تحريض إسرائيلي على تركيا بسبب استضافتها لحماس

  • الخميس 26 ديسمبر 2019 10:33 ص

تحريض إسرائيلي على تركيا بسبب استضافتها لحماس

تشهد العلاقات التركية الإسرائيلية في الأيام الأخيرة توترا متزايدا، جاءت ذروته في اتهام تل أبيب لأنقرة بإفساح المجال أمام حركة حماس لممارسة فعالياتها على أراضيها، ورغم أن وزارة الخارجية التركية رفضت الاتهامات الإسرائيلية حول استخدام أراضيها منطلقا لعمليات حماس ضدها، لكن صحفا إسرائيلية نشرت مقالات وتقارير انتقدت علاقات تركيا وحماس.

السطور التالية تناقش الاتهامات الإسرائيلية التركية المتبادلة حول حماس، وهل تنجح إسرائيل بالضغط على تركيا لعدم إيواء قادة الحركة على أراضيها، وكيف ستزيد هذه القضية من التوتر القائم بينهما حول قضايا إقليمية.

جملة تطورات متلاحقة شهدتها الأيام الأخيرة تركت بصماتها الواضحة على تراجع متسارع في العلاقات التركية الإسرائيلية، فهي ما إن تأخذ قسطا من الهدوء، حتى تعود من جديد الى التوتر والتصعيد.

آخر حلقات هذا التوتر جاء بتسريب المخابرات الإسرائيلية لصحيفة التليغراف البريطانية حول طبيعة تواجد حماس ونشاطاتها على الأراضي التركية، لاسيما الفعاليات ذات الصبغة العسكرية، واتهام أنقرة بغض الطرف عن تواجد عدد من كبار المسئولين العسكريين لحماس، يخططون لتنفيذ عمليات مسلحة ضد إسرائيل انطلاقا من تركيا.

تزعم إسرائيل أن التحقيقات التي تجريها أجهزتها الأمنية مع عدد من الفلسطينيين العائدين من تركيا الى الضفة الغربية تشير أن نشطاء حماس هناك خططوا لاغتيال عدد من الشخصيات الإسرائيلية، بينهم نير بركات رئيس بلدية القدس السابق، وروني ألشيخ المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، وصولا الى يهودا غليك عضو الكنيست المتدين، الذي دأب على اقتحام المسجد الأقصى.

وتتحدث إسرائيل عبر أجهزتها الأمنية أن السلطات التركية لا تكتفي بتجاهل نشاطات حماس لديها، بل تمكنهم من الإقامة والتجول في إسطنبول، كما أن المخابرات التركية تقوي علاقاتها بكوادر الحركة في إسطنبول.

وكشفت مصادر أمنية إسرائيلية أن العديد من عناصر حماس انتقلوا في العام الأخير من قطاع غزة والضفة الغربية الى تركيا، ومن هناك يلتقون بكوادر الحركة الذين يتفقون معهم على تنفيذ عمليات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية، ويقدمون لهم التعليمات والتدريبات والأموال اللازمة، مع أن تركيا وحماس تنفيان استغلال أراضيها للتخطيط لهذه العمليات، باعتبارها اتهامات فاقدة لأي أساس من الصحة، وهدفها المس بعلاقاتهما.

ورغم أن إسرائيل سبق لها ان اغتالت عددا من كوادر حماس خارج الحدود، لكنها امتنعت عن المس بهم على الأراضي التركية، ربما خشية من التورط في أزمة دبلوماسية خلال تنفيذ الاغتيال على أراضي دولة عضو في حلف الناتو، وكما كشفت المخابرات التركية خلية الاغتيال السعودية التي قتلت الصحفي جمال خاشقجي، فقد تفعل الأمر ذاته إن أقدمت إسرائيل على تنفيذ اغتيال مشابه لعناصر حماس المقيمين لديها.

وزارة الخارجية التركية ردت على الاتهامات الإسرائيلية بعدة بنود واضحة، أولها رفض الادعاءات الإسرائيلية حول استخدام حماس لأراضيها منطلقا لأعمال ضدها، وثانيها أن غالبية المجتمع الدولي لا ترى حماس منظمة إرهابية، بل "حقيقة سياسية"، وفازت في انتخابات عام 2006، وثالثها أن الجمعية العامة للأمم المتحدة رفضت تصنيف حماس منظمة إرهابية في 2018، ورابعها أن العديد من البلدان، بمن فيها تركيا، تقيم اتصالات مع حماس على مختلف المستويات.

حماس من جهتها اعتبرت الاتهامات الإسرائيلية محض كذب وافتراء، ولا أساس لها، وتهدف للتحريض والتشويش على علاقات حماس بتركيا، ودعمها للقضية الفلسطينية، وأن نشاطها المقاوم لا يتجاوز حدود فلسطين المحتلة، ولعل هذه الاتهامات الإسرائيلية مردها أنها لا تتحمل رؤية الأسرى المحررين يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، وبالتالي تأتي هذه الادعاءات الإسرائيلية في إطار مساعيها للتضييق على الأسرى المحررين، سواء المبعدين خارج الأراضي المحتلة أو داخلها.

ترى حماس أن هذه الاتهامات الإسرائيلية جزء من دعايتها لتشويه صورتها أمام حلفائها، وممارسة الضغط على الدول المناصرة للحق الفلسطيني، في إطار أهداف الاحتلال بملاحقة كوادرها، والتضييق عليهم، ومحاصرة الحركة، وأنشطتها.

ودأبت حماس في أكثر من مناسبة على التأكيد أن عناصرها وكوادرها حيثما كانوا يتصرفون بما تسمح به قوانين البلدان التي يعيشون فيها، ويقدرون عاليا كرم الضيافة الذي تمنحهم إياه تركيا وشعبها.

يبدو واضحا أن هناك تزامنا بين بث هذه الاتهامات الإسرائيلية مع الجولة الواسعة التي يجريها رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، ولقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وربما تهدف هذه الحملة الإسرائيلية لممارسة ضغوط على الدول التي تشملها الجولة، ومن بينها تركيا.

وقد بحث لقاء هنية مع أردوغان نقاشا معمقا حول العديد من القضايا المهمة، خاصة قضية القدس، والمخاطر المحدقة بالمسجد الأقصى، ودور تركيا بإسناد القضية الفلسطينية، ودعم الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، فضلا عن بحث التطورات المتعلقة بالانتخابات الفلسطينية المزمع عقدها، ودور حماس بتذليل العقبات أمام إجرائها، والجهود المبذولة من أجل تحقيق المصالحة، وإنهاء الانقسام.

يصعب قراءة الاتهامات الإسرائيلية لتركيا بإيواء حماس، وفي هذ الوقت بالذات، بعيدا عن التطورات الإقليمية المتلاحقة، حيث تتهم تل أبيب أنقرة بأنها أصبحت عضوا نشطا في المحور المناهض لها، وأنها تسير بسرعة لتكون العدو التالي لإسرائيل.

تبدي إسرائيل انزعاجها الواضح من الانتقادات المتكررة التي يوجهها أردوغان لها في كل محفل دولي، ومقارنتها بألمانيا النازية، واتهامها بإعدام وقتل الأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السن في فلسطين، واعتبار نفسه الراعي الوحيد للفلسطينيين، وزعيم للمسلمين السنة في الشرق الأوسط.

لا تخفي إسرائيل قلقها المتزايد من السياسة الخارجية التركية في الآونة الأخيرة، خاصة توقيع مذكرة تفاهم مع الحكومة الليبية حول المناطق البحرية في البحر المتوسط، التي قطعت البحر فعليا إلى النصف، مما قد يعيق إسرائيل ببناء خط أنابيب للغاز إلى أوروبا، وهو أمر مهم لصادرات الغاز الإسرائيلية، في حين طردت البحرية التركية قبل أيام سفينة إسرائيلية تجري أبحاثا من حقول غاز إضافية بالمياه الإقليمية لقبرص.

مع أن هذا الحادث الاستثنائي وقع نتيجة تصاعد التوتر بين تركيا واليونان وقبرص، بشأن السيطرة على حقول الغاز في البحر المتوسط، مما يجعل من اتفاق تركيا وليبيا ذو تأثير سلبي كبير على إسرائيل، بسبب خطتها لنقل خط أنابيب من حقول الغاز الإسرائيلية بالبحر المتوسط إلى إيطاليا، مرورا بقبرص اليونانية، وصولا إلى أثينا.

وفي حين أن المشروع الإسرائيلي يهدف لاستخدام خط أنابيب لتصدير الغاز لجميع البلدان الأوروبية، فإن إسرائيل تعتقد أن تركيا تحاول ترسيخ نفسها على أنها من تدير المنطقة، وهذا أمر مقلق للغاية من وجهة النظر الإسرائيلية، لأن تطلعات أردوغان التي تصفه بـ"السلطان" آخذة في التعاظم مع مرور الوقت.

في ذات السياق، تأتي الحملة الإسرائيلية ضد تركيا بإيواء قيادة حماس، متماشية مع حملة غربية تواجهها أنقرة على خلفية ملفات عدة، بينها عقد صفقات سلاح مع روسيا، والتدخل العسكري في الشمال السوري، وصولا إلى عقد اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا.

رغم توقيع اتفاق المصالحة التركي الإسرائيلي في 2015، لكن علاقات الجانبين لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيع الكامل، صحيح أن التبادل التجاري الاستثماري بينهما في أفضل أحواله، لكن القناعات الإسرائيلية التي تجد طريقها من خلال الاتهامات الموجهة إلى تركيا باحتضان حماس، مردها إلى أن أردوغان لا يتوقف عن التطلع لتحقيق طموحاته السلطانية بإعادة الامبراطورية العثمانية إلى سابق عهدها، وجاء اتفاقه الأخير مع الحكومة الليبية ليشكل خطرا على إسرائيل، ولو بصورة غير مباشرة، وهو ما من شأنه أن يشعل المنطقة بأسرها.

صحيح أن الإسرائيليين يعتقدون أن هذا مجرد حلم، لكن أردوغان يحققه بطريقته، ويذكرون من أجل ذلك جملة سياسات ينفذها في السنوات الأخيرة: فقد دخل بعض أراضي سوريا عسكريا، ويرفض الانسحاب منها، وتحالف مع إيران وروسيا ليكون المحور الثالث في اتفاق آستانة لتحقيق ترتيبات سياسية حول مستقبل سوريا، وزاد مؤخرا من الوجود العسكري في قبرص التركية، كما توجه إلى قطر، ووثق علاقاته السياسية والعسكرية معها أمام دول الخليج، ويتعاون مع حماس والإخوان المسلمين، وكل ذلك بهدف تحقيق تطلعات تركيا الإمبراطورية.

 أخيراً.. لا يمكن الفصل في النظر إلى الاتهامات الإسرائيلية الموجهة إلى تركيا بشأن دعم حماس، بعيدا عما تزعمه تل أبيب عن محاولة أنقرة استغلال حالة الفوضى في المنطقة لتحقيق أحلامها التوسعية، من خلال وجود موطئ قدم تركي في كل ملفات الشرق الأوسط، وكل ذلك يضر بالمصالح الأمنية والاستراتيجية لإسرائيل.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20191225-israel-hopes-to-weaken-turkey-by-inciting-against-it/?fbclid=IwAR3LS5DcsFh3QSWU9MIWJZnNk6KCGyo-AM-LQVvkibNfn-21LyqvK8YL1YE