فلسطينيو48.. الهدف الإسرائيلي القادم من صفقة القرن

  • الجمعة 07 فبراير 2020 08:09 م

فلسطينيو48.. الهدف الإسرائيلي القادم من صفقة القرن

في الوقت الذي رحب فيه الإسرائيليون على اختلاف مشاربهم السياسية بصفقة القرن، فإن الفلسطينيين العرب في إسرائيل عبروا عن غضبهم منها، لأنها تتحدث عن تبادل الأراضي والسكان بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مما يؤكد أن الصفقة تهدف، تلميحاً أو تصريحا، تنوي تنفيذ مخطط تهجير إسرائيلي بحقهم، تحقيقا لتطلعات اليمين الإسرائيلي المتطرف منذ عشرات السنين.

أعضاء الكنيست العرب أكدوا بصوت واحد أن صفقة القرن التي تتضمن صراحة خطة للضم والترانسفير، لن تمر عليهم، رغم أنها تمنح حكومة اليمين الإسرائيلي الضوء الأخضر لنزع الجنسية الإسرائيلية عن مئات الآلاف من العرب المقيمين في منطقة المثلث شمال إسرائيل.

بدا واضحا بعد مرور أيام على إعلان صفقة القرن أنها لا تقتصر فقط على الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بل ترمي أيضاً للتخلص من جزء من فلسطينيي 48، وتحديداً سكان منطقة المثلث العربي في إسرائيل، الذي تريد تل أبيب إلحاقه بالسلطة الفلسطينية، ولذا لم يكن غريباً أن يتداعون للاحتجاج على الصفقة، ليس فقط تضامناً مع إخوانهم الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة واللاجئين في الشتات، بل لأن الصفقة تبيت لهم هذه المرة مؤامرة كبيرة ضد وجودهم.

توالت مواقف فلسطينيي 48 من صفقة القرن، فقد رفضوها على الفور، ووصفوها بغير الواقعية، ودعت فعاليات وقوى سياسية عربية داخل الخط الأخضر إلى اجتماعات متلاحقة، لبحث تداعيات البند المتعلق بنقل مدن وقرى المثلث شمال فلسطين المحتلة لتكون تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.

من الأهمية إعطاء لمحة سريعة عن منطقة المثلث المستهدفة من صفقة القرن، فهي ذات غالبية عربية في إسرائيل، وتقع قرب الضفة الغربية، وتنقسم إلى المثلث الشمالي، وتضم بلدات: كفر قرع، عرعرة، باقة الغربية، وأم الفحم، والمثلث الجنوبي، ويشمل بلدات: قلنسوة، الطيبة، كفر قاسم، الطيرة، كفر برا، وجلجولية، وتعتبر منطقة المُثلث معقلا للحركة الإسلامية في إسرائيل، بزعامة الشيخ رائد صلاح.

تمتد قرى المثلث الواردة بصفقة القرن على مساحة 350 كلم2، والمساحات المهددة بالضم 170 ألف دونم، ويقطنها 300 ألف فلسطيني، يشكلون 20% من إجمالي فلسطيني الداخل، ويحملون الهوية الإسرائيلية، وتعد هذه القرى مصدر قلق ديموغرافي للمؤسسة الإسرائيلية، لزيادة عدد سكانها بشكل مضطرد في السنوات الأخيرة، وتوقع إسرائيل أن يصلوا خلال السنوات الخمس القادمة لنصف مليونا، مما قد يتسبب بإحداث خلل ديموغرافي لصالح العرب على حساب اليهود.

تتسم منطقة المثلث بطابع محافظ مقارنة بباقي المناطق العربية الأكثر اندماجاً في إسرائيل، صحيح أن التخلص منها لا يقلل الوزن النسبي لفلسطينيي 48، لكنه يعني التخلص من المجموعة الفلسطينية الأكثر زيادة في السكان، ومحافظة على الهوية الفلسطينية التقليدية والمرتبطة بفلسطيني الضفة الغربية.

تعتقد القوى السياسية داخل الخط الأخضر بكافة توجهاتها أن بند ضم الأراضي الوارد في صفقة القرن امتداد لمشاريع تصفوية سابقة لإنهاء القضية الفلسطينية، حيث تريد إسرائيل من الصفقة السيطرة على الأرض دون السكان، من خلال إزاحة أكبر ثقل سكاني عربي فيها، وضمه إلى السلطة الفلسطينية.

ليست المرة الأولى التي تطرح فيها مثل هذه الخطط، فقد دأبت إسرائيل على محاولة نقل وإلحاق أكبر عدد من سكان منطقة المثلث بالضفة الغربية مع أقل قدر من الأراضي، وتضم هي ما تيسر لها من أراضي سكان هذه المنطقة.

مع أن صفقة القرن في هذا البند بالذات ستقطع أوصال الكثير من العلاقات الاجتماعية والعائلية بين فلسطينيي المثلث والمناطق العربية الأخرى، لذلك من الواضح أن إسرائيل تسعى لشراء الوقت، وفرض سياسة الأمر الواقع لتطبيق الصفقة على الأرض من خلال الحصول على موافقة الكنيست، ورغم أن النواب العرب فيه يمثلون ثالث أكبر ائتلاف بـ12 مقعداً، لكن حظوظهم في إفشال التصويت على الخطة شبه معدومة في ظل إجماع الأوساط الإسرائيلية على تطبيق ما جاء في صفقة القرن.

تمثل مناطق المثلث عمقاً استراتيجياً لإسرائيل، ولم تتوقف الجهود الرامية لتهويدها من خلال إقامة حزام من المستوطنات على تخوم البلدات العربية، مما تسبب في حالة ذعر وقلق لدى الفلسطينيين، بسبب الهجمات شبه اليومية التي ينفذها المستوطنون ضد قراهم.

ويخشى سكان المثلث أن تشمل صفقة القرن مشروعاً لضم مناطقهم وأراضيهم، وعملية تهجير قسري للسكان، شبيهة بمجزرة كفر قاسم عام 1956، حينما عزلت العصابات الصهيونية القرية تمهيداً للسيطرة على الأرض، وترحيل سكانها.

وسبق أن حاولت إسرائيل تغيير هوية المنطقة بما عرف باسم "مشروع النجوم السبع"، الذي ابتدعه أريئيل شارون رئيس الحكومة الراحل، ويقضي المشروع بإيجاد أكثرية يهودية في المثلث من خلال إقامة مراكز دينية، واحتواء أم الفحم، وقطع سبل تطويرها، وربط المنطقة بالمستوطنات في الضفة الغربية لإزالة الخط الأخضر الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967، وهي الأراضي التي يفترض أنها ستقوم عليها الدولة الفلسطينية، لكن هذا المشروع انطفأ، ولم يرَ النور.

حيرة الإسرائيليين في التعامل مع التنامي الديموغرافي المطّرد لفلسطيني 48، برزت من خلال الاتجاهات المتعددة التي حاولت اتباعها، سواء بالاتجاه التصالحي أو الاتجاه الواقعي، من خلال تطبيق نظرية السيطرة، أو التوجه الحازم، أو اتجاه الترانسفير، أو السيطرة بدون حقوق متساوية.

ولذلك طفت على سطح النقاش السياسي الإسرائيلي قبل سنوات قضية ضم المناطق العربية المتاخمة للخط الأخضر إلى مناطق الدولة الفلسطينية المحتملة، وساهمت الدراسات الديموغرافية في تعزيز هذا الحل، خاصة أن الخبراء الديموغرافيين الإسرائيليين يرون أن التطور السكاني الفلسطيني في إسرائيل في ازدياد مستمر.

تعيد صفقة القرن، وما سبقها من أطروحات إسرائيلية خاصة بتهجير فلسطينيي الداخل، ما حصل بعد حرب 1967، حين اتبعت إسرائيل سياسات تحكم وقمع ومصادرة أراضي الداخل، وفي 1982 طالبت وثيقة سرية لوزارة الداخلية الإسرائيلية بتضييق الخناق على فلسطينيي الداخل لدفعهم نحو الهجرة، وسرعان ما تحولت الفكرة إلى مشروع سياسي شامل طرحه الجنرال العنصري الراحل رحبعام زئيفي في 1988، كما دعا الحاخام مائير كهاناً لاقتحام مدينة أم الفحم لاستفزاز سكانها.

ومع حلول العام 2004، اقترح وزير الحرب السابق أفيغدور ليبرمان، مبادلة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بقرى وبلدات المثلث العربية، اعتماداً على تسويات مشابهة في التاريخ، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية في مناطق مختلفة في العالم.

لم يعد سرا أن صفقة القرن تحاول محاكاة مشاريع التهويد الإسرائيلية ضد سكان الخط الأخضر، وتأتي بسبب مخاوف إسرائيل من التفوق الديموغرافي للسكان العرب على حساب اليهود، وفي ظل المؤشرات الحالية، فإنه في السنوات العشر القادمة سيتفوق الفلسطينيون على اليهود داخل حدود فلسطين التاريخية.

هناك بُعدا آخر لتكرار هذه المشاريع التصفوية في السنوات الأخيرة، وآخرها صفقة القرن، ويتمثل في قلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من تنامي دور ونشاطات الحركة الإسلامية، تحديداً في مناطق المثلث، حيث تتبنى أفكاراً قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، كما تقوم بتنظيم حملات تطوعية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى، وتخشى إسرائيل من أن يمتد الصراع ليصل إلى نزاع بين هذه الحركة والمتدينين اليهود.

أوساط واسعة في إسرائيل تدعم سياسات تهجير فلسطينيي الداخل، تمهيداً لترحيلهم إلى مناطق السلطة الفلسطينية، لكن هذه الأحزاب ترى أن الموافقة على صفقة القرن ستكون طوق النجاة لبنيامين نتنياهو الذي يعاني من مأزق الخروج من الحياة السياسية في حال ثبت تورطه في قضايا فساد، وهذا يضع احتمالية تأجيل المصادقة على صفقة القرن لما بعد انتخابات الكنيست القادمة في مارس، مما يفسح المجال أمام الأحزاب العربية في الكنيست لتخفيف نتائج خطة تهجير قرى المثلث.

يؤكد فلسطينيو48 أن صفقة القرن وفق البنود التي تتعلق بهم ستؤدي إلى زيادة مستوى العنف، لأننا أمام خطة أحادية الجانب، خطيرة وغير شرعية، وتداعب أحلام اليمين الإسرائيلي المتطرف الساعي للضم، وإقامة نظام الفصل العنصري-الأبارتهايد، لأن تجاهل الفلسطينيين سكان الأرض الأصليين، واعتبارهم غير موجودين، تعني أنها فاشلة أساسا.

هذه الصفقة كما يؤكد الفلسطينيون العرب داخل إسرائيل ستزيد فقط من معدلات الغضب في الشارع الفلسطيني، وقد تجدد دورة العنف من جديد، لأنهم باتوا يشعرون بأنهم في خطر حقيقي بموطنهم الأصلي في مواجهة هذه الصفقة الخطيرة.

حتى اللحظة، ليس واضحاً ما إذا كانت معارضة الأوساط العربية داخل الخط الأخضر لخطة الضم وتبادل الأراضي، قد يكتب لها النجاح في حال صادقت الأحزاب الإسرائيلية على الصفقة، التي تتطلع لتطبيقها على الأرض، نظراً للمكاسب التي ستجنيها من تحقيق الانتصار في المعركة الديموغرافية ضد المواطنين العرب.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200206-palestinians-in-israel-are-the-next-target-for-the-deal-of-the-century/?fbclid=IwAR1n2EhEhp4krxxfT4dmRc3hkI7svkUfOSy9bPCHp31QMXidWcbt8AhQCWU