القائمة المشتركة في الانتخابات الفلسطينية .. الفرص والمحاذير

  • الأربعاء 11 ديسمبر 2019 03:13 م

القائمة المشتركة في الانتخابات الفلسطينية .. الفرص والمحاذير

تحدثت أوساط فلسطينية أن زيارة الرئيس محمود عباس الأخيرة إلى قطر ربما تفضي لإعادة إنتاج فكرة تشكيل قائمة موحدة في الانتخابات الفلسطينية المقبلة، رغم أن الفكرة ليس لها أساس سياسي مشترك، ولا تمكن القوائم الأخرى من التنافس؛ وتهدف لبقاء الوضع الفلسطيني على حاله، وقطع الطريق على التغيير من خلال الانتخابات، وتعيد من جديد إعادة محاصصة بين فتح وحماس.

السطور التالية تناقش هذا الخيار، ما هو، ومن يدعو له، وموقف حماس وفتح والفصائل منه، وهل يحظى بالتوافق الوطني، أم يعيد إنتاج الانقسام، بالمحاصصة بينهما، دون باقي الفصائل الفلسطينية.

لقد أعلنت حماس جاهزيتها للدخول في الانتخابات، واحترام نتائجها، في حال توفر شروط النزاهة، مجددة الاستعداد للاحتكام لصناديق الاقتراع، دون خوف أو تردد من الدخول في أي انتخابات شاملة، على اعتبار أن هذه الانتخابات، بغض النظر دخلتها الحركة بصورة منفردة أو ضمن قائمة مشتركة، ستكون رافعة لتصويب مسارات استراتيجية في تاريخ الشعب الفلسطيني.

ولذلك فقد شهدت الآونة الأخيرة صدور تصريحات عديدة من فتح وحماس تتحدث عن انفتاحهما على فكرة "القائمة المشتركة" لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، دون تحديد ماهيتها، وبرنامجها السياسي، وتغلبها على العقبات التي قد تعترض إعلانها.

مع أن أبو مازن طرح على قيادة حماس فكرة الذهاب إلى انتخابات تشريعية في قائمة موحدة مع فتح والفصائل، أو مع فتح وحدها دون الفصائل، وهي دعوات صدرت عن قياديين بارزين في فتح، مما أثار شكوكا في نجاحها، بل وفي مصداقيتها من الأساس.

يرى بعض الفلسطينيين أن هدف الإعلان عن قائمة فلسطينية مشتركة هو تمييع المواقف السياسية بين فتح وحماس، والهروب من استحقاق المصالحة، والتملص من الدعوات المتكررة التي تطالب عباس بعقد لقاء للإطار القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما يعني أن الهدف من هذه القائمة ليس بالضرورة الخروج من المأزق الوطني الفلسطيني بصف موحد، وتحقيق المصالحة، إنما هدفها الأول هو الاحتواء السياسي لحماس.

كما أن خوض الانتخابات بقائمة فلسطينية واحدة، تقودها حركتا فتح وحماس، يضم إليها لاحقا من يرغب من الفصائل والمستقلين، تترك نسبة 20-30% من المقاعد للقوائم التي تريد خوض الانتخابات بشكل منفصل، مع أن تشكيل القائمة الموحدة طرحت منذ عام 2012، وأعاد طرحها أمير قطر عام 2016، ووجدت الترحيب بحماس من الرئيس عباس، وبفتور من حماس، واليوم أعلنت أن هذه الفكرة غير مرفوضة، لكنها بحاجة للاتفاق على البرنامج السياسي ومتطلبات أخرى.

كاتب السطور علم أن هذه الفكرة تم طرحها مجددا على هامش الزيارات التي قام بها حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية إلى قطاع غزة، وفي اتصالات بين قيادات فتح وحماس، ومحسوبين عليهما، ولعل مصدر القلق أن المراد من القائمة المشتركة هو المحاصصة، والاحتفاظ بالسيطرة، وإعادة إنتاج الواقع دون تغييرات دراماتيكية، بحيث يبقى الانقسام بعد الانتخابات، ويحتفظ كل طرف بما لديه بغطاء موحد أو من دونه، ومن الطبيعي أن يترافق الاتفاق على القائمة المشتركة للانتخابات التشريعية، الاتفاق على مرشح توافقي للانتخابات الرئاسية.

هناك جملة سلبيات لخيار القائمة المشتركة، أهمها أنها قد تكون قائمة تزكية، فلا نشهد انتخابات تنافسية حقيقية ومشاركة واسعة من الناخبين، الذين لن يجدوا اختيارات متنوعة يتم الاختيار فيما بينها، مع إمكانية تشكيل قوائم من المستقلين والغاضبين من فتح وحماس، والفصائل التي لن تشارك في القائمة المشتركة، وتحصل على نتائج تغيّر المعادلة القائمة كليًا.

قد تعزز تصريحات فتح المتزايدة بشأن القائمة المشتركة قناعات حماس باقتراب موعد الانتخابات التشريعية التي قد يعلن عباس عن موعدها الدقيق بمرسوم رئاسي لم يصدر بعد، مما يدعو للتعرف على خيارات حماس في طبيعة مشاركتها المتوقعة في الانتخابات، بين دخولها بصورة انفرادية عبر قوائم حزبية تنظيمية مغلقة، أم تفتح الباب أمام تحالفات سياسية مع قوى أخرى، أو استيعاب مستقلين أو تكنوقراط بقوائمها الانتخابية.

يعتقد الفلسطينيون أن النظام المتبع في الانتخابات القادمة، وآلياتها وتوقيتاتها، يجب أن خاضعا للتوافق الوطني، لأنه أساس العملية الانتخابية، وأكبر ضمانة كي تكون حرة ونزيهة، أما شكل مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية، الانفرادية أو التحالفية، فإنه يبحث في وقته، بما فيها مشاركة قياداتها في القوائم الانتخابية، لكن الحركة كما يبدو ستشارك بقوة وإيجابية، على أن يكون لكل انتخابات شكل من المشاركة، تشريعية ورئاسية.

ما زلنا في بداية التحضير للانتخابات التشريعية الفلسطينية، وأمامنا سلسلة خطوات دستورية أهمها إصدار مرسوم رئاسي بتحديد المواعيد الدقيقة، والتوافق على النظام الانتخابي، والإشراف على فرز النتائج، وآلية الاعتراف بها، وعدم تكرار الانقلاب عليها، بعد رفض فتح الاعتراف بفوز حماس في انتخابات 2006، لكن كل ذلك لا ينفي أن تبدأ حماس في تهيئة الأرضية اللازمة، تحضيرا لهذا الاستحقاق الهام، سواء بإجراء مسح لأهم مرشحيها المستقبليين، أو فرضيات الدخول بائتلافات حزبية، أو دعم مرشحين من خارجها.

لقد أدخلت حماس في قوائمها الانتخابية عام 2006 من هم من خارجها، مثل زياد أبو عمرو نائب رئيس الوزراء الفلسطيني الحالي في رام الله، الذي انقلب عليها، وانضم للرئيس عباس، وحسام الطويل المرشح المسيحي الراحل الذي دعمته حماس في الانتخابات التشريعية السابقة 2006 في قطاع غزة، فضلا عن حسن خريشة النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي من الضفة الغربية.

ولعل هذه السوابق تجعل الحركة أكثر إقبالا على ترشيح مستقلين إما في قوائمها التنظيمية، إن وافقوا على ذلك، أو تمنحهم أصوات ناخبيها إن بقوا في قوائم مستقلة، بعد التوافق بينهما على سياسات عامة تحكم علاقتهما في مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية، مع خشية حماس من انقلابهم عليها لاحقا بعد فوزهم في الانتخابات.

تميل أوساط سياسية وازنة في حماس إلى عدم تكرار النماذج السابقة للقوائم الانتخابية التنظيمية الحزبية، فالحركة اكتسبت خبرة طويلة من نموذج الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار، لأنها تعبر عن توافق وطني جامع، وهو نموذج قابل للتكرار في الانتخابات التشريعية.

كما فرضت تجربة حماس البرلمانية والحكومية عليها تغييرا كبيرا بين قياداتها وقواعدها، مما يتطلب منها مستقبلا إدارة حوارات مطولة مع جميع الفصائل، وعدم السماح لأحد منها بالتنصل من مسئولياته بعد الانتخابات التشريعية القادمة، مع أن حماس لم تحسم خيارها النهائي في شكل المشاركة الانتخابية، بانتظار ما قد تسفر عنه حواراتها مع السلطة الفلسطينية والفصائل للتعرف على تفاصيل العملية الانتخابية.

في الضفة الغربية يزداد وضع حماس تعقيدا بسبب الملاحقات الأمنية من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مما قد يجعل كثيرا من المستقلين يخشون الترشح على قوائمها الانتخابية، ويفضلون الترشح كمستقلين فقط، على أن يحظوا بدعم أصوات عناصر حماس الناخبين.

مع العلم أن حماس في كل دورة انتخابية تقدم قوائم موحدة ووجوها جديدة تعزز فرصها بالفوز، فيما تقدم فتح قوائم انتخابية متفرقة ووجوها مكررة، رغم أن استطلاعات الرأي تشير لتراجع حماس بغزة لأن أداءها الحكومي ليس ناجحاً كفاية، مما يؤثر على مكانتها الانتخابية، وتدرك حماس جيدا أن تجربة حكمها للقطاع بعد سيطرتها عليها أواسط 2007 لم تكن نموذجية، بل اعتراها كثيرا من جوانب القصور والإخفاق، سواء لحداثة عهدها بالعمل الحكومي، أو بسبب الحصار المطبق الذي فرضته إسرائيل والسلطة الفلسطينية والدول الإقليمية.

يتحدث الفلسطينيون أن أحد دوافع طرح فكرة القائمة المشتركة في الانتخابات الفلسطينية المقبلة شعور فتح المتزايد بأنه من غير المضمون أن تخوض الانتخابات المقبلة موحدة، أو أن تفوز فيها، وفي الوقت ذاته شعور حماس بأن المطلوب منها خسارة الانتخابات، لأنها لن تُمكّن من الحكم إذا فازت؛ لذا من الأفضل لها بقاء الوضع على ما هو عليه، لأنها تتمتع بغالبيّة مقاعد المجلس التشريعي، وليس مضمونا تكرار ذلك.

ولذلك فإن التجربة السياسية السابقة لحماس، بما لها وعليها ستلقي بظلالها على نتائج حماس في الانتخابات التشريعية القادمة، مما يجعلها أكثر حذرا بتشكيل قوائمها الانتخابية، فتقلل من مرشحي العهد الماضي الذين ارتبط اسمهم بالتجربة السابقة، وتقدم كفاءات جديدة، متوفرة لديها بكثرة، وتحظى بدعم الفلسطينيين.

أخيراً.. قد تبقى حماس وفتح متكتمتان على تحركاتهما الانتخابية في الفترة الحالية لعدم كشف أوراقهما أمام الآخرين، وفي الوقت ذاته استنفار كوادرهما تحضيرا لقرار مفاجئ قد يصدره عباس بتحديد موعد زمني قريب لإجراء الانتخابات، دون نفي أن تكونان في تحضيراتها للانتخابات التشريعية ملزمتان بالبحث عن تحالفات انتخابية من خارج صفوفهما، مع أكاديميين وتكنوقراط ورجال أعمال، واستيعاب مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني من مواطنين ولاجئين، فلاحين، والابتعاد عن القائمة الحزبية المغلقة استفادة من تجربتهما الانتخابية الماضية.

 

المصدر ميدل إيست

https://www.middleeastmonitor.
com/20191210-the-joint-list-in-the-palestinian-elections-opportunities-and-cautions/?fbclid=IwAR040W5-S_05O2QxR03ylCPjy6ZELvpToETVdMxLKcnKdTFeUSZrrFJV4WE