إسرائيل تستعد لانفجار الأوضاع في الضفة الغربية

  • الخميس 20 فبراير 2020 08:47 ص

إسرائيل تستعد لانفجار الأوضاع في الضفة الغربية

في ذروة المتابعة لردود الفعل الفلسطينية على صفقة القرن، حذرت إسرائيل من إمكانية اندلاع جولات تصعيد ميدانية في الضفة الغربية، ذات بعد شعبي جماهيري ضد الجيش الإسرائيلي، مع بقاء خشية من انضمام أفراد الأجهزة الامنية الفلسطينية وعناصر تنظيم فتح، كما كان عليه الحال في الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

ورغم الاستبعاد الإسرائيلي بأن يلجأ محمود عباس لتكرار نموذج ياسر عرفات، لكن التخوف الإسرائيلي ان تخرج الامور عن سيطرة السلطة الفلسطينية، وينخرط عناصر فتح في المواجهات الشعبية، ويستخدم أفراد الاجهزة الامنية الفلسطينية السلاح بحوزتهم لتوجيهه ضد الجنود الإسرائيليين..

مع العلم أن الحديث المتزايد في تل أبيب عن ضم محتمل لمناطق الفلسطينيين بالضفة الغربية، تطبيقا لصفقة القرن، قد يؤدي لتصعيد ميداني معهم، ورغم أن التنسيق الأمني يمر بمرحلة حساسة جدا، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت الاستماع للتحذيرات الصادرة عن أجهزة الأمن وقيادة الجيش، بعد مرور عدة أسابيع على حالة الحذر التي تحيط بالجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بسبب توجهات الضم لبعض مناطق الضفة الغربية.

ربما تكون تل أبيب فهمت متأخرة أن الكلام فقط عن الضم، وليس الأفعال، قد يشعل الأوضاع الميدانية مع الفلسطينيين، ويصب مزيدا من الزيت على نار التوتر القائم أصلا في المناطق الفلسطينية، لأن ضبط النفس في الميدان منذ أيام، وصل إلى نهايته منذ سقوط القتيل الفلسطيني الأول، خلال الاحتجاجات الفلسطينية ضد إعلان صفقة القرن.

ورغم أن الوضع الحالي في الأراضي الفلسطينية يشبه ما كان عليه الوضع في عامي 2015 و2016، فإنه يبدو صعبا إعادة الهدوء الأمني في المناطق الفلسطينية لما كان عليه قبل إعلان صفقة القرن، مما دفع بالأوساط الأمنية الإسرائيلية لطلب من السياسيين الإسرائيليين التوقف عن إطلاق شعاراتهم الثرثارة حول ضم محتمل في الضفة الغربية، لأن من شأن ذلك المس أيضا بالتعاون الأمني القائم مع السلطة الفلسطينية.

وفي الوقت الذي قد تؤدي فيه القرارات الإسرائيلية المتوقعة إلى مزيد من التوتر في الضفة الغربية، فإن الواقع الميداني في الضفة الغربية، يتطلب، وفق الرؤية الإسرائيلية، تكثيف التنسيق والتعاون والشراكة مع السلطة الفلسطينية، التي تجتهد في منع وقوع المزيد من الهجمات المسلحة.

مع أن جنرالات إسرائيليين حذروا أن التصعيد الميداني مع الفلسطينيين قد يبقى في محدودا ردا على صفقة القرن، طالما لم يتم الشروع العملي في ضم مناطق الضفة الغربية، رغم أن الأيام السابقة شهدت تنفيذ عدة هجمات فدائية ضد أهداف إسرائيلية في القدس، واندلاع مواجهات شعبية في جنين، وإطلاق صواريخ وبالونات حارقة من غزة، لكن التقدير الإسرائيلي يرى أننا لسنا في بداية انتفاضة فلسطينية جديدة، وإنما موجة عمليات، القتل فيها يأتي بقتل جديد.

يعول الإسرائيليون على أن التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية لم يتوقف، والسلطة تفكر طويلا، صحيح أنها تواصل إطلاق تهديداتها، لكنها تدرك فداحة الثمن، والخسارة التي قد تمنى بها ردا على اندلاع أي انتفاضة جديدة، ولذلك فهي تعتقد أنه طالما لم تقدم إسرائيل على خطوات أحادية قبل الانتخابات، فإن نتائج أي سلوك منها، مثل وقف التنسيق الأمني، سيترك تبعاته على الأرض، وتحديدا حول مستقبل بقائها برمته.

لكن ذلك لا يمنع من القول أننا نرى تصعيدا تدريجيا بأوضاع الضفة الغربية، لكنه ناجم عن قرارات ميدانية موضعية، وليس توجهات عامة، ليس هناك كسر للقواعد العامة المتعارف عليها بين الجانبين، فنحن لا نرى، حتى الآن، اندلاع مواجهات عارمة بالضفة، لكننا موجودون في النقطة التي طالما حذرنا منها في أوقات سابقة، فالضفة الغربية منطقة خطيرة، وغزة تدفع باتجاه إشعالها، والقدس بقعة حساسة، القدس هي المنطقة الأكثر قابلية للاشتعال.

حتى اللحظة لا نرى مقدمات واضحة على اندلاع انتفاضة جديدة، لكننا في مواجهة سلسلة عمليات وهجمات، هذه موجة عمليات معادية يمكن للجيش التصدي لها من خلال نشر المزيد من القوات في الميدان والعمل الاستخباري.

يرى الإسرائيليون أن الفلسطينيين اعتادوا على السلوك السياسي لأبو مازن وسلطته، التي تدرك نتائج أي تصعيد من قبلها، وإمكانية التسبب بانهيار اقتصادي لها، صحيح أن الفلسطينيين لا يحبون فعلا صفقة القرن، لكن طالما لم يصدر عنها تطبيق عملي على الأرض، لا سيما في مسائل الضم، فإن الرد الفلسطيني سيبقى في الإطار السياسي، ولكن في حال انطلقت مشاريع الضم، فإن ذلك سيعني اندلاع أوضاع التدهور الميداني.

صحيح أننا نرى شواهد جديدة في الضفة الغربية، لكن حادثا واحدا ليس كفيلا بإعطاء انطباع جديد، والضفة قد تشهد انقلابا في الصورة إن قدر للأحداث أن تسفر عن سقوط قتلى فلسطينيين، لأن القتلى دائما يستدرجون مزيدا من الدم.

ورغم إعلان أبو مازن بأنه لن يكون هناك المزيد من التنسيق الأمني، لكن لا أظن ذلك دقيقا، فهناك تنسيق أمني قائم، لكن في بعض الأماكن قد تبدو السلطة أقل ضبطا للأوضاع، وأقل ضغطا على الجمهور الفلسطيني، مع أن هذا الجمهور في الضفة الغربية لم يخرج بعد إلى الشوارع، لكن أي عملية ضم أحادية الجانب كفيلة بإخراجهم إلى الشوارع، بل وإشعال الضفة الغربية كلها.

كما أن التوتر المتصاعد في الاراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، يعود بالأساس لما تتسبب به التصريحات الصادرة عن الساسة الإسرائيليين بقرب ضم المناطق الفلسطينية مما قد يشعل الوضع الميداني، وهو ما يستوجب الحديث عن  الجهود التي تبذلها أجهزة الأمن الإسرائيلية لمنع اندلاع سلسلة عمليات مسلحة، قد تبدو في الظاهر فردية، لكنها قد تخرج عن السيطرة.

وقد سبق لجهاز الأمن الإسرائيلي العام -الشاباك وجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية- أمان، أن حذرا من إمكانية محتملة لانفجار الأوضاع مع الفلسطينيين، لكن المستوى الحالي من التدهور بالإمكان وقفه، وكبح جماحه، من خلال استعراض الوسائل التي يمكن استخدامها لمنع تدهور الوضع الميداني الكلي في الضفة الغربية.

الوسيلة الإسرائيلية الأولى تتعلق بجمع مكثف للمعلومات الأمنية والاستخبارية في الميدان، لا سيما عبر شبكات التواصل، لتحديد المجموعات الناشطة التي تحرض على الهجمات، ويمكن لها ان تكون مصدرا لتنفيذ العمليات، من خلال الشروع بسلسلة اعتقالات، ومحادثات تحذيرية مع عائلاتهم، والتنسيق مع أجهزة الأمن الفلسطينية لإقناعهم بأن التصعيد لن يخدم الوضع الفلسطيني، بالعكس فقد يؤدي لمزيد من سفك الدماء.

الوسيلة الإسرائيلية الثانية هي تعزيز قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، ونشرها على نقاط التماس والاحتكاك التي يستخدمها المستوطنون، وهي مرشحة لتنفيذ عمليات، مثل مفترقي غوش عتصيون وبنيامين، والأخذ بعين الاعتبار ان نشر المزيد من قوات الأمن تعني زيادة فرص استهداف الجنود الإسرائيليين، مما يتطلب وضع مزيد من الاحتياطات الأمنية للجنود وحمايتهم عبر المكعبات الاسمنتية.

الوسيلة الإسرائيلية الثالثة هي عدم التسبب بالتشويش على حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية، من أجل عدم زيادة رقعة المرشحين لتنفيذ العمليات، من أولئك غير المنخرطين أساسا بها، ويمكن النظر إلى المساجد ودور العبادة كأماكن مرشحة لتحولها مناطق مشتعلة وخطيرة.

ورغم كل الدوافع المحتملة لإشعال الأوضاع الفلسطينية الجديدة رداً على صفقة القرن، فإن الإسرائيليين يرون أن هناك أسبابا عديدة تقف خلف عدم اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، لأن الفلسطينيين لم يخرجوا بعد إلى الشوارع بأعداد غفيرة، ولم ينقضوا على الحواجز العسكرية الإسرائيلية المنتشرة في جميع أنحاء الضفة الغربية.

أول هذه الأسباب هو التواجد المكثف للجيش الإسرائيلي بالضفة الغربية الذي يمنع اندلاع الانتفاضة، رغم توفر جميع العوامل لانطلاقها، فهذا التواجد مرتبط بتوفير المعلومات الأمنية والاستخبارية، التي تسفر عن إحباط هجمات فلسطينية يتم التحضير لها، ما يساهم في تحقيق الاستقرار الأمني، وكل ذلك يثبت جدواه في استمرار الهدوء الميداني.

العامل الثاني يتعلق بالتنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ما يوفر بنية تحتية من المعلومات الأمنية التي تحبط الجهود الساعية لإطلاق الانتفاضة، فلديهما مصلحة مشتركة لمنع حماس من تحقيق تطلعاتها العسكرية ورفع رأسها بالضفة، وإحباط تنفيذ هجمات مسلحة، لأن الأمن الفلسطيني اعتقل العشرات والمئات من مسلحي حماس، وكل معلومة أمنية توفرها لإسرائيل تحبط العمليات والقنابل الموقوتة.

العامل الثالث يتعلق باستمرار الانقسام بين فتح وحماس، بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما يعيق إطلاق كل تحرك جماهيري في الضفة الغربية، وتنظيم مواجهات ميدانية، وهذا الانقسام يخدم الحكومة الإسرائيلية على الصعيدين السياسي والأمني.

العامل الرابع يعود إلى فقدان ثقة الفلسطينيين بالقيادة الفلسطينية، ويجعلهم يتساءلون: من أجل من نقاتل إسرائيل؟ هل من أجل زيادة أرصدة المسؤولين الفلسطينيين وأولادهم ليحيوا حياة مرفهة خارج الأراضي الفلسطينية؟ مع أن حدثا ميدانيا ما قد يقلب الأمور ظهرا على عقب.

صحيح أن هذا التوتر الأمني الذي تشهده الضفة الغربية ليس وليد اللحظة، بل يعود لجملة أسباب اقتصادية واجتماعية، وكانت المسألة مسألة وقت ليس أكثر عن موعد الانفجار القادم، مع ان ما يطلقه الساسة الإسرائيليون حول قرب اتخاذ قرارات الضم صبت مزيدا من الزيت على نار التوتر القائم أصلا.

لكن هذا التوتر الذي تشهده الأراضي الفلسطينية كفيل بالذهاب إلى موجة عنف قاسية، صحيح أنه ليس تصعيدا كاملا وشاملا، وبالتأكيد ليس انتفاضة جديدة، لأن ما تم حتى الآن هي سلسلة هجمات فردية تحاكي عمليات سابقة حتى اللحظة لم تخرج عن السيطرة.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200219-israel-is-preparing-for-the-situation-in-the-west-bank-to-explode/?fbclid=IwAR0fd8M1PI-oi0NiCx8mBoW9q5HwVD3MDhPvAGtGizmGrP3jG_85wRF8B18