روسيا تزيد نفوذها بين الفلسطينيّين عبر البوّابة الدينيّة

  • الإثنين 03 فبراير 2020 10:13 ص

روسيا تزيد نفوذها بين الفلسطينيّين عبر البوّابة الدينيّة

استقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مدينة بيت لحم، مع أن مقر الرئاسة هو مدينة رام الله، وليس بيت لحم، لكن اللقاء في هذه المدينة بالذات يكتسب بعدا دينيا مسيحيا لا تخطئه العين، باتت تستخدمه السياسة الروسية مؤخرا بشكل واضح في علاقاتها الخارجية.

إضافة لذلك، التقى بوتين في ديسمبر مع بطريرك كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس ثيوفيلوس الثالث، لبحث ما اعتبرها مصاعب المسيحيّين في الشرق الأوسط، مبدياً دعمه للحفاظ على العقارات الأرثوذكسيّة في القدس، ومواصلة حماية مسيحيّي الشرق الأوسط.

مؤشر ثالث على تديين السياسة الخارجية الروسية، فقد تبين أن إسرائيل بصدد منح روسيا ملكية كنيسة بالقدس، ضمن صفقة لإطلاق سراح إسرائيلية مسجونة في موسكو، والمقصود بها ساحة ألكسندر بالبلدة القديمة في القدس، وتضم كنيسة ألكسندر نيفسكي ومباني أخرى، تم بيعها عام 1859 لحكومة القيصر الروسي ألكسندر الثالث.

تشهد العلاقات الفلسطينيّة الروسيّة تنامياً في الآونة الأخيرة، على مختلف الصعد السياسيّة والاقتصاديّة، لكنّها بدأت تأخذ منحى جديداً لم يكن ذا حيّز كبير في السابق، وهو البعد الدينيّ الكنسيّ، ممّا يمنح الروس دوراً إضافيّاً في الساحة الفلسطينيّة.

وأعلن المتحدّث الرسميّ باسم الرئاسة الروسيّة دميتري بيسكوف في نوفمبر عزم روسيا مواصلة حماية المسيحيّين في الشرق الأوسط، بالتعاون مع الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة والكنائس المحلّيّة، بعد أن استقبل بوتين في موسكو في الشهر ذاته بطريرك القدس وسائر أعمال فلسطين والأردن ثيوفيلوس الثالث، وبحثا أوضاع المسيحيّين في الأراضي المقدّسة، والمصاعب التي تواجههم.

وأبدى بوتين اهتماماً بالغاً بجهود الحفاظ على العقارات الأرثوذكسيّة في القدس ودعماً لها، لمنع استحواذ المستوطنين اليهود عليها، فيما شكر البطريرك الرئيس الروسيّ على دعمه مسيحيّي الشرق، ومساهمته المالية في ترميم كنيسة المهد في بيت لحم في عام 2016.

بالتزامن مع لقاء بوتين-ثيوفيلوس الثالث، ألغت المحكمة المركزيّة الإسرائيليّة قرار المحكمة العليا الإسرائيليّة في يونيو، الذي صادق على بيع أملاك البطريركيّة الأرثوذكسيّة اليونانيّة في البلدة القديمة في القدس إلى جمعيّة عطيرت كوهانيم الاستيطانيّة، حيث عصفت هذه القضيّة بالشارع الفلسطينيّ.

مع العلم أنّ مخاوف الفلسطينيّين من بيع الممتلكات المسيحيّة إلى الإسرائيليّين لها أسباب، أوّلها أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تملك أكبر عقارات بعد الأوقاف الإسلاميّة في فلسطين، وثانيها أنّ الرئيس عبّاس يجامل الكنيسة الأرثوذكسيّة، ولا يخوض مواجهة لوقف تسريب عقاراتها، وثالثها تخاذل الكنيسة في حماية أوقافها، على الرغم من اعتراض المسيحيّين العرب على سلوكها في هذا الملفّ.

مع العلم أنه كان لازماً مرافقة وفد من السلطة الفلسطينيّة للبطريرك ثيوفيلوس الثالث في زيارته إلى روسيا، لأنّ السلطة الفلسطينية تعتبر المرجعية السياسيّة للمسيحيّين الأرثوذكس.

يتحدث الفلسطينيّون عن تواطؤ من بعض رجال الكنيسة الأرثوذكسيّة في تسريب عقاراتها للمجموعات الاستيطانيّة، لتحقيق مصالحهم الشخصيّة، وعن فساد حقيقيّ لدى بعض أوساط قيادة الكنيسة، وقد لا تكون روسيا بعيدة عن صفقات بيع العقارات إلى المستوطنين.

مع العلم أن الكنيسة الأرثوذكسيّة في فلسطين لا تجرؤ على تسريب العقارات، وبيعها دون موافقة موسكو، ممّا يجعل السلطة الفلسطينيّة تحجم عن التدخّل بالموضوع خشية الدخول في أزمة مع الروس.

وهناك أفواج سنويّة من المسيحيّين الروس تأتي لفلسطين على هيئة سياح، ولديها كنائس دينيّة وممتلكات تاريخيّة وأبنية أثريّة في القدس والخليل وأريحا وبيت لحم، ممّا قد يبرّر زيادة اهتمام بوتين بها، مع أن السلطة الفلسطينية لا تملك شيئاً لوقف تسرّب العقارات المسيحيّة لأيدي المستوطنين، فإسرائيل تفرض سيادتها في القدس.

المصادر الكنسية الفلسطينية كشفت أن نسبة المسيحيين في الأراضي الفلسطينية تبلغ 1%، وبلغة الأرقام، فإن عددهم يبلغ 45 ألفا، موزعين على الضفة الغربية التي يقطنها 40 ألفاً، وقطاع غزة يقطنه 850 مسيحياً، وشرقي القدس تضم 4000 مسيحي، وفي إسرائيل عددهم 120 ألف مسيحي، ويتبع 51% منهم كنيسة الروم الأرثوذكس، وتتوزع البقية على 7 كنائس، أهمها اللاتين الكاثوليك 33%، والروم الكاثوليك 6%، والبروتستانت 5%.

يكمن السبب الرئيس بانخفاض أعداد المسيحيين الفلسطينيين، وهجرتهم من الأراضي الفلسطينية، في وجود الاحتلال الإسرائيلي، والوضع الاقتصادي السيء، ورغبتهم للعيش ببلاد أكثر أماناً.

وسبق لبوتين أن أعلن في تصريح لافت في أكتوبر، خلال لقائه في العاصمة الهنغاريّة برؤساء كنائس الشرق الأوسط، أنّ مسيحيّي هذه المنطقة يعيشون وضعاً كارثيّاً، ويتعرّضون للاضطهاد والسرقة، وروسيا تبذل قصارى جهدها لدعمهم، مع أنّ الشرق الأوسط هو مهد المسيحيّة.

بل أنّ بوتين برر تدخّله العسكريّ في سوريا منذ أكتوبر 2015، باعتبارها حرباً مقدّسة، لحماية المسيحيّين هناك، ممّا يشير للدور الذي لعبته الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة في السياسة الروسيّة الخارجيّة، ويعني ذلك عودة روسيا لجذورها المسيحيّة، وعلى الصعيد الفلسطيني، من الواضح أن الدبلوماسيّة الروسيّة تزيد من إظهار رغبتها في حماية المسيحيّين لزيادة نفوذها في المنطقة.

في الوقت ذاته، فقد أعلن بوتين في أكتوبر 2019 مواقف سلبيّة تجاه صفقة القرن الأمريكية، كاشفاً أنّه اقترح إجراء مفاوضات في موسكو بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين دون جدوى، مما دفع الفلسطينيّين لتداول كلامه، واعتبروه دعماً لهم، لمواجهة الضغوط الأميركيّة لإجبارهم على قبولها.

تصريحات بوتين تجاه الصفقة تأكيد على الموقف الروسيّ الذي يعتبر أنّ سبب العنف في المنطقة هو عدم حلّ القضيّة الفلسطينيّة، رغم أنّ روسيا علاقاتها قويّة بإسرائيل، لوجود 1.5 مليون يهودي سوفيتي فيها.

لا يعني التأييد الفلسطيني لمواقف روسيا الأخيرة تجاههم أنّ مصلحتهم تكمن في الانتقال من الوساطة الأميركيّة الحصريّة لمفاوضات السلام إلى الروسيّة الحصريّة، فواشنطن قوّة عظمى يصعب تجاوزها، نريد وساطة دوليّة أمميّة، رغم أن موقف بوتين من الصفقة يشجّعهم على استمرار رفض الصفقة، ويزيد من عزلة واشنطن في نظرتها للقضيّة الفلسطينيّة، لأنّها تعادي حقوقهم الوطنيّة، وتتنكّر لها.

مع أن المواقف الروسية الأخيرة تجاه القضية الفلسطينية، والنزاع مع إسرائيل، تحمل تعبيرا واضحا عن رغبتها بملء الفراغ الذي تركته واشنطن في الشرق الأوسط، عبر توظيف القضيّة الفلسطينيّة لزيادة النفوذ الروسيّ في المنطقة، والفلسطينيّون مدعوّون للاستفادة من الاستقطاب بين واشنطن وموسكو، بدفع الأخيرة للانحياز للقضيّة الفلسطينيّة، رغم أنّ الروس متوازنون في مواقفهم، فلديهم مصالح استراتيجيّة مع إسرائيل.

يرحب الفلسطينيّون بالتواصل مع الروس لتثبيت الشراكة معهم، دون تبنّي مواقفهم كاملة، أو إدارة ظهورهم للإدارة الأميركيّة، بل يسعون لأن تكون مواقف الطرفين، الولايات المتحدة وروسيا، منحازة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطينيّ، كما أنّ الاتصالات الفلسطينية الدائمة بروسيا تعني أنّ العالم ليس محكوماً بنظام وحيد القرن الأميركيّ، وهم يسعون من زيادة اتصالاتهم وزياراتهم لروسيا إلى تثبيت حضورهم في الساحة الدوليّة.

كما يراقب الفلسطينيون مزاحمة روسيا للولايات المتّحدة في ملفّات الشرق الأوسط، وطالما أنّ القضيّة الفلسطينيّة من القضايا المركزيّة، فهم يأملون بأن تنجح علاقتهم بروسيا لإفشال صفقة القرن، على اعتبار أن الفلسطينيين يرون ضرورة وقف الوصايتين الأميركيّة والإسرائيليّة على القضيّة الفلسطينيّة، والحيلولة دون انفرادهما بالحلول التي تطرحانها لحلّها، عبر أطراف دوليّة أخرى كابحة لهما كروسيا.

تعتبر روسيا من الدول القليلة حول العالم التي ترتبط بالفلسطينيّين جميعاً، مما قد يؤهّلها للإمساك بكلّ مفاصل الملف الفلسطينيّ، بعكس القطيعة التي تسود علاقاتهم مع الإدارة الأميركيّة، المستمرة حتى يوما هذا، لكن عدم تحمّس إسرائيل لوجود شريك آخر غير واشنطن لحلّ صراعها مع الفلسطينيّين قد يحول دون نجاح موسكو، ويجعل دورها مقتصراً على المناشدات والمطالبات فقط.

يعتقد الفلسطينيّون أنّ روسيا تزاحم الولايات المتّحدة في الملف الفلسطينيّ باستعانتها بأدوات سياسيّة قويّة في المنطقة، أوّلها تحالفها مع قوى إقليميّة معارضة لواشنطن، كإيران وتركيا، وثانيها إنجازاتها السياسيّة والعسكريّة في سوريا، مما شجّعها على دخول ملفّات سياسيّة جديدة.

يرى الفلسطينيّون في روسيا دولة كبيرة وقوّة عظمى لها وزنها في القرار الدوليّ، وعضو مقرّر على صعيد مجلس الأمن الدوليّ، وأنّ تدخّلها في الساحة الفلسطينيّة يمكنه إحداث نوع من التوازن أمام الانحياز الأميركيّ لإسرائيل، لكنّهم يعتقدون أنّ هناك قراراً استراتيجيّاً إسرائيليّاً برفض تدخّل أيّ طرف آخر غير الأميركيّين، لأنّهم يتبنّون الموقف التفاوضيّ الإسرائيليّ.

أخيراً، يبدو أنّ روسيا بعد فرض نفوذها على الساحة السوريّة تحاول تمديد هذا النفوذ والتأثير إلى الملف الفلسطينيّ، لكنّ هناك توافقاً فلسطينيّاً، كما يبدو، على محدوديّة هذا الدور الروسيّ في الساحة الفلسطينيّة، بسبب الإصرار الإسرائيليّ على أن تبقى مسألة المفاوضات مع الفلسطينيّين برعاية أميركيّة فقط، مما يجعل الدور الروسيّ مقتصراً على استقبال الوفود السياسيّة، وإطلاق التصريحات الديبلوماسيّة، دون ترجمتها على الأرض سلوكاً ميدانيّاً.

وفيما تطغى على السياسة الخارجية الروسية تجاه النزاع الفلسطيني الإسرائيلي أبعادا دينية مسيحية واضحة، فإن ذات السياسة الأمريكية تجاه ذات النزاع لها ذات التوجهات المسيحية الصهيونية من خلال التيار الإنجيلي المحافظ، رغم أن العالم يرفض أي محاولة فلسطينية لرابط صراعهم مع إسرائيل بأبعاد دينية عقائدية إسلامية.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20200201-russia-is-using-religion-to-strengthen-its-influence-among-palestinians/?fbclid=IwAR1suzRQ9f4WTX5svbbv5ujKuZ5c19oQ0-YwGlCqlJTylYVniQvjPsSQBTc