفة من مجلس الأمن القومي الإسرائيلي وتنسيقا دائما مع الإدارة المدنية الإسرائيلية.

ورغم الانتقادات التي وجهها رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية لإسرائيل، بأنها تساعد في نشر الوباء، ولا تفعل ما فيه الكفاية للحد من تفشيه بين الفلسطينيين، لكن الأوساط الأمنية الإسرائيلية رأت هذه التصريحات الصادرة عن قادة السلطة الفلسطينية ليست ذات أهمية، بل تهدف لإشغال الرأي العام الفلسطيني عن قضايا أخرى.

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تسعى لاستغلال وباء كورونا لتقوية علاقاتها بنظيرتها الفلسطينية، لزيادة مستوى الثقة بينهما، رغم أنه في حال نجحت إسرائيل في التخلص من الوباء، وأعادت الحياة لاقتصادها المنهك، فإن هناك خشية من عدم استعادة العمال الفلسطينيين، بحيث يتم استبدالهم بالعمال الصينيين، مما يتطلب تقوية علاقات الجانبين، والنظرة إلى اليوم التالي لنهاية مرحلة كورونا.

كشفت أزمة فيروس كورونا عن علاقات جديدة بين إسرائيل والفلسطينيين، فالتعاون الإسرائيلي مع السلطة في ذروته، مما قد يعطي مؤشرات "إيجابية" على هذا الوباء، ولذلك فإن السلطة الفلسطينية تحظى بإشادة إسرائيل في تعاملها مع كورونا، لأنها تعمل بتنسيق كامل معها، من الناحيتين الأمنية والمدنية.

مع العلم أن إسرائيل لا تتردد في تقديم المساعدة للسلطة الفلسطينية، لأن أي إخفاق للأخيرة في مواجهة كورونا سيترتب عليه نتائج خطيرة على إسرائيل أيضا، فالوباء لا يتوقف أمام الجدار الفاصل في الضفة الغربية، بل إن الانهيار المتوقع للسلطة إن تفشى الوباء في أراضيها سيزيد من التحديات الأمنية أمام إسرائيل، ومن ذلك إمكانية استئناف العمليات المسلحة، خاصة من حركة حماس.

من جهتها، تتابع المنظومة الأمنية والعسكرية في إسرائيل عن كثب تطورات انتشار فيروس كورونا في الأراضي الفلسطينية، ويتحسب الجيش الإسرائيلي لفرضية أن يخرج المرض عن سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، مما قد يتطلب إقامة مشافي طارئة، أو إدخال قوات طبية دولية، في حال انتشر الوباء بصورة واسعة، ولذلك فإن الجهود التي تقوم بها الأجهزة الإسرائيلية لمواجهة الكورونا بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية مع الضفة الغربية تتم تحت إشراف وإدارة مكتب المنسق الإسرائيلي بوزارة الحرب الجنرال كميل أبو ركن.

القناعة الإسرائيلية مفادها أنه في حالة تفشى المرض بصورة واسعة في إسرائيل، فسينتقل بالضرورة للأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، لأن الحديث يدور عن نطاق جغرافي واحد، لا يفصل بينها عائق جغرافي حقيقي، في المقابل، ففي حال خرج المرض عن سيطرة الفلسطينيين، فإنه سينتقل للإسرائيليين، مع أن ذلك لا يحظى بتغطية الإعلام الاسرائيلي المنشغل بما يدور داخل إسرائيل فقط.

ما يحصل هذ الأيام مثير فعلا، فالتنسيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية جار على قدم وساق، من خلال عمل مكثف على مدار الساعة، قد يستدعي تدخلا إسرائيليا مباشرا، بما فيها إقامة مشافي ميدانية، أو التحسب لفرض منع التجول الكامل في الضفة الغربية من قبل السلطة الفلسطينية، ولذلك تطلب السلطة من الجيش الإسرائيلي وضع حواجز عسكرية في المناطق التي لا تصل إليها، خاصة حول مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، حيث المناطق القروية التي يصعب على قواتها الأمنية الوصول إليها، مما يدفعها للاستعانة بالجيش الإسرائيلي للقيام بذلك.

هناك معطى ذو أهمية يتعلق بالسلوك الإسرائيلي إزاء السلطة الفلسطينية في عصر كورونا، وهو التراجع الواضح في العمليات الفدائية ضد إسرائيل، ربما لأن الإجراءات الأخيرة من فرض حظر التحول وعزل المناطق ساهمت بتراجع هذه الهجمات المسلحة، التي يتم الكشف بين حين وآخر عن توفر نوايا متلاحقة لحماس لتنفيذها، من خلال استهداف الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.

أما الجيش الإسرائيلي فيعتقد أن عملياته الأمنية المتمثلة باعتقالات الفلسطينيين تشمل نسبة مخاطرة جدية، خشية انتقال العدوى بالوباء، خاصة في الحالات التي يمكن وصفها قنابل موقوتة، مع أن الاعتقالات تتم في مناطق "أ" حيث السيطرة الفلسطينية الكاملة المدنية والأمنية، بموجب القرار الإسرائيلي بعدم إزعاج قوات الأمن الفلسطينية من جهة، ومن جهة أخرى منع اندلاع مواجهات في الشارع الفلسطيني في فترة حساسة كهذه.

فيما تقدر الأوساط الإسرائيلية أن تندلع انتفاضة فلسطينية جديدة في الضفة الغربية، بعد انتهاء أزمة كورونا، التي أضرت كثيرا باقتصاد السلطة الفلسطينية، ما لم يتم تقديم مساعدات اقتصادية لها، ولذلك فإن المصلحة الإسرائيلية واضحة، بأن الأموال التي ستقدمها كمساعدات طارئة للسلطة، كفيلة بمنع انفجار الانتفاضة الثالثة.

أضف لذلك، فإن المخاطر المحدقة باقتصاد السلطة الفلسطينية في ظل إمكانية عجزها عن دفع رواتب موظفيها، يقلق إسرائيل، فإن لم يحصل عناصر الأمن الفلسطيني على رواتبهم، بسبب أزمة كورونا، فإن ذلك سيجعل إسرائيل تواجه التحدي الأمني في الضفة الغربية بنفسها، في حين ان السلطة وأجهزتها الأمنية تقوم بواجبها الحالي.

صحيح أن السلطة الفلسطينية وإسرائيل تواجهان وباء الكورونا باعتباره عدوا مشتركا، لكن المعطيات الصحية المتوفرة تشير أن عدد الفلسطينيين المصابين بالوباء ما زال منخفضا، مع أنهم يخشون فعليا من انتقال العدوى من المستوطنات الإسرائيلية إلى مناطقهم.

وبعد أن جرت العادة بأن مصادر المخاوف الإسرائيلية تأتي من المناطق الفلسطينية إلى إسرائيل، لكن أزمة كورونا قدمت فرضية معاكسة، وهي أن الفلسطينيين يخشون من انتقال العدوى إليهم من إسرائيل.

ورغم الانشغال الإسرائيلي الكبير، والمخاوف المتنامية، من تفشي وباء الكورونا، لكن أوساطا إسرائيلية باتت ترى أن هذه الأزمة قد تشكل فرصة تاريخية لترميم العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين، وأن هذا التحدي العالمي من الوباء قد يعد إمكانية لاستئناف الاتصالات بين الجانبين، لاسيما وأن هناك تنسيقا عالي المستوى بين الجانبين لمواجهة أزمة انتشار كورونا في المناطق الفلسطينية، مما قد يساهم في تخفيف حدة التوتر بينهما، للحفاظ على الهدوء الأمني، خاصة في الضفة الغربية.

لكن القرار الإسرائيلي بتشديد المراقبة على الحدود مع الضفة الغربية خشية تفشي فيروس كورونا، سيترك خلفه العديد من التبعات بعيدة المدى، لأنه يعني صدور قرار إسرائيلي بمنع دخول قرابة 120 ألف عامل فلسطيني من العمل في إسرائيل والمستوطنات في الضفة الغربية.

مثل هذا القرار سيتسبب بتعكير صفو حياة الفلسطينيين على الصعيد المعيشي، ما سيعتبر سببا رئيسا لإمكانية تهديد الهدوء الأمني النسبي في الضفة الغربية، وهذه القناعة مستمرة وعميقة في ذهن صاحب القرار الإسرائيلي، الذي يمتنع حتى الآن عن فرض قيود كاملة على الحدود المشتركة بين الضفة الغربية وإسرائيل، وعدم إنهاء أي علاقات اقتصادية مدنية معها.

للوهلة الأولى، فإن توقيت أزمة كورونا يعتبر الأكثر إشكالية للعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، فانتشار الوباء جاء في وقت تشهد فيه علاقاتهما توترا هو الأقسى منذ زمن طويل، لاسيما بالتزامن مع إعلان صفقة القرن،

ومع مرور الوقت، ترى أوساط إسرائيلية أن التهديد المشترك الذي يواجه الجانبين، الإسرائيلي والفلسطيني بسبب أزمة كورونا، قد يشكل في الوقت ذاته فرصة مشتركة، لأن استمرار تفشي هذا الوباء يدفع للأمام استئناف الاتصالات بينهما، خاصة في الضفة الغربية، لا سيما في المجالات المدنية والاقتصادية.

 ولذلك بات واضحا أنه من مصلحة الجانبين، السلطة الفلسطينية وإسرائيل، أن تذهب الأولى باتجاه إدارة الامور في مناطقها بدعم كامل من تل أبيب، وفي هذه الحالة أصبح كورونا، ويا للعجب، منصة مهمة لتحسين علاقات الجانبين بعد تدهورها خلال السنوات الماضية.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200424-the-coronavirus-crisis-has-revived-relations-between-the-pa-and-israel/?fbclid=IwAR19vkJdtHWQWhmc0tgFfAjb41LwFFv8FjcsB8CSjpyN0Gl2K6xHi38Z5CU