السعودية تخسر الفلسطينيين بعد محاكمتها لعناصر حماس

  • الأربعاء 18 مارس 2020 10:27 ص

السعودية تخسر الفلسطينيين بعد محاكمتها لعناصر حماس

كان متوقعاً أن تشهد السياسة السعودية الخارجية تحولات مفصلية منذ مجيء ولي العهد السعودي الى رأس السلطة في المملكة، وافتتاحه لعهد جديد من العلاقات الخارجية، خاصة بالتزامن مع وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، لكن المفاجئ أن تصل هذه التحولات السياسية السعودية إلى ثوابت كانت الى عهد قريب من المحرمات التي لا يجب الاقتراب منها، وعلى رأسها دعم القضية الفلسطينية.

 

رأينا ذلك في أكثر من محطة خلال السنوات الأخيرة, تمثلت أهمها في الضغوط التي مارسها محمد بن سلمان على الرئيس الفلسطيني محمود عباس للقبول بصفقة القرن، وانتشار خطاب إعلامي سعودي رسمي يتبنى الرواية الإسرائيلية في النزاع مع الفلسطينيين، وصولا الى المحاكمات الأخيرة التي شهدها القضاء السعودي في الأيام الأخيرة بحق العشرات من عناصر ومؤيدي حماس في المملكة.

 

لم يمثل عناصر حماس أمام محاكم غير إسرائيلية لاتهامهم بمقاومة الاحتلال سوى أمام السلطة الفلسطينية ومصر، وأخيرا السعودية، التي سمحت الى عهد قريب لهذه الكوادر بالعمل داخل المملكة، وممارسة نشاطاتهم السياسية، وجمع تبرعاتهم المالية لصالح إغاثة الشعب الفلسطيني المحاصر، مما يطرح أسئلة كثيرة عن السبب في هذا التحول الخطير، ونتائجه المتوقعة، والعوامل التي دفعت حكام السعودية الجدد لاتخاذ هذا المنحى غير المعهود تجاه هذه الحركة الفلسطينية، التي حافظت على علاقات جيدة وقوية مع مختلف دوائر صنع القرار في المملكة قبيل وصول العهد الجديد.

 

إن إحضار 70 من عناصر ومناصري حماس من الفلسطينيين والأردنيين والسعوديين، إلى قاعة المحكمة، يعني أن المملكة قطعت شوطا طويلا في استعداء حماس والفلسطينيين، وهي التي لم توجه اتهاما لهؤلاء العناصر بالمس بأمن المملكة الداخلي، أو العبث باستقرارها السياسي، أو التواطؤ مع أعداء المملكة للإضرار بها، او التدخل في شئونها الداخلية.

 

اللافت أن بعض تفاصيل المحاكمات التي حصل عليها كاتب السطور تبدو هزلية وغير قابلة للتصديق، فأحدهم متهم بسبب حيازته عبوات زيت زيتون فلسطيني، وآخر لاقتنائه كتاب تاريخ فلسطين للكاتب الكويتي طارق سويدان، وثالث لأنه أرسل أضاحي لسكان غزة، ورابع بتهمة الانتماء لكيان إرهابي، فيما لم تزد مدة الحديث بين القاضي والمتهم عن ثلاثة دقائق فقط.

 

يصعب قراءة الشروع السعودي في محاكمة عناصر حماس بعيدا عن توقيت هذا الحدث المفصلي في علاقات الجانبين، فالمحاكمة تتم بعد قرابة عام على بدء حملة الاعتقالات التي طالت العشرات من أولئك العناصر، وشملت ملاحقتهم، وإغلاق شركاتهم، ومصادرة أموالهم، وحظر حوالاتهم المصرفية، وهو ما يطرح تساؤلا حول سبب التباطؤ في عرضهم على القضاء، بعد منعهم من مقابلة ذويهم ومحاميهم، أو معرفة أماكن احتجازهم، مما يؤكد أن الاعتقال لهم تم بعيدا عن أي إجراءات قضائية سليمة، ترفض الإخفاء القسري للعشرات دون معرفة أماكن تواجدهم.

 

فضلا عن ذلك، فإن محاكمة السعودية للعشرات من عناصر ومؤيدي حماس في أوائل مارس تتم بعد أقل من شهرين من إعلان صفقة القرن أواخر يناير الماضي، وهنا لا يبدو الرابط بينهما سرياً أو مصادفة، لاسيما وأن حماس، الحركة المستهدفة من هذه المحاكمات، أعلنت علانية أنها تقف بقوة ضد هذه الصفقة، وأنها تجند كل إمكانياتها وطاقاتها، بل وعلاقاتها الاقليمية والدولية لإحباط الصفقة، وإفشالها.

 

وفي ضوء أن السعودية تبنت تسويق الصفقة، بل وتمويلها، فقد بات منطقيا، وفق وجهة نظرها، أن تذلل أمام تطبيقها كل العقبات، ومنها حماس، مما دفع المملكة لاستهداف الحركة، واعتبار ذلك قربانا على مذبح التقارب مع إدارة ترامب، التي تبذل كل جهودها لتنفيذ الصفقة قبيل دخولها في الحملة الانتخابية أواخر 2020، باعتبارها إنجازا سياسيا لها لحل النزاع القائم في الشرق الأوسط.

 

تزامن آخر لا تخطئه العين يرتبط بالمحاكمات السعودية لعناصر حماس ومؤيديها، يتعلق بمسارعة حماس في توثيق علاقاتها بمن تعتبرهم السعودية أعداءها في المنطقة، لاسيما إيران وقطر وتركيا، خاصة في الجولة الخارجية التي يجريها في هذه الآونة زعيم حماس إسماعيل هنية، وتنقلاته بين هذه البلدان، وهو ما رأت فيه المملكة تحدياً لها، وإعلانا من حماس بانخراطها العملي في الحلف المناهض للسعودية، مما قد يجعل من هذه المحاكمات عقوبة سعودية فورية للحركة التي لا يبدو أنها قد ترتدع منها، وهي ماضية قدماً في توثيق تحالفاتها السياسية والعسكرية والمالية.

 

في المقابل، من الواضح أنه سيكون لهذه المحاكمات السعودية لكوادر حماس تبعات ونتائج مباشرة على علاقات الجانبين، بعد أن حافظت الحركة على علاقات جيدة واتصالات دائمة، رغم تعرضها للشد والجذب بين حين وآخر، لكن شعرة معاوية لم تنقطع بينهما، ولو من خلال البوابة الأمنية عبر جهاز الاستخبارات العسكرية السعودي، ووجود اتصالات متقطعة بين حين وآخر بين قادة الحركة وبعض الأمراء والمسئولين والوزراء السعوديين، السابقين والحاليين.

 

لكن الاعتقالات الأخيرة التي شنتها السلطات السعودية منذ أبريل 2019، وصولا الى محاكمات مارس 2020، شهدت بذل حماس لجهود حثيثة، سواء مباشرة بينها وبين الرياض، أو من خلال وسطاء عرف من بينهم تركيا ومصر ولبنان الكويت، لمحاولة تفكيك هذه الأزمة المتفاقمة بين الجانبين، وكلها وصلت الى طريق مسدود، وكأن الرياض قد عقدت العزم عن سابق إصرار وترصد عن ضرب الحركة، وقطع كل أوصالها، واستئصال أي تواجد لها في المملكة.

 

تسبب هذا العناد السعودي في استهداف حماس، بخروج الحركة عن صمتها عبر عدة محطات، سواء بصدور بيانات رسمية باسمها ترفض هذه الاعتقالات، والمحاكمات، وخروج معظم قادتها يستنكرون الإجراءات السعودية ضد عناصرهم، وهو سلوك سياسي غير مسبوق لحماس، التي حرصت دائما على حل كل إشكالياتها مع دول المنطقة بعيدا عن الإعلام والتداول السياسي، حرصا منها على عدم إحداث قطيعة مع أي من العواصم.

 

لكن من الواضح أن حماس هذه المرة أدركت أن السعودية ماضية في ضربها واستهدافها، سواء لاعتبارات داخلية وخارجية، أهمها إرضاء الإدارة الأمريكية، والتقارب مع إسرائيل، مما يجعل العلاقات بين الحركة والرياض ذاهبة الى خط اللا رجعة، وصولا إلى قطيعة كاملة، الأمر الذي لم تكن ترغبه حماس إطلاقا.

 

لكن هذه المحاكمات تعني في المقابل خسارة السعودية لقطاع عريض من الفلسطينيين، الذي سيصنفها في خانة أعداء القضية الفلسطينية، بعد أن كانت المملكة في سنوات وعقود سابقة داعمة لها، ولو سياسيا وإعلاميا على الأقل، لأن إعادة التموضع السعودي تجاه حماس خصوصا، والفلسطينيين عموما، يعني اصطفافا بجانب المواقف الأمريكية والإسرائيلية المعادية للفلسطينيين، مما سيجعلنا على موعد مع سياسات سعودية أكثر عدائية تجاههم.

 

المصدر Middle East Eye

https://www.middleeasteye.net
/opinion/hamas-trials-how-saudi-arabia-turned-against-palestinians?fbclid=IwAR3Tf1-Ofm1GaWnjN9oE8PE9-svcwESE5Qh83Q0i5q4TCxGk6-GAhPEJ01c