العدوان الإسرائيلي على غزة: الخلفيات والنتائج والاستخلاصات

  • الخميس 09 يناير 2020 08:23 م

العدوان الإسرائيلي على غزة: الخلفيات والنتائج والاستخلاصات

جاء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة استمراراً لجولات عدوانية إسرائيلية سابقة، ولا سيما منذ اندلاع مسيرات العودة في آذار / مارس 2018، إذ إن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل حالة استنزاف الفلسطينيين وقوى المقاومة في غزة.

 

وترافق العدوان الإسرائيلي في تشرين الثاني / نوفمبر 2019 على قطاع غزة، مع عدة تطورات سياسية وميدانية، فلسطينية وإسرائيلية، على حد سواء، يمكن قراءتها على النحو التالي:

 

أولا: التطورات الفلسطينية

تزامن العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة مع أحداث وتطورات سياسية وعسكرية فلسطينية لافتة، ربما تكون متزامنة عفوياً، إلّا إن قراءة الصورة الإجمالية للأحداث، قد تجعلنا نعطي الأمر دلالة غير عفوية، وهي على النحو التالي:

 

1 - الانتخابات الفلسطينية: بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أيلول / سبتمبر 2019، الدعوة إلى إجراء انتخابات فلسطينية عامة، شهد قطاع غزة جولات مكوكية متلاحقة لرئيس لجنة الانتخابات المركزية، الذي دأب على عقد اجتماعات مكثفة بقيادة "حماس" وسائر الفصائل الفلسطينية في القطاع، للخروج بموقف وطني موحد تمثّل في الموافقة على إجرائها، مع بعض المحددات المتوافق عليها.

 

يمكن القول إن إسرائيل لا تبدي حماسة لإجراء الانتخابات الفلسطينية، رغبة منها في الإبقاء على حالة الانقسام قائمة في المشهد الفلسطيني، ولذلك ربما يأتي التصعيد الأخير خطوة استباقية لعدم إجراء الانتخابات من جهة، وإحداث تغيير في الأولويات الفلسطينية من جهة ثانية، فليس مقبولاً أن يتواصل الحديث عن الانتخابات بينما الدم الفلسطيني ينزف في شوارع غزة وأزقتها.

 

حققت إسرائيل هدفها هذا جزئياً، إذ جرى تجميد الاتصالات الهادفة إلى إنجاح الانتخابات موقتاً، على الرغم من تأكيد مختلف القوى السياسية الفلسطينية أن العدوان الإسرائيلي لن ينجح في عدم تطبيق الاستحقاقات الوطنية الداخلية، وخصوصاً الانتخابات، كمقدمة لطيّ صفحة الانقسام البغيض.

 

2 - التفاهمات الإنسانية: وهي التي توصلت إليها المقاومة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي بوساطة مصرية وقطرية وأممية في تشرين الأول / أكتوبر 2018، وتهدف إلى إحداث حلحلة في الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة، من خلال إدخال جملة تسهيلات معيشية وتحسينات إنسانية على ظروف الفلسطينيين الصعبة هناك. وقد أثبت عام كامل على انقضاء هذه التفاهمات أن هناك تلكؤاً وتباطؤاً إسرائيلياً واضحاً ومقصوداً لتنفيذها، رغبة من إسرائيل في الإبقاء على غزة في واقع "لا تحيا ولا تموت"، أو الاكتفاء بجعل "رؤوس الفلسطينيين فوق الماء من دون غرق."

 

وقد سبق أن هددت المقاومة الفلسطينية بإشعال فتيل المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي في حال واصل عدم التزامه تطبيق هذه التفاهمات، ووصلت إليه عدة رسائل عبر الوسطاء المحليين والإقليميين والدوليين، فحواها أن صبر الفلسطينيين في غزة لن يطول، وقد ينفد في أي لحظة من خلال رد قوي على إسرائيل. ولعل العدوان الأخير على غزة أعاد تذكير الإسرائيليين بأنه لا يمكنهم أن يعيشوا مستقرين هادئين ما دام الفلسطينيون في الجانب الغربي من الحدود يعانون الأمرّين بفعل الحصار المفروض عليهم.

 

3 - الهدوء الهش: بدا واضحاً، منذ انطلاق مسيرات العودة في قطاع غزة في آذار / مارس 2018، أن الوضع الأمني في القطاع لا يعيش أفضل أحواله، فقد عانى القطاع جرّاء نحو 13 جولة تصعيد إسرائيلية، تراوحت بين عدة ساعات إلى عدة أيام، وتخللها سقوط شهداء فلسطينيين وقتلى إسرائيليين، وفي العديد من الجولات كاد ينفرط عقد هذا الهدوء في اتجاه حرب إسرائيلية رابعة على غزة، لولا تدخّل الوسطاء في اللحظات الأخيرة.

 

العدوان الأخير جاء استمراراً لهذه الجولات العدوانية الإسرائيلية، وقد رافقه اتصالات مكثفة خلال ساعاته الأولى، لضمان عدم انزلاقه إلى مواجهة عسكرية شاملة.

 

ثانياً: السياقات الإسرائيلية

على الصعيد الإسرائيلي، نستطيع قراءة جملة من التطورات الأمنية والسياسية التي صاحبت العدوان الأخير على غزة، يمكن إجمالها بالنقاط التالية:

1 - الانتخابات الإسرائيلية: جرت العادة أن تجري كل جولة انتخابية إسرائيلية على وقع الدماء الفلسطينية، وهو ما أثبتته التجارب في العديد من الجولات. ولمّا كانت إسرائيل تعيش أزمة سياسية دستورية غير مسبوقة، تتمثل في توجيه لائحة اتهام إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وفشله وخصمه بيني غانتس في تشكيل حكومة جديدة، فقد بدا واضحاً أن وجهة الإسرائيليين هي نحو انتخابات ثالثة في عام واحد، الأمر الذي سيُدخل الدولة بأسرها في نفق سياسي مظلم.

 

تداول الفلسطينيون في نقاشاتهم السياسية فرضيات عديدة، بينها إمكان أن تصدّر إسرائيل، ممثلة في رئيس حكومتها ووزير حربها نتنياهو، أزمتها الداخلية المستعصية إلى الخارج، وبالتالي فإن جبهة غزة هي الأقل تكلفة في الجبهات المعادية الأُخرى، وهو أمر كثيراً ما توقّعه الفلسطينيون.

 

تأكيداً لذلك، جاء لافتاً إعلان بيان الجيش الإسرائيلي على غير العادة أن عملية الاغتيال صادق عليها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي تولى حقيبة وزارة الدفاع بعد استقالة أفيغدور ليبرمان، وذلك قبل دخول نفتالي بينت، وزير الدفاع الجديد، بساعات قليلة إلى مقر الوزارة.

 

ولذلك يمكن القول بكثير من الثقة إن اغتيال أبو العطا جاء خدمة للمصالح الحزبية والسياسية التي حرّكت نتنياهو حين اتخذ القرار، فالرجل يواجه جملة سيناريوهات صعبة وخطرة على صعيد مستقبله السياسي: فإمّا أن يذهب إلى انتخابات برلمانية ثالثة قد لا تمنحه فرصة تشكيل الحكومة المقبلة، وإمّا يقضي ما تبقّى له من العمر في السجن بسبب اتهامات الفساد المتورط فيها، وإمّا تتم الإطاحة به من داخل حزب الليكود لأن وجوده يُعيق تشكيل حكومة وحدة مع حزب أزرق -أبيض.

 

2 - الاغتيالات مجدداً: آخر اغتيال نفّذته إسرائيل في قطاع غزة من دون حروب، حدث في سنة 2012، حين قتلت أحمد الجعبري، القائد العسكري العام لحركة "حماس"، الأمر الذي تسبب حينها باندلاع حرب قصيرة امتدت ثمانية أيام، وحين اندلعت حرب 2014 قتلت إسرائيل عدداً آخر من القادة العسكريين الفلسطينيين، غير أن العودة إلى الاغتيالات في أوقات الهدوء في نوفمبر / تشرين الثاني، من خلال اغتيال بهاء أبو العطا القائد العسكري للجهاد الإسلامي، شكّل نقطة تحول في السلوك العسكري الإسرائيلي تجاه غزة.

 

صحيح أن كثيراً من التحذيرات والتهديدات وصلت إلى أبو العطا وسواه من القادة العسكريين الفلسطينيين في القطاع، إلّا إن التهديد شيء، وتنفيذه على الأرض شيء آخر، على اعتبار أن تبعات هذا الاغتيال قد تكون خطرة وغير محتملة من طرف صانع القرار الإسرائيلي، في توقيت انتخابي حساس.

 

ثالثاً: حيثيات العدوان

ربما كان العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة قصيراً نسبياً من ناحية الزمن، لكنه حمل جملة دلالات لافتة على مختلف الصعد: السياسية والعسكرية والأمنية، ويمكن إيجازها بالمحطات التالية:

 

1 - الاسترخاء الأمني: يعتمد الإسرائيليون بالعادة على عنصر المفاجأة في شنّ أي عدوان، إلّا إن أرضية العدوان الأخير كانت مهيأة له، فقد سبقه إرسال تهديدات عبر الوسطاء من جهة، وإعداد جملة تقارير إعلامية إسرائيلية بشأن العودة المحتملة إلى سياسة الاغتيالات، من جهة ثانية، الأمر الذي دفع القادة العسكريين الفلسطينيين إلى اتخاذ مزيد من إجراءات اليقظة والحذر.

 

غير أن طائرات إسرائيلية باغتت فجر الثلاثاء الموافق فيه 12 تشرين الثاني / نوفمبر منزل القيادي في حركة الجهاد بهاء أبو العطا، وقد أسفر ذلك عن استشهاده وزوجته، وإصابة أبنائه بجروح متفاوتة. وهذا الأمر لم يفاجىء الفلسطينيين كثيراً، فالسؤال الذي كانوا يرددونه دائماً هو: متى ستغتال إسرائيل أبو العطا؟ وليس هل ستغتاله أم لا.

 

لقد سال حبر إسرائيلي غزير في تضخيم صورة أبو العطا، وتحميله مسؤولية الرشقات الصاروخية الفلسطينية على المستعمرات الإسرائيلية في غلاف غزة، حتى تُوّج الأمر بالإهانة القاسية التي تعرّض لها نتنياهو في مدينة أسدود جنوب إسرائيل في أيلول / سبتمبر الماضي، حين باغتته صواريخ فلسطينية قرب قاعة المؤتمر الجماهيري لحزب الليكود، الأمر الذي اضطره إلى النزول المهين عن منصة الخطابة أمام الملايين. ومنذ ذلك الوقت، وُضع أبو العطا على ساعة العد التنازلي لاغتياله.

 

من الجائز الحديث في هذه العجالة عن أهمية الاحتياطات الأمنية من جهة، وعدم الاعتماد الفلسطيني على فرضيات تقليدية غير قابلة للتحديث على مدار الساعة من جهة ثانية، ومنها أن إسرائيل لن تقدم على تجديد سياسة الاغتيالات خشية من ردود "مزلزلة صاعقة" للمقاومة الفلسطينية، وهذا كلام وجيه وفيه كثير من المنطق، لكنه يحتاج إلى استدراكات دائمة.

 

من هذه الاستدراكات التي ربما تفوت صانع القرار الفلسطيني، ولا سيما في الأجنحة العسكرية، أن نظيره في إسرائيل قد يحتمل نوعاً من المخاطرة في توقيت خطر ودقيق، ولعل ذلك هو الذي فات المقاومة الفلسطينية في إطار استبعادها الكلي لإقدام إسرائيل على سياسة الاغتيالات، وهو ما منح القادة الميدانيين الفلسطينيين في غزة نوعاً من الأريحية والاسترخاء الأمني، ووفّر للاستخبارات الإسرائيلية معلومات ذهبية عن تحركاتهم، وتنقلاتهم، وأماكن نومهم، ومواعيد عودتهم إلى منازلهم.

 

2 - الوساطات المبكرة: فور اغتيال أبو العطا فجر الثلاثاء، بدأت إسرائيل ترسل جملة رسائل إلى مختلف التنظيمات الفلسطينية في غزة، اطّلع كاتب السطور على بعض منها، وفحواها أن هذه المواجهة محصورة مع الجهاد الإسلامي الذي يُعتبر أبو العطا أحد قادتها العسكريين، الأمر الذي يعني ضمنياً ألّا تتدخل سائر الفصائل في هذه الجولة من العدوان.

 

لا أذكر أن إسرائيل لجأت إلى مثل هذا الأسلوب في مواجهات عسكرية سابقة في غزة، بل إنها تعاملت مع المقاومة الفلسطينية بشكل إجمالي، وبمنطق واحد، واستهدفتها جميعاً من دون استثناء؛ صحيح أن معظم تلك الجولات كانت تستهدف "حماس" ومواقعها وكوادرها بصورة مركزة، لكنها لم تستثنِ أياً من التنظيمات الأُخرى.

 

في هذا العدوان الذي سمّته إسرائيل "الحزام الأسود"، جاء السلوك مغايراً ومختلفاً، رغبة منها في الاستفراد بحركة الجهاد الإسلامي وحدها من جهة، وتحييد سائر التنظيمات الفلسطينية من جهة أُخرى، وخصوصاً "حماس" وجناحها العسكري، وهو مبدأ "فرّق تسد" القديم.

 

لا يحتاج أحدنا إلى كثير من الذكاء لمعرفة خلفيات وأسباب لجوء إسرائيل إلى هذه الوسيلة اللافتة، فالقرار كان مقتصراً على اغتيال أبو العطا، من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية ضارية تستمر أياماً، وتتوسع رقعة عملياتها، وتُفقد إسرائيل ما تعتبره "صورة الانتصار" الذي حققته باغتيال أبو العطا.

 

وفور الرد الذي قامت به الجهاد الإسلامي وبعض الفصائل الصغيرة، كثفت إسرائيل من وساطاتها، ولا سيما المصرية والأممية منها، حتى تم التوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار في فجر الخميس الموافق فيه 14 تشرين الثاني / نوفمبر، بعد 50 ساعة من العدوان، ارتكازاً على تفاهمات كانت سائدة في غزة قبل اندلاعه.

 

3 - مغازلة "حماس": لم يعد سراً أن إسرائيل تسعى لإعادة السيناريو نفسه الذي تعاملت وفقه مع السلطة الفلسطينية قبل القطيعة السياسية القائمة منذ خمسة أعوام، بتحميلها المسؤولية عن أي توتر، إذ دأب سلاح الجو الإسرائيلي، منذ أن فرضت "حماس" سيطرتها على غزة في أواسط سنة 2007، على استهداف مواقعها العسكرية كلما سقط صاروخ من غزة في اتجاه إسرائيل، حتى لو لم تكن "حركة المقاومة الإسلامية" راضية عن ذلك؛ إلّا إن السلوك الإسرائيلي عنوانه أن تلك الحركة هي "رب البيت"، وبالتالي فإنها مسؤولة عن أي عمل يخرج من القطاع، سواء رضيت عنه أم عارضته.

 

غير أن إسرائيل في هذه المرة، أجرت تحولاً واضحاً في سياستها تجاه "حماس"، إذ اقتصرت استهدافاتها على مواقع لحركة الجهاد الإسلامي التي تصدرت المواجهة مع إسرائيل، وكان ذلك بهدف تحييد "حماس" من جهة، ومن جهة أُخرى، إرسال رسائل فحواها أن إسرائيل قد تستأنف تطبيق التفاهمات الإنسانية المتفق عليها مع الحركة في القطاع، إن هي واصلت عدم الانخراط في هذه المواجهة.

 

صحيح أن الميدان في غزة تأثر نسبياً بهذه السياسة الإسرائيلية، وظهرت حالة من التباين الذي لا تخطئه العين بين "حماس" والجهاد الإسلامي، بسبب عدم توافقهما بشأن طبيعة الرد على الاغتيال، وهو رد مشروع ومنطقي بالحد الأدنى، وفق وجهة نظر "حماس"، إلّا إن حركة الجهاد في المقابل رأت أن أي تريث أو انتظار في الرد يعني فتح شهية إسرائيل على مزيد من الاغتيالات.

 

فور وقف إطلاق النار استدركت الحركتان المتحالفتان هذا التباين وسط إجراء اتصالات عالية المستوى بين قيادتَيهما السياسية والعسكرية، وصدرت مواقف تنسيقية واضحة تقول لإسرائيل إن سياسة الاستفراد بالجهاد من جهة، وتحييد "حماس" من جهة أُخرى، قد انكشفت، ولم يعد ممكناً التعويل عليه.

 

وربما يكون من نافلة القول أن علاقة "حماس" بالجهاد الإسلامي وصلت إلى مستوى تنسيقي كبير، على أكثر من جانب، فهُما سياسياً، لديهما المواقف ذاتها من التحركات السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية، فضلاً عن كونهما جزءاً من محور إقليمي بات واضحاً وليس خافياً على أحد، تقوده إيران بجانب حلفائها في لبنان وسورية.

 

أمّا عسكرياً، فإن الحركتين تنخرطان في غرفة العمليات المشتركة التي تم تشكيلها في سنة 2018 في غزة، وثمة اتفاق بينهما على طبيعة التعامل مع أي عدوان إسرائيلي، الأمر الذي يجعلهما في حالة توافق ميداني عملياتي تجاه أي سلوك عسكري، على الرغم من وجود بعض الحالات التي يتم فيها إطلاق صواريخ على إسرائيل من دون توافق كامل. إلّا إن الحركتين تقفزان عن أي تباين آنيّ وموقت يعكّر صفو الانسجام شبه التام.

 

وفي ظل اغتيال أبو العطا، بدا منطقياً وطبيعياً أن تتصدر الجهاد الإسلامي الرد عليه ضد إسرائيل، وهو أمر متعارف عليه، ويحظى بإجماع شعبي فلسطيني، غير أن غياب حالة التوافق بين "حماس" وحركة الجهاد ربما منح هذه الأخيرة حرية اتخاذ القرار بصورة فردية، مع أنه كان من الأفضل أن تنطلق الحركتان في الرد على الاغتيال وفق توجهات وحدوية فلسطينية من خلال غرفة العمليات.

 

4 - إسرائيل المشلولة: مع أن المواجهة العسكرية الأخيرة لم تتجاوز يومين كاملين، واقتصرت على الجهاد الإسلامي، إلّا إن ردة الفعل الإسرائيلية يمكن وصفها بـ "الهستيرية" من جهة إجراءات الاحتياطات الأمنية والتعليمات الموجهة إلى الإسرائيليين باللجوء إلى الملاجىء والغرف المحصنة، خشية استهدافهم، وهو ما قد ينجم عنه سقوط قتلى وجرحى.

 

صحيح أن قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية مسؤولة عن الحفاظ على أرواح الإسرائيليين، إلّا إن التشدد في هذه الإجراءات، والصرامة في فرض إغلاق شبه كامل على جنوب إسرائيل ووسطها، وصولاً إلى تل أبيب، أسفرا عن ردات فعل إسرائيلية غاضبة، ومنح الفلسطينيين صورة انتصار متكافىء نسبياً مع صورة الاغتيال، وخصوصاً وهم يرون أن تل أبيب، هذه المدينة التي لا تنام، قد أصيبت بالشلل التام، وبدت شوارعها خالية من المارة، وأصبحت مطاعمها وفنادقها مهجورة لا يسكنها إلّا الأشباح، الأمر الذي طرح تساؤلاً لدى الإسرائيليين: كيف يحدث ذلك بسبب إطلاق "تنظيم صغير" عشرات الصواريخ البسيطة من غزة؟

 

يزداد السؤال الإسرائيلي خطورة وإحراجاً: ماذا لو انضمت "حماس" وحزب الله إلى هذه المواجهة، فكيف كان سيبدو المشهد الميداني في إسرائيل كلها؟ ولماذا تظهر إسرائيل بهذه الحالة من انكشاف جبهتها الداخلية، وهي المزودة بأنظمة القبّة الحديدية وحيتس ومعطف الريح، وجميعها تُنفق عليها إسرائيل مليارات الدولارات لتأمين نفسها من الصواريخ المتعددة المديات؟

 

أخيراً، انتهت الجولة العدوانية الإسرائيلية في وقت قصير نسبياً سقط جرّاءه 34 شهيداً وأكثر من 111 إصابة، وإصابة 34 إسرائيلياً، وذلك وسط كثير من الاستخلاصات والنتائج، ربما يكون أهمها وجود حالة من التوافق اللافت بين الفلسطينيين والإسرائيليين على عدم التشجع على الذهاب إلى حرب جديدة رابعة في غزة، كل طرف لاعتباراته الخاصة، الأمر الذي يرجح استمرار الوضع الراهن في غزة على هذا المنوال: تصعيد لساعات وربما لأيام قليلة، ثم وساطات تعلن وقف إطلاق النار، والعودة إلى الهدوء الهش ذاته الذي يعمّ القطاع منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية الثالثة في صيف سنة 2014.

 

المصدر مؤسسة الدراسات الفلسطينية

https://www.palestine-studies.org
/ar/mdf/fulltext/238346?fbclid=IwAR0UamxLviZIR3YmsJXZp7MrkI66f3q_D4FdjaZGRRk_8SI1L-dmq7NRwuM