السلطة الفلسطينية تستفز الفلسطينيين بلقاءاتها التطبيعية مع إسرائيل

  • الثلاثاء 10 مارس 2020 09:53 ص

السلطة الفلسطينية تستفز الفلسطينيين بلقاءاتها التطبيعية مع إسرائيل

بعد الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية الكبيرة على اللقاءات التطبيعية التي أجراها عدد من قيادات السلطة الفلسطينية مؤخرا مع شخصيات إسرائيلية، أعلن محمد المدني، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي في منظمة التحرير، استقالته أمام قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لكن المفاجئ أن الأخير رفض الاستقالة، ومنح المدني وأعضاء لجنة التواصل مع الإسرائيليين غطاء سياسيا كاملا، مما اعتبر تحديا لمشاعر الفلسطينيين الرافضة لهذه اللقاءات التطبيعية مع إسرائيل.

 

السطور التالية تناقش تفاصيل هذه اللقاءات التطبيعية، من دعا إليها، ومن حضرها من الجانب الفلسطيني من الشخصيات الرسمية، وما سبب الانتقادات الفلسطينية لهذا اللقاء، وما الجدوى الفلسطينية من المشاركة في اللقاءات مع الإسرائيليين، رغم القطيعة السياسية مع الحكومة الإسرائيلية.

 

بينما كرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس حديثه بقطع كافة أشكال الاتصال والتعاون مع إسرائيل رداً على صفقة القرن، تتواصل سلسلة لقاءات بين وفود فلسطينية وإسرائيلية في رام الله وتل أبيب في وقت تطالب فيه السلطة العرب بعدم التطبيع، وأثار هذا المشهد التطبيعي غضب الشارع الفلسطيني الذي رآه تحدياً من السلطة لإرادته الشعبية، وتنصُّلاً من الوعود التي قطعها عباس بوقف كافة أشكال الاتصالات مع إسرائيل.

 

اللقاءات التي جرى ترتيبها على مدار عدة أيام، كانت بمشاركة مستويات متعددة من المسؤولين الفلسطينيين، بدأت بمشاركة 15 قيادياً بارزاً في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وحركة فتح في مؤتمر "برلمان السلام" الذي استضافته تل أبيب لمناقشة تداعيات صفقة القرن في مقر اتحاد الصحفيين الإسرائيليين.

 

شارك باللقاء الذي جاء بعنوان "نعم للسلام لا للضم ودولتان للشعبين: إسرائيل وفلسطين"، وزراء حاليون وسابقون في السلطة الفلسطينية، وأعضاء بالمجلس التشريعي، ولجنة تواصل حركة فتح مع المجتمع الإسرائيلي، ووزراء إسرائيليون ونواب سابقون بينهم عرب في الكنيست.

 

عرف من المشاركين الفلسطينيين: حسين الأعرج رئيس ديوان الرئاسة، أشرف العجرمي وزير الأسرى السابق، باسم خوري وزير الصحة السابق، وعدد من نواب المجلس التشريعي عن حركة فتح.

 

يعتقد الفلسطينيون أن اللقاءات التطبيعية التي تجريها السلطة الفلسطينية مع إسرائيل طعنة في خاصرة الشعب الفلسطيني، الذي خرج رافضاً لصفقة القرن، وسيترتب عليه تداعيات أبرزها ضعف الموقف الفلسطيني من تطبيع أي دولة عربية مع إسرائيل، كما تظهر اللقاءات أمام المجتمع الدولي رضا فلسطينياً عن الصفقة.

 

في وقت لاحق، استضافت الرئاسة الفلسطينية وفداً إسرائيلياً صحفياً في متحف الرئيس عرفات في رام الله، أكد خلاله نبيل أبو ردينة، وزير الإعلام الفلسطيني والمتحدث باسم عباس، للصحفيين الإسرائيليين، أن التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل ما زال قائماً، ولم يطرأ أي تراجع في أدائه، في حين استضافت لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي الفلسطينية مجموعة من ممثلي وسائل الإعلام الإسرائيلية.

 

أما مستشار الرئيس للشؤون الدينية وقاضي قضاة فلسطين محمود الهباش فقد استقبل وفداً إسرائيلياً، يضم مجموعة من الصحفيين الإسرائيليين على مأدبة غداء بأحد مطاعم رام الله، ثم تجول الوفد برفقته في شوارع المدينة في مشهد استفزازي، برفقة عناصر من الأجهزة الأمنية التي وفرت لهم حماية أمنية مشددة.

 

وأعلن الهباش في تغريدة على فيسبوك أنه التقى مجموعة من الصحفيين الإسرائيليين، بحضور محمد المدني رئيس لجنة التواصل، التي نظمت هذا اللقاء، في إطار سعي القيادة الفلسطينية لمواجهة مؤامرة صفقة ترامب سياسياً وقانونياً وإعلامياً، وأنّ الاجتماع جاء لعرض الرواية والرؤية الفلسطينية لتحقيق سلام عادل وشامل، على أساس يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

 

عبر الفلسطينيون عن غضبهم مما شهده مطعم "كاسبر وغامبينز" برام الله، من لقاء تطبيعي جمع الهباش مع وفد صهيوني، في حين التزمت السلطة وحركة فتح الصمت تجاه هذه اللقاءات المتبادلة، ولم تصدر أي بيان حول ما جرى، سواء بوسائل إعلامها الرسمية، أو ناطقيها الإعلاميين.

 

اللافت أن الرئاسة الفلسطينية وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح وقيادات المجلس الثوري للحركة وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، رفضوا التعليق على هذه اللقاءات، لوجود تعليمات من القيادة الفلسطينية بتجنب الحديث بهذا الملف أمام وسائل الإعلام.

 

مع العلم أن مشاركة شخصيات من الصف الأول للسلطة بهذه اللقاءات قد تعتبر رسائل للجانب الإسرائيلي برغبة السلطة في العودة للمفاوضات، لذلك يمكن اعتبار هذه اللقاءات مدروسة بدلالات الزمان والمكان والأجندة ومستوى المشاركة، وتحظى بدعم وتنسيق أمريكي يتباهى بأن صفقة القرن نجحت في إعادة المياه لمجاريها.

 

حملة المقاطعة الفلسطينية وصفت سلوكيات التطبيع من قيادات فلسطينية في خضم الإعلان عن صفقة ترامب بأنها خطيرة جداً وصادمة، فيما تتعرض فيه القضية الفلسطينية لأخطر مشروع قد يمر على الشعب الفلسطيني منذ عقود، لأن توقع إحداث أي اختراق في المجتمع الإسرائيلي، ثبت فشله على مدار عقود من المحاولات، فضلا عن كونها محاولات تضر بالموقف الفلسطيني الرافض بشدة للاتصالات التطبيعية العربية مع إسرائيل، فلا يعقل أن نطلب من الآخرين قطع الاتصالات معها، فيما نحن نطبع معها، لأنهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك.

 

لم يكن موقف السلطة في إجراء اللقاءات التطبيعية مفاجئاً للفلسطينيين، فقد ظهر عباس مبادراً لإجرائها، حينما التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، على هامش اجتماعات مجلس الأمن.

 

غضب الشارع الفلسطيني من اللقاءات التطبيعية لم يتأخر كثيراً، بل ترجم على الأرض بتعرض المطعم الذي استضاف لقاء الهباش بالوفد الإسرائيلي لمظاهرة شبابية فلسطينية، تخللها إلقاء زجاجات حارقة، وتدمير جزء من ممتلكاته، مما دفع إدارة المطعم لإصدار تنويه بأن اللقاء تم عبر حجز السلطة للمطعم دون الإشارة لوجود وفد إسرائيلي في اللقاء، فيما ألغى مطعم الافرست في رام الله حجزاً آخر، بعد الاشتباه بمشاركة وفد إسرائيلي في اللقاء.

 

المستشرقة الإسرائيلية كاسنيا سيفاتلوفا، العضوة السابقة بلجنة الخارجية والأمن في الكنيست، اعتبرت أن اللقاءات الإسرائيلية الفلسطينية الأخيرة قابلها زيادة في رفض الفلسطينيين لظاهرة التطبيع مع إسرائيل.

 

وأوضحت أنه في ظل حالة الجمود السياسي في المفاوضات، وإعلان صفقة القرن، فقد أدى ذلك لظاهرة جديدة من إنكار الفلسطينيين لأي تقارب وعقد لقاءات مع الإسرائيليين، بمن في ذلك الصحفيين ونشطاء السلام، لأن مثل هذه اللقاءات من وجهة نظر الفلسطينيين تعتبر مؤشرات على قبول الاحتلال، والتطبيع مع إسرائيل.

 

وكشفت أن اللقاءات التي جمعت عددا من أعضاء الكنيست السابقين، بينهم نشطاء في برلمان السلام وبين قادة السلطة الفلسطينية التي أقيمت في الأسابيع الماضية، بمبادرة من لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي شهدت أجواء حميمية وودية، ورغم أن اللقاء جاء لإعلان رفض صفقة القرن، لكن العناوين التي تصدرت وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية وشبكات التواصل الفلسطينية كشفت عن هجوم كبير عليها.

 

أحد المشاركين في اللقاء رئيس بلدية عنبتا شرق طولكرم حمدلله الحمدلله، نشر منشورا على الفيسبوك حول اللقاء، ثم اضطر لحذفه، وإعلان استقالته من البلدية ولجنة التواصل مع المجتمع المدني، ورغم أن لقاءه بالإسرائيليين تم بدعوة من حركة فتح التي يترأسها عباس، لكن تبريره لم يجد آذانا صاغية في الشارع الفلسطيني.

 

تطرح ظاهرة الرفض الفلسطيني للقاءات مع الإسرائيليين سؤالين هامين: هل الواقع القائم في الضفة الغربية يضع صعوبات أمام عمل المنظمات الإسرائيلية العاملة لتحقيق حل الدولتين، واستمرار الحوار مع الفلسطينيين، وكيف يمكن مواصلة الكفاح من أجل السلام حين تتم مهاجمة كل فلسطيني يلتقي مع الإسرائيليين؟

 

عضو الكنيست موسي روز من حزب ميرتس اليساري، ناشط السلام القديم قال إن الرفض الفلسطيني لعقد مثل هذه اللقاءات مع الإسرائيليين يعود لحالة اليأس والإحباط في صفوف الفلسطينيين، ممن يوجهون عنفهم ضد من يعقدون هذه اللقاءات.

 

أما شاكيد موراج سكرتيرة حركة السلام الآن فقالت إنها تفرق بين التطبيع مع إسرائيل، والعمل لإنهاء الاحتلال، في جميع لقاءاتي بالفلسطينيين في رام الله لم أتعرض لتهديدات منهم، لأنني أسعى لتغيير الواقع القائم، وليس للحفاظ عليه.

 

غادي بيلتيانسكي سكرتير منظمة "مبادرة جنيف" قال إنه رغم الأجواء الصعبة التي أسفر عنها إعلان صفقة القرن، لكنه يواصل عقد اللقاءات المشتركة بين الجانبين، مع أن زيادة العداء لظاهرة التطبيع تصعب من عمل منظمات السلام، صحيح أنه لا يلغي عقد اللقاءات كليا، لكنه يؤثر على توقيت انعقادها، وفي هذه المرحلة يطلب منا النشطاء الفلسطينيون عدم نشر أي أخبار إعلامية عن هذه اللقاءات.

 

الغريب أن الإسرائيليين، ورغم الرفض الشعبي الفلسطينيين لكل هذه اللقاءات، لكن لديهم ثقة بأن القيادة الفلسطينية برئاسة عباس تعطي غطاء كاملا لمثل هذه اللقاءات، ولذلك فهي ستواصل الانعقاد، رغم أن الأجواء لا تساعد على ذلك، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول مدى جدية السلطة الفلسطينية في مقاطعة إسرائيل، ووقف الاتصالات معها بعد إعلان صفقة القرن.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200309-the-pa-is-provoking-the-palestinians-with-its-israel-normalisation-meetings/?fbclid=IwAR2wASDGnhESqdH29QUQAfEkjtI5fSF31nYLNYeoPbKcKWQULiMA9Lmn4Oc