المجتمع الإسرائيلي "الفاسد" ينتخب نتنياهو "المفسد"

  • السبت 07 مارس 2020 09:31 ص

المجتمع الإسرائيلي "الفاسد" ينتخب نتنياهو "المفسد"

جاء لافتا أن تسفر الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن فوز جديد لبنيامين نتنياهو زعيم الليكود وقائد معسكر اليمين، في نتيجة مفاجئة لكل التوقعات، التي اعتقدت أن توجيه لوائح الاتهام له بالفساد، وتقديمه للمحاكمة قريبا سيؤثر سلبا على فرصه بالفوز، لكنه خالف التوقعات والاستطلاعات، وانتصر على خصومه.

 

يشكل فوز نتنياهو، وانتخاب الإسرائيليين له رغم فساده، مناسبة للتساؤل حول مدى تغلغل هذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي، الذي ينزاح نحو التوجهات اليمينية، بما يدفعهم لانتخاب من يمثلهم، حتى لو اتهم بالفساد.

 

صحيح أن عوامل فوز نتنياهو تتلخص بالكاريزما الشخصية، والدوافع الأمنية، والتحريض على العرب، لكن فساده غاب، أو على الأقل تم تغييبه، أمام الناخب الإسرائيلي، رغم أننا أمام ثلاث لوائح اتهام بالفساد موجهة إليه من مختلف مؤسسات الدولة القانونية والقضائية والشرطية، لكنها لم تؤثر على تأييد الجمهور له، مما يؤكد أن الناخبين الإسرائيليين، خاصة في معسكر اليمين، الديني والقومي، لم يعودوا مهتمين كثيرا بفساد السلطة ونظام الحكم، بقدر ما يركزون في اختياراتهم على الأبعاد السياسية والقومية والصهيونية.

 

وقد وقع 120 مسؤولا إسرائيليا سابقا على عريضة رفعوها للرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، ولأعضاء الكنيست، طلبوا منهم عدم تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة القادمة، وهذه شخصيات إسرائيلية رفيعة المستوى حازوا على جوائز الدولة في مجالات مختلفة، ورؤساء جامعات وأكاديميين وخبراء ومتخصصين من شتى العلوم والمعارف، فيما أرسل 540 طيارا وضابطا من سلاح الجو عريضة مشابهة لريفلين، تحمل ذات الطلب، بسبب تورط نتنياهو في قضايا الفساد السلطوي.

 

مع أن فوز نتنياهو في الانتخابات لن ينقذه من المحاكمة التي تنتظره، لأنه لم يحصل على أغلبية تجعله قادرا على الإفلات منها، ولعل أمامنا بعد أيام قليلة صورة لم نر مثلها في تاريخ إسرائيل، تتمثل برئيس حكومة قوي منتخب لتوه، يجلس على مقاعد المتهمين في المحكمة، ويقاتل لتحقيق براءته.

 

فساد نتنياهو مثلث الأضلاع، ولعله متورط بأخطر قضايا فساد في تاريخ إسرائيل، تتمثل بجملة جرائم بينها: تلقي رشوة، وغش، وخرق الثقة، وليس من المتوقع أن تطوى صفحات هذه الفضائح في قادم الأيام، في ظل تشعباتها الجنائية، وتداخلات السياسي مع العسكري، مما سيتطلب المزيد من الأخذ والرد، والكلام, والكلام المضاد، لكن الأنظار ستبقى مسلطة باتجاه نتنياهو، المنشغل في تشكيل حكومته القادمة.

 

تسلط مسألة فوز نتنياهو في الانتخابات رغم اتهامه رسمياً بالفساد، الضوء على حجم وطبيعة الفساد المستشري في الحياة السياسية الإسرائيلية، وأثرها على طبيعة نظامها السياسي مستقبلاً، في ضوء تورط معظم الطبقة السياسية في قضايا فساد مالي وإداري وأخلاقي متعدد الجهات.

 

تعتبر نتيجة الانتخابات الإسرائيلية التي أسفرت عن فوز كبير لنتنياهو "الفاسد"، فرصة مناسبة لاستقراء تبعات ونتائج ظاهرة الفساد في إسرائيل، خاصة على صعيد تراجع وضعية الدولة بين نظيراتها من الدول الغربية، وأثره على حجم الامتيازات التي ستحرم منها، إذا بقي "بارومتر" الفساد بمؤسساتها يتزايد عاماً بعد عام.

 

وقد باتت أخبار الفساد الجريئة مثيرة للجدل عن المجتمع الإسرائيلي، لأنها تكلف الدولة ثمناً باهظاً، ويدفع بالإسرائيليين لوصف زعاماتهم السياسية الحاكمة بـ"قيادة فاسدة"، تسري كـ"القوارض" في روحها، بقدرتها الفائقة على "تلويث" الجو، وتأثيرها السلبي على ثقة الجمهور بمؤسسات الدولة، مما يقلل من صورتها في العالم، ويخرج بقناعة مفادها أن إسرائيل وصلت لمستوى من الفساد فقدت خلاله الكوابح اللازمة لإدارة الدولة.

 

تنقسم جرائم فساد نتنياهو إلى ثلاثة أنواع: الامتيازات الحكومية، الرشوة، والتعيينات السياسية، وهي جميعاً منتشرة بدءً من رئيس الحكومة، مروراً بالوزراء وأعضاء الكنيست، وانتهاءً بالموظفين الكبار، مما يذكرنا بمقولة رئيس الكنيست الأسبق "أبراهام بورغ" أن "إسرائيل غدت دولة من المستوطنين، تقودها زمرة من الفاسدين".

 

وأشارت تقارير سابقة للبنك الدولي أن إسرائيل دولة قائمة على نسبة فساد عالية، فاقت المعدلات المقبولة في الدول المتقدمة، ووصلت 8.8%، بينما في الدول الغربية 4.91%، مما وضعها في أسفل سلمها، وعلى رأس قائمة الدول الأكثر فساداً فيها، مع ترسب ظاهرة الفساد في المؤسسات الأهلية والحكومية والخاصة.

 

وفي حال تمت إدانة نتنياهو رسميا باتهامات الفساد الموجهة إليه، فسينضم لقائمة طويلة من الشخصيات العامة المدانة بمختلف قضايا الفساد والمخالفات الجنائية، ولن يكون السياسي الأول في إسرائيل الذي قد يتعرض للمحاكمة، فالتاريخ الإسرائيلي مزدحم بأسماء ليست قليلة من الشخصيات العامة، ممن أدينوا باتهامات هزت الحلبة السياسية والحزبية.

 

لعل السياسي الأبرز الذي دخل السجن هو إيهود أولمرت رئيس الحكومة الأسبق، حيث أدين بعدد من القضايا الجنائية والرشاوى المالية بمئات آلاف الدولارات، وجاءت النهاية مأساوية بمكوثه في السجن، قبله كان موشيه كتساب الرئيس الثامن لإسرائيل، وارتكابه أعمالا مشينة ضد إحدى العاملات بمقر الرئاسة، ووقوع أربع سيدات ضحية جرائمه الجنسية، وقيامه بعمليتي اغتصاب، وحكم عليه بالسجن سبع سنوات.

 

أما آرييه درعي زعيم حركة شاس، حليف نتنياهو القوي، فدخل السجن لإدانته بتلقي رشاوي، واستخدامه المال العام لصالح جمعية تديرها زوجته، فيما ارتبط اسم أفيغدور ليبرمان رئيس حزب يسرائيل بيتنا، عدو نتنياهو اللدود، بالعديد من المخالفات الجنائية، كاستغلال المال العام لمصالح شخصية، ومهاجمة فتيان، وتهديدهم.

 

أما غونين سيغيف، وزير الطاقة الأسبق، فقد تحول لتاجر مخدرات، ثم عمل جاسوسا لإيران، ونقل لها أسرارا عن الطاقة وأجهزة الأمن وتجنيد إسرائيليين لصالحها، كما أدين ساتيس ميسجينكوف وزير السياحة بنقل مبالغ مالية هائلة لصالح سيدة ارتبط معها بعلاقة خاصة، وتعاطي المخدرات، بجانب أبراهام هيرشزون وزير المالية والسياحة والاتصالات، المدان باستخدام أموال عامة لأغراضه الشخصية، وخيانة الأمانة.

 

لعل التأثير الأكثر الأهمية لهذا المسلسل من الفساد والفضائح، يتمثل بما يمكن تسميته "تدهور القيم واضطراب الروح وأفولها" في إسرائيل، فهي تسير بالاتجاه غير الصحيح، وتنجر في الظلمة نحو هلاك محتمل، ليس بسبب أعدائها الخارجيين، وإنما "بسبب الإسرائيليين أنفسهم وقادتهم، أو من يدعون القيادة، الإسرائيليون لديهم قيادة تعيش كل الوقت تحت علامة استفهام أخلاقية، والجمهور لا يثق بها"!

 

يمكن وضع جملة من التأثيرات لظاهرة الفساد المستشري في إسرائيل على اتساع زعزعة الثقة الإسرائيلية بالمؤسسة الحاكمة، بإظهار "مقياس الديمقراطية الإسرائيلي السنوي" أن معدل الثقة الجماهيرية برئيس الوزراء هبط من 34% إلى 21% فقط، وانخفاض الثقة برئاسة الدولة من 67% إلى 22% فقط.

 

كما أن 79% من الجمهور الإسرائيلي يبدي قلقه على مستقبل الدولة بسبب الفساد، الذي يعتقد 75% منهم بوجوده فيها، وانتشاره على مستوى واسع للغاية، مما دفع بالغالبية العظمى منهم لأن تعرب عن عدم ثقتها في القيادة السياسية.

 

تأثير لا يقل أهمية، يتعلق بمستقبل نظام الحكم السياسي الإسرائيلي، لأنه عندما يتم التحقيق مع رؤساء الدولة والحكومات، وآخرهم نتنياهو، وأقطاب المؤسسة الحاكمة في قضايا فساد، وضلوعهم فيها، فإن ذلك يهدد استقرار الكيان السياسي برمته، بل إن التأثير السلبي للفساد يصل إلى الصورة الذهنية لدى العالم عن إسرائيل.

 

وقد حدا تزايد انتشار ظاهرة الفساد بالسفراء والقناصل الإسرائيليين لإبلاغ وزارة الخارجية، بأن الدول التي يخدمون فيها قلقة من حجم الفساد في إسرائيل، وإن نشر قضايا الفساد بصورة يومية ألحق ضرراً كبيراً بصورة "الدولة" على مستوى العالم، بحيث يطغى الحديث عن الفساد على كل لقاء يعقدونه مع أي وفد سياسي وصحفيين وصناع رأي عام في تلك الدول، لاسيما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

 

يصعب الربط القسري بين ظاهرة الفساد وسوء الأحوال الاقتصادية وتدهورها في إسرائيل، فالفساد ظاهرة متجذرة في المجتمع الإسرائيلي، نتيجة عدم التجانس والانسجام بين أفراده، نظراً لتعدد الجهات، واختلاف البلدان التي قدموا منها، وتباين البيئات التي عاشوا فيها في السابق قبل قدومهم لإسرائيل، وعدم قدرة الكثيرين منهم على التكيف والتأقلم مع الحياة الجديدة، خاصة وأن الفساد يستشري بصورة أكبر في الشرائح العليا من المجتمع الإسرائيلي التي تملك السلطة والنفوذ في الدولة.

 

تعتبر ظاهرة الفساد في إسرائيل من أكثر المشاكل المقلقة في نظام الحكم، وتصل لذات درجة الخوف من "المقاومة الفلسطينية والجريمة الداخلية"، لأنها تؤثر على الصورة النمطية والانطباع العام حول النظام السياسي الإسرائيلي، والنخب السياسية والبيروقراطية، ويمتد تأثيرها السلبي على العملية السياسية واتخاذ القرارات المصيرية، وهذه خطورة الفساد السياسي بالأساس، لأنها تؤدي بالمحصلة لغياب الثقة والأداء الصحيح والتفكير السليم باتخاذ خطوات وقرارات مفصلية تاريخية.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200306-corrupt-israel-has-re-elected-a-prime-minister-charged-with-corruption/?fbclid=IwAR07xnxjA_dUeuO7hDE2rWlRZ7XbkI1KRnlTL3Q2TjNphpm8qIKgCX2ek2c