فساد السلطة الفلسطينية وتصفية الحسابات تحضيرا لغياب عباس

  • الجمعة 19 يوليو 2019 05:10 م

فساد السلطة الفلسطينية وتصفية الحسابات تحضيرا لغياب عباس

تشهد الأراضي الفلسطينية منذ أواخر مايو ومنتصف يوليو ظهورا مفاجئا لفضائح الفساد في السلطة الفلسطينية، شملت كشف قضايا خطيرة تتعلق بإهدار المال العام، واستغلال النفوذ، وغسيل الأموال، والتكسب من الوظيفة العمومية، مما أثار كثيرا من التساؤلات حول هذه التسريبات الجديدة والمتزامنة، وانعكاساتها على الواقع الفلسطيني، عقب صدور مواقف دولية تطالب بالتحقيق في قضايا الفساد.

وقد تعرض عدد من النشطاء الفلسطينيين للاعتقال والملاحقة من أجهزة أمن السلطة، واختراق صفحاتهم على الفيسبوك، بعد أن كشفوا عددا من قضايا الفساد الجديدة المتعلقة بكبار مسئولي السلطة المقربين جدا من الرئيس محمود عباس.

السطور التالية تتساءل عن الظهور المفاجئ لفضائح الفساد في السلطة، وهل المسألة تتعلق بتصفية حسابات بين مسئوليها، وتحضير لغياب متوقع للرئيس عباس، وإزاحة المنافسين لبعضهم البعض، وكيف ستكون مآلاتها، هل تحدث تحقيقات قضائية جادة، أم إطاحة بالرؤوس بقرارات سياسية فقط.

آخر تطورات قضايا الفساد تمثلت بإغلاق صفحة المهندس فايز السويطي، أحد مؤسسي "الحراك الوطني ضد الفساد"، بعد كشف ملف خطير يخص أحد مسئولي السلطة، وتحدثت مصادر أخرى عن اختفائه، وسط أحاديث عن تعرضه لعملية اختطاف من الأجهزة الأمنية بالضفة الغربية.

وكان السويطي قد اعتقلته السلطة بعد نشره على الفيسبوك وثائق عن فسادها، وفي ذات الشهر قامت باعتقال الناشط سائد أبو بهاء،لدعوته  لحملة "أنا نازل على الشارع"، الهادفة لإسقاط الفساد والفاسدين.

من القضايا التي كشفها السويطي عن فساد السلطة وثيقة تخص وزير الشؤون المدنية عضو اللجنة المركزية لفتح حسين الشيخ، تظهر استغلال منصبه بقضايا فساد، بينها شراء قطعة أرض برام الله بمليون دولار.

كما كشف السويطي الرواتب الشهرية لكبار الوزراء: محمد مصطفى وزير الاقتصاد السابق ورئيس صندوق الاستثمار 65 ألف دولار، عزام الشوا رئيس سلطة النقد 50 ألف دولار، رفيق النتشة الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد 12 ألف دولار، روحي فتوح عضو اللجنة المركزية لفتح والرئيس السابق للمجلس التشريعي 10 آلاف دولار، زياد أبو عمرو نائب رئيس الوزراء 9 آلاف دولار.

بالتزامن مع الأنباء حول فساد السلطة، نشرت وثائق سرية كشفت أن عباس قرر في 2017 زيادة راتب رئيس حكومته ووزرائه بنسبة 67%، فارتفع راتب الأول من 4-6 آلاف دولار، ورواتب الوزراء من 3-5 آلاف دولار، مما دفع بمبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف للقول إن هذه الزيادة تتحدى المنطق وتثير الغضب، أشار مبعوث الرئيس الأمريكي جيسون غرينبلات أن هذه القضية لا تصدق.

كما ساد الغضب في الشارع الفلسطيني بعد تسريبات كشفت زيادة "سرية" برواتب وزراء السلطة، وأظهرت أن الرئيس عباس صادق على زيادتها بنسبة 67% ومكافآت سخية، فيما يعاني الاقتصاد الفلسطيني أزمة خانقة، وضائقة مالية بسبب تقليص الحكومة لرواتب موظفيها، وتحمل العائلات الفلسطينية نفقات مرتفعة.

كل ذلك أثار غضب الفلسطينيين الذين اعتبروا أن قيادتهم منفصلة عن الواقع الصعب الذي يعيشونه، تعيش حياة ملؤها الترف والبذخ، ويستشري فيها الفساد، ولذلك بات فساد السلطة يحتل مكانة هامة في النقاش الفلسطيني، تطلب تشكيل لجنة خاصة تدقق فيما ينشر عن فساد مالي واستغلال نفوذ، دون جدوى!

الحديث عن فساد السلطة ليس جديدا، لكن أحد أسباب ظهوره مؤخرا قد يتمثل بتصفية الحسابات الداخلية بين مسئوليها، وشعور كل مسئول فلسطيني أنه فوق القانون، حتى لو أدين بقضايا فساد، فيما أعلنت الحكومة الفلسطينية أنها تتابع ما أشيع حول تجاوزات بعض المؤسسات الرسمية، وتؤكد استعدادها لإحالة أي قضية للتحقيق بها، دون أن تنفي أو تؤكد الأنباء المتداولة، مما يشير إلى دقة بعضها.

وكالة TPS الإخبارية زعمت تورط مسئولين فلسطينيين كبارا بقضايا غش وفساد، وهما محمود الهباش وزير الأوقاف السابق ومستشار عباس للشؤون الدينية، والسفير الفلسطيني بماليزيا أنور الأغا، بإنشائهما شركات وهمية لغسيل الأموال، وتحويلها من دبي إلى ماليزيا.

إن تكرار الحديث الفلسطيني عن قضايا الفساد يؤكد أنه لا توجد إرادة لدى السلطة لمحاربته، بل هناك سياسة متبعة من شراء الذمم والولاءات باستخدام المال العام، والنتيجة أن الفساد أثر سلبا على الاقتصاد، فالسلطة أرادت احتكار الاستثمارات، ومقاسمة رجال الأعمال تجاراتهم، مما دفعهم للهروب من الضفة الغربية، أما الدول المانحة الداعمة لها فتتكتم على فسادها لسببين: التزامها بالسلام مع إسرائيل، ورغبتها بعدم علم دافع الضرائب لديها أن أمواله تذهب لفاسدين.

وزير الشئون الاجتماعية الفلسطيني السابق شوقي العيسة كشف عن بعض قضايا الفساد، ومنها ملف بدل السفر للوزراء، الذي يثقل كاهل الميزانية، وفيه كثير من الاحتيال، وأعلن عن سبب استقالته بسبب رفض رئيس الحكومة السابق رامي الحمدلله تعيين الموظفين الأكفاء غير الفاسدين، وترقية سواهم من الفاسدين.

حتى أن زيارة وفد الحكومة الفلسطينية إلى غزة في 2018، كلفت موازنتها قرابة مائة ألف دولار خلال ثلاثة أيام فقط، شملت إيجار الفندق، وتكلفة الطعام، والإنفاق على المرافقين الذين يفوق عددهم خمسة أضعاف الوزراء، وهذه المصاريف بحاجة للجان تحقيق لوقف إهدار ميزانية السلطة.

بسام زكارنة، نقيب الموظفين الفلسطينيين السابق، أكد أن ما صرف للوزراء حصل خارج نطاق القانون، لأنه تم بناء على طلب الوزراء من الرئيس عباس، وليس وفقاً للأصول القانونية، ومنح الوزراء بدل السكن بقيمة عشرة آلاف دولار شهرياً.

وهذا يظهر أن النخبة السياسية المرتبطة بالسلطة اغتنت على حساب بقية الفلسطينيين، عبر التفاوت المفرط في مستويات الدخل، ففيما يتقاضى بعض كبار الوزراء والمسئولين مرتبات شهرية تفوق عشرة آلاف دولار، مع امتيازات أخرى، فإن ثلثي موظفي القطاع العام يتقاضون بين 515-640 دولار شهريًا!

خبراء اقتصاديون فلسطينيون أكدوا أن مراجعة البيانات المالية الفلسطينية الموجهة لهيئة الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الرسمية-وفا، تبين أن موازنتهم تعادل موازنة هذه الوزارات مجتمعة: الاقتصاد، الإعلام، النقل والمواصلات، شؤون المرأة، العدل، السياحة، بقيمة 182 مليون شيكل سنوياً، وهذه سابقة في فساد الحكم، وكيفية تخصيص أموال شعب محتل لتلفزيون فاشل.

وكشفت أول عملية تدقيق فلسطينية 1997 أن 40% من ميزانية السلطة، بما يصل 326 مليون دولار أُسيء استعمالها، فيما حوَّلت إسرائيل 500 مليون دولار لحسابات بعض المسئولين الفلسطينيين في بنوكها.

اقترن الفساد بالسلطة الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1994، ومع مرور السنوات تبين أنه متغلغل وممأسس في صفوفها، وليس فرديا شخصيا، بدليل عدم محاسبة أي مسئول فاسد منذ إنشائها، واليوم تنتشر أخبار الفساد لأن الاستقطاب كبير بين قيادات السلطة، وهناك مناكفة داخلية بينهم، تصل حد الإطاحة برؤوس بعضهم تحضيرا لغياب محتمل للرئيس عباس، وطموح كل منهم أن يكون له مكانة متقدمة في المرحلة القادمة، مما يدفع بعض المسئولين لفضح الآخرين.

اللافت أن قضايا فساد السلطة تأخذ في الانتشار، رغم وجود مؤسسات بمكافحته، مما يعني أن جذوره متأصلة في صفوفها ووزاراتها وأجهزتها، ووجود جهات عليا تحمي الفاسدين، مما يزيد من الحديث عن الفساد بعد الإحباط من عجز السلطة عن وقفه!

تؤكد تقارير الفساد في السلطة الشكوك في شفافية آليات التوظيف للمناصب العليا، فالعام 2018 لوحده صدر فيه 39 قرارًا للتعيينات العالية شملت 62 موظفًا، لم يتم الالتزام فيها بمبدأ تكافؤ الفرص والمنافسة النزيهة.

ومن أبرز هذه الوظائف: سـفراء، مستشارين، رؤسـاء هيئـات مؤسسـات عامـة، وكلاء وزارات، مـدراء عامون، محافظين، مما يكشف عن تراجع وتدهور خطير في مؤشر النزاهة والشفافية بأداء السلطة في التعيينات والموازنة العامة، واستحواذ الطبقة المتنفذة على التعيينات العليا، بسبب غياب الرقابة.

يتزامن نشر فضائح الفساد مع نتائج استطلاع للرأي العام أجراه المركز الفلسطينيّ للبحوث السياسيّة والمسحيّة في الضفّة الغربيّة، نشره في أبريل، جاء فيه أنّ نسبة الفلسطينيّين الّذين يعتقدون بوجود فساد في السلطة تبلغ 82%، وقال 47% أن السلطة أصبحت عبئاً على الشعب الفلسطيني.

أخيراً.. لقد كشفت هذه الفضائح المزيد من الحقائق عن فساد السلطة الفلسطينيّة، كونها تمنح بيئة مثاليّة لظهور الفساد، لأنها ذات مهام أمنيّة لصالح إسرائيل، ومقابل أدائها لهذه المهام يتغاضى المجتمع الدوليّ عن فسادها، فأصبح شريكاً لها، ويغضّ الطرف عن الفساد المالي والاقتصادي لكبار رجالاتها من المحيطين بالرئيس عبّاس، ويتركهم يتلاعبون في المساعدات الاقتصادية الآتية من الدول المانحة.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190718-pa-corruption-and-score-settling-mars-preparation-for-post-abbas-era/?fbclid=IwAR2hdRYy9IaHMXSMWT4bEKfXjXXEfmWvgOHRqPkcs8YLwIEafOhqiVxiJDY