صفقة القرن وخلافة عباس تتصدر مباحثات المخابرات الأمريكية والفلسطينية

  • الثلاثاء 25 فبراير 2020 05:52 ص

صفقة القرن وخلافة عباس تتصدر مباحثات المخابرات الأمريكية والفلسطينية

بعد يومين فقط من إعلان صفقة القرن أواخر يناير، وصلت جينا هاسبل رئيسة جهاز المخابرات المركزية الأمريكية السي آي إيه سراً الى مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، والتقت مع ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية وعددا من كبار المسئولين الفلسطينيين، الذين طمأنوها بأن التنسيق الأمني الفلسطيني الأمريكي لن يتضرر عقب إعلان الصفقة.

حصلت هذه الزيارة بعد كشف إسرائيلي عن إحباط محاولة اغتيال ماجد فرج، بإيعاز من توفيق الطيراوي عضو اللجنة المركزية لفتح، والرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة.

تبدو الزيارة المفاجئة لرئيسة السي آي إيه جديرة بالقراءة، وتسليط الضوء على الأمر العاجل الذي دفعها للوصول الى رام الله، مع أنه كان بإمكانها أن ترسل أحد مساعديها، أو تستدعي ماجد فرج إلى واشنطن، رغم أن هناك من يرى بأن الزيارة تهدف لإقناع الفلسطينيين بقبول صفقة القرن.

وربما ترتبط الزيارة الأمنية الأمريكية بالتحضير لخلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لاسيما وأن الزيارة تزامنت مع الكشف عن محاولة اغتيال فرج، مما قد يجعلنا أمام حرب تصفيات جسدية بين المتنافسين الفلسطينيين لخلافة عباس، وقراءة تأثير محاولة الاغتيال على فرص فرج في وراثت.

اللافت أن هذه الزيارة الاستخبارية الأمريكية تمت إلى الأراضي الفلسطينية رغم إعلان عباس قطع العلاقات الأمنية مع الإسرائيليين والأميركيين، مما يطرح علامات استفهام كبيرة حول مصداقيته، خاصة وأنه دأب على الإعلان أنه يواصل تنسيقه مع المخابرات الأمريكية لمكافحة ما يصفه "الإرهاب".

المعلومات التي خرجت من لقاء هاسبل في رام الله مع قادة المخابرات الفلسطينية، تشير أن اللقاءات استمرت ثلاثة أيام، شارك فيها 16 من ضباط الجانبين، وبحثت بشكل معمّق سيناريوهات وخططاً للقضاء على منظومة المقاومة الفلسطينية، في قطاع غزة تحديداً، مع رسم ملامح لضمان عدم حدوث فوضى في الضفة الغربية تتسبّب في تفجير الأوضاع الميدانية في وجه إسرائيل.

بحثت اللقاءات في يومها الأول، جميع السيناريوهات للتعامل مع المقاومة الفلسطينية، والأهداف العامة لكلّ سيناريو، فيما خُصّص اليوم الثاني لمناقشة استعدادات المخابرات الفلسطينية لتنفيذ تلك السيناريوهات، وفي اليوم الثالث فُتح نقاش فلسطيني أمريكي عام حول ما وصفت بـ"أفكار خلّاقة" للخروج من الأزمات.

في النهاية خلصت اللقاءات إلى نقاط أهمّها، ضرورة الانتقال من مربّع احتواء حركة حماس إلى الانقضاض عليها، باستغلال الخلافات بين قيادات الداخل والخارج فيها، والتحريض على زيارة زعيمها إسماعيل هنية لطهران، ومشاركته بتشييع قاسم سليماني، التي شكلت دليلاً واضحاً على فشل سياسة احتواء الحركة، سواء عبر إسرائيل أو مصر، كما أن محاولة حماس تعزيز العلاقة مع حزب الله، وعدم انصياعها للاشتراطات المصرية بعدم زيارة إيران، يصبّان في مصلحة الاقتناع نفسه.

توصل الجانبان الأمنيان، الفلسطيني والأمريكي، في ختام اجتماعاتهما برام الله، لعدم توفر إمكانية استئصال حماس، لأنها تتمتع بامتدادات شعبية واسعة، ولذلك لابدّ من العمل على استراتيجية لإضعافها، وهنا، جرى تقديم مقترح من المخابرات الفلسطينية العامة يدعو لاحتوائها، ودفعها لتكون جزءاً من النظام السياسي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، مع تجفيف مصادر تمويلها، بالاتفاق مع وزارة الخزانة الأميركية.

هذه الخلاصة التي توصل إليها رجال فرج في المخابرات الفلسطينية مع نظرائهم الأمريكان، أو بالأحرى مشغليهم، ترتبط بما كشفته حماس في أبريل 2019 عن تفاصيل خطة طويلة الأمد أعدها جهاز المخابرات التابع للسلطة الفلسطينية لإشعال صراع داخلي في قطاع غزة؛ تمهيداً لتغيير الواقع السياسي في القطاع، وهي خطة يُشرف عليها بشكل مباشر ماجد فرج، ترمي لإثارة الفوضى وتأجيج الشارع في قطاع غزة، وضرب حالة التوافق والتنسيق بين حماس التي تدير شؤون القطاع، وبين باقي الفصائل الفلسطينية.

تشير الزيارة الأمريكية المهمة إلى رام الله، ولقاء رئيسة السي آي إيه بماجد فرج، إلى فرضيات عديدة من بينها معرفتها بالتأثير الكبير الذي يحوزه الأخير على عباس، والطلب منه إقناعه بصفقة القرن، وعدم الرفض الفوري والكامل لها، بل إخضاعها لمزيد من النقاش والمشاورات مع الإدارة الأمريكية.

كما قد تتعلق الزيارة الأمريكية بالطلب من فرج وجهازه الأمني الذي يحكم السيطرة على الضفة الغربية، الإبقاء على حالة الهدوء الأمني فيها، وعدم السماح بإخراج مظاهرات شعبية وفعاليات جماهيرية، قد تخرج عن السيطرة باتجاه اندلاع مواجهات مع الجيش الإسرائيلي.

يقف فرج ابن الـ58 عاماً، على رأس جهاز المخابرات الفلسطينية العامة منذ عام 2009، ويحمل رتبة لواء، وهو من مواليد مخيم الدهيشة بمدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، ويعتبر الشخصية الأرفع من بين رؤساء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والوحيد منهم الذي يمارس نشاطاً سياسياً، والأكثر قرباً لعباس، والمسؤول المباشر عن الاتصالات مع الإسرائيليين، وشارك بشكل فعال في المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين عام 2014، ومعروف لكل اللاعبين الدوليين، وهو الشريك الأساسي في مباحثات المصالحة مع حماس.

بالتزامن مع زيارة هاسبل إلى رام الله، كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن إحباط محاولة لاغتيال ماجد فرج، وسط صمت رسمي فلسطيني، مما قد يرجح صحة الرواية الإسرائيلية، لأنها تكشف الصراع المكتوم حول خلافة عباس، الذي يدخل عامه الخامس والثمانين.

يدفع الكشف الإسرائيلي عن محاولة اغتيال فرج، والصمت الفلسطيني الرسمي، نحو اعتراف السلطات الفلسطينية بصحتها، مما يعتبر انعكاسًا للاستقطابات الداخلية الحاضرة في الشأن الفلسطيني، خصوصًا المرتبطة بالأنباء المتداولة عن خلفاء عباس.

مع أن جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني اعتقل خلية من عناصر فتح اعتزموا استهداف فرج وعائلته، وبعض أفرادها أسرى فلسطينيون سابقون في السجون الإسرائيلية، وعلى علاقة باللواء توفيق الطيراوي، عضو اللجنة المركزية لفتح، والرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الفلسطينية، وعلاقاته متوترة مع عدد غير قليل من قادة فتح، ويقال إن علاقته جيدة مع محمد دحلان، القيادي المفصول من فتح، والعدو اللدود لعباس وفرج شخصياً.

مع العلم أن الطيراوي على علاقة واسعة مع كتائب شهداء الأقصى، وسبق أن تحصن مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال حصاره بالمقاطعة.

الأمن الوقائي حدد موقع الأسلحة والمتفجرات بحوزة أعضاء الخلية، التي خططت لتفجير مركبات فرج الخاصة، بعد أن تتبعوا خط سير أفراد عائلته، وكان لافتاً ألا يصدر عن السلطة الفلسطينية أو فرج ذاته نفي لهذه الأخبار، باستثناء تصريح مقتضب للطيراوي اعتبرها مجرد أكاذيب، وهو نفي تحيط به كثير من الشكوك في ضوء أن المصادر الرسمية الفلسطينية التزمت الصمت إزاء محاولة الاغتيال هذه، لا نفياً ولا تأكيداً.

لكن بعض الأوساط الفتحاوية في الضفة الغربية اعتبرت هذه الأنباء مفتعلة من فرج ذاته، لمحاولة تسويق نفسه، وتلميع صورته، بدليل أن عباس قام، وعلى غير العادة، بزيارة لمقر المخابرات العامة برام الله، وأثنى على عمل الجهاز ورئيسه.

يعتبر فرج من الأسماء المتقدمة ذات الحظوظ المرتفعة للغاية في احتمالية خلافته لعباس في منصب الرئيس؛ فرجل المخابرات الأول بلا نقاش لديه قبول أمريكي إسرائيلي، ومن دول مؤثرة في الداخل الفلسطيني، وتحديدًا مصر، وقطر، وتركيا، والسعودية، لأن الجميع في فلسطين مُدركون أن أي رئيس قادم لابد أن يكون حصيلة تفاهمات إقليمية ودولية.

قبل كُل شيء فرج رجل أمن، وهذه ميزة استثنائية ستمنحه أولوية لوجيستية ومادية وأمنية عن بقية المرشحين الذين تتشابه مواقفهم معه في كثير من القضايا، ولديه شبكة علاقات قوية مع ضبّاط كبار في السي آي إيه، ووفق المعطيات المتوفرة لدى الأمن الإسرائيلي، فإن فرج أحد القادة الفلسطينيين المرشحين لرئاسة السلطة خلفا لعباس، حيث لا تبدي المنظومة الأمنية الإسرائيلية مفاجأتها من سيناريو يتمثل بحصول استبدال في مواقع قيادية داخل السلطة الفلسطينية بصورة هادئة، كما حصل في سنوات سابقة، بحيث يصعد فرج بصورة مباشرة إلى أعلت الهرم القيادي الفلسطيني.

تبقى نقطة تفوق فرج الرئيسة والمرجحة لدى إسرائيل والولايات المتحدة في نجاحه بتوفير الأمن الكافي بالضفة الغربية، بعد قدرته على استئصال حماس، ومصادرة أسلحتها، والحد من نفوذها العسكري، وبات تنظيمها مضروبا في الضفة الغربية بسبب جهود فرج ورجاله، حيث يتبع سياسة الباب الدوار مع إسرائيل وواشنطن في التنسيق المعلوماتي.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200224-us-palestinian-intelligence-talks-focus-on-abbas-successor/?fbclid=IwAR2G-ePxFXE9Dma8Ph_DRWXHDiiLWpgnoeqMm01XlRYk016fF-cFjQxblMQ