صفقة القرن تثير استقطابا في العلاقات الفلسطينية الأردنية السعودية

  • الخميس 13 فبراير 2020 10:05 ص

صفقة القرن تثير استقطابا في العلاقات الفلسطينية الأردنية السعودية

مع إعلان صفقة القرن، تحدثت أوساط أردنية عن توجه لإلغاء قرار فك الارتباط بالضفة الغربية، لإبقاء النفوذ الأردني فيها، مما أثار قلق السلطة خشية إلحاق الضفة بالأردن، وسمحت إسرائيل للفلسطينيين فيها بزيارة السعودية بجوازها دون جواز أردني مؤقت، مما يمهد لتقويض وصاية الأردن على مقدسات القدس.. السطور التالية تناقش التوجهات الأردنية تجاه الفلسطينيين ضمن صفقة القرن، ومدى تنسيقهما نحوها، ومصير الضفة إن أعاد الأردن الارتباط بها، وماذا عن القرار الإسرائيلي الجديد بشأن زيارة السعودية، وأثره على وصاية الأردن على مقدسات القدس، ومنافسة السعودية للأردن والفلسطينيين.

كشفت صحيفة "إندبندنت عربية" السعودية يوم 24 يناير، عن توجه الأردن لإلغاء قرار فك الارتباط عن الضفة الغربية، الذي اتخذه الملك الأردني الراحل حسين في 1988، ويقضي بإنهاء ارتباط الضفة إدارياً وقانونياً مع الأردن.

يعني التوجه الأردني الجديد إعادة المواطنة الأردنية لفلسطينيي الضفة والقدس، للإبقاء على النفوذ الأردني فيهما، ويمنع إسرائيل من ضم بعض أراضيهما وفق صفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 28 يناير.

وقد تحدثت أوساط صحفية وسياسية أردنية قريبة من دوائر القرار بالمملكة، أن صفقة القرن تحمل خطورة توريط الأردن بدور وظيفي بين فلسطينيي الضفة لعدم وجود دولة فلسطينية مكتملة، وتحويل المشروع الفلسطيني من مشروع دولة لمجرد تكتلات بشرية، بحاجة لدولة حاضنة.

ولعل ما يمنح هذه الأخبار مصداقية أن قرار فك الارتباط الأردني عن الضفة لم يصادق عليه حتى اليوم مجلسي النواب والأعيان الأردنيين، رغم مرور أكثر من 30 عاما عليه، وهناك العديد من فلسطينيي الضفة حاصلين على جنسية الأردن، ولهم استثمارات وأملاك فيه.

يتوافق الأردنيون أن بلادهم لا تستطيع بمفردها مواجهة صفقة القرن، لكن موقفها المتشدد يسعى لتكريس وصايتها على المقدسات الدينية بالقدس، صحيح أنه يوجد تنسيق فلسطيني أردني لمواجهة الصفقة، دون أن تكون مواقفهما متطابقة.

حتى اللحظة، يرفض الأردن أي دور مستقبلي له بالساحة الفلسطينية، لكن إن طلب الفلسطينيون دوره فقد يجد آذانا صاغية في عمان، خاصة إن لم تسفر الصفقة عن دولة فلسطينية، مع أن الأردنيين ضد أي لجوء فلسطيني جديد للمملكة.

أكثر من ذلك، فإن الأردن يعلم بمساعي السعودية لتحصيل دور ديني بالقدس، لكنه مصر على دوره فيها، ولن يقبل الأردن بالصفقة دون ترسيخ حقه بالقدس.

بالتزامن مع إعلان صفقة القرن، سمح وزير الداخلية الإسرائيلي أرييه درعي، لحملة جواز السفر الإسرائيلي بزيارة السعودية مباشرة دون الحاجة لجواز أردني مؤقت، كما يقوم بذلك فلسطينيو 48 لأداء الحج والعمرة، بموجب الوصاية الدينية الأردنية عليهم، وعلى مقدسات القدس.

يحمل القرار الإسرائيلي أخبارا سيئة للأردن، أولها إنهاء وصايته الدينية على فلسطينيي إسرائيل، وثانيها تقويض إشرافه على مقدسات القدس، وثالثها منافسة السعودية للفلسطينيين والأردنيين للإشراف عليها، ورابعها تحويل سفر فلسطينيي إسرائيل من مطار بن غوريون للرياض مباشرة دون المرور بعمان، مما يعني خسائر اقتصادية مصدرها رسوم وجمارك يدفعها هؤلاء سنويا بمواسم الحج والعمرة.

في الوقت ذاته، هناك من يرى من الفلسطينيين أن الأردن والسلطة الفلسطينية في النهاية سيقبلان الصفقة، فكلاهما لا يستطيع القول لا لأمريكا، وهما يساومانها حاليا لتحسين مكتسباتهما، صحيح أن الأردن ليس متحمسا لدوره بالساحة الفلسطينية، لكنه يحتاج طلبا فلسطينيا لإعادة دوره بينهم، مع أن فلسطينيي الضفة متحمسون لذلك، أما التنسيق الأردني الفلسطيني فهو هش، لأن هناك أزمة ثقة بين رام الله وعمان، رغم مجاملاتهما الإعلامية، وهما تعلمان أن الرياض تزاحمهما لأخذ دور إشرافي بالقدس على حسابهما، لأنها ترى نفسها زعيمة المسلمين السنة.

بدا لافتا في ذروة الرفض الأردني لصفقة القرن، حديث الملك الأردني عبد الله الثاني لقناة "فرانس 24" يوم 13 يناير، حين قال إن الأردن سينظر للصفقة كمحاولة لجمع الفلسطينيين والإسرائيليين، مما يثير مخاوف وقلق السلطة من خضوع الأردن للضغوط الأمريكية، ويمهد لإلحاق الضفة به، مما يصعب إقامة الدولة الفلسطينية.

يدرك الأردن أن أي مخاطر تحيط بالفلسطينيين سترتد سلبا على وضعه، لذلك فإن الأردن يدعم مطالب إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وفي الوقت ذاته يؤكد الفلسطينيون على الوصاية الهاشمية على مقدسات القدس، وتحرص السلطة الفلسطينية على وصف كل ما يقال عن دور أردني بالضفة بأنها تكهنات إسرائيلية للإيقاع بين الفلسطينيين والأردنيين.

يتركز النقاش الفلسطيني في مرحلة ما بعد إعلان صفقة القرن، عن توسيع النفوذ الأردني بالضفة من جهة، وخشية الأردن من تراجع إشرافه على مقدسات القدس لصالح السعودية من جهة أخرى، فيما غاب الحديث عن مستقبل غزة، التي تسيطر عليها حماس منذ 2007، رغم تزايد الحديث الإسرائيلي في الشهور الأخيرة عن عودة الإدارة المصرية للقطاع، مما يعني العودة لما كانت عليه الضفة الغربية وقطاع غزة قبل حرب 1967، حين تم احتلالهما من القوات الإسرائيلية.

حماس من جهتها ترى أن الأراضي الفلسطينية وحدة جغرافية واحدة، وانقسام الضفة الغربية عن قطاع غزة أمر طارئ، ولابد أن تعود اللحمة بينهما قريبا، وترى في علاقتها بالأردن ومصر علاقة أشقاء، بعيدا عن وصاية طرف على آخر.

من الواضح أن الأردن، حتى اللحظة، يعلن رفضه لصفقة القرن، لكنه في الوقت ذاته يعاني أزمات اقتصادية، ويحتاج المساعدة الأمريكية، مع أنه قد يواجه واشنطن إذا ساعده موقف شعبي ضاغط، وآخر فلسطيني.

فضلا عن ذلك، فإن الأردن منزعج من السلوك السعودي في 4 مجالات: التطبيع مع إسرائيل، والتنصل من المبادرة العربية للسلام لعام 2002، ودعم صفقة القرن، ومزاحمته بالقدس، في حين أن توسيع الدور الأردني بالضفة الغربية يعتبر بالون اختبار أطلقه مقربون من القصر الملكي الأردني، مع أنه مخطط اسرائيلي أميركي، وتعبير عن الوطن البديل، وشطب الجغرافيا الفلسطينية.

ربما يرى الفلسطينيون في زيادة الدور الأردني بينهم بعد إعلان صفقة القرن بديلا عقب فقدانهم أمل إقامة دولتهم، وتبدد ثقتهم بالسلطة الفلسطينية، عقب إخفاقاتها السياسية، وتطلعهم لأن يكون الأردن بوابتهم الواسعة نحو العالم، لكن هذا الإقبال الفلسطيني قد يواجهه رفض من السلطة الفلسطينية التي لا تريد الذوبان في الأردن من جهة، وعدم تحمس أردني لزيادة الكتلة السكانية الفلسطينية داخل حدوده من جهة أخرى.

لم يعد سراً أن واشنطن تحاول عبر "صفقة القرن" تعزيز نفوذ السعودية في القدس، وهو الأمر الذي يتلقاه الفلسطينيون والأردنيون بكثير من القلق، ففي ظل التقارب بين محمد بن سلمان وبنيامين نتنياهو، لا يبدو أن النفوذ السعودي في القدس يصب في صالحها أو صالح أهلها.

مع العلم أن مدينة القدس تشهد حالة مطّردة من زيادة نفوذ دول المنطقة، على الرغم من الحضورين الكبيرين: الأردني والفلسطيني، لكن هناك دولاً أخرى دخلت على الخط، أهمها السعودية، بالتزامن مع إعلان صفقة القرن التي أبدت دعمها لها، وتحمسها لترويجها.

تعتقد دوائر صنع القرار الإسرائيلي أن قلق الأردن يتزايد من دخول السعودية على خط الوصاية على الأوقاف المقدسية كمنازع له، مما تعتبره عمان خطاً أحمر، لن تسمح به، أما السعودية فتسعى للحصول على نفوذ في الحرم القدسي.

مع العلم أن المخاوف الفلسطينية والأردنية تتنامى من إعلان أمريكي مرتقب لإقامة إدارة إسلامية بإشراف السعودية حول الأماكن المقدسة الإسلامية، وإبعاد الأردن والسلطة الفلسطينية جانباً، بعد إعلانها في القمة العربية لعام 2018، تخصيص 150 مليون دولار لدعم القدس، تمهيدا لتقوية نفوذها فيها.

في الوقت ذاته، يتفق الفلسطينيون والأردنيون على رفض أي نفوذ سعودي في مقدسات القدس، ضمن مخرجات صفقة القرن، لأن الإشراف الحصري على هذه المقدسات تراه العائلة الأردنية المالكة أحد مبررات ومشروعيات حكمها.

وهكذا يأخذ التنافس الإقليمي على زيادة النفوذ في المدينة المقدسة أبعاداً متعددة، منها ما هو ديني وآخر سياسي، ويرتبط بصورة وثيقة بحالة الاستقطاب الإقليمي الحاصلة في المنطقة بين الدول والمحاور المتعارضة، الأمر الذي بلغ ذروته في اتضاح موقع القدس في صفقة القرن الأمريكية التي تم الإعلان عنها.

 

المصدر Middle East Monitor

 

https://www.middleeastmonitor.com
/20200211-the-us-deal-polarises-palestine-jordan-saudi-relations/?fbclid=IwAR02JfGZosKO-iqH6ksxXOspEKrmzngI-DCyezAGGY4to34NbcEJvbWYTMc