أحداث الأقصى: أكبر من هبّة وأقلّ من انتفاضة

  • الجمعة 19 يناير 2018 12:45 م

أحداث الأقصى: أكبر من هبّة وأقلّ من انتفاضة

          ملخّص

تتسارع الأوضاع الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، تزامناً مع أحداث المسجد الأقصى خلال الأسبوعين الماضيين، فيما أعلن الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس قطع الاتّصالات مع إسرائيل، فضلاً عن قتل الجيش الإسرائيليّ بعض الفلسطينيّين، وتنفيذ هجمات فلسطينيّة قتلت إسرائيليّين وأصابتهم... السطور التالية تنشغل بمعرفة تهيّؤ الظروف أمام انتفاضة جديدة بسبب سياسة إسرائيل في الحرم القدسيّ، والمواقف الفلسطينيّة منها.

******

ما زالت الأراضي الفلسطينيّة تشهد توتّرات ميدانيّة بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيليّ في الضفّة الغربيّة والقدس وحدود غزّة، عقب وضع إسرائيل بوّابات إلكترونيّة داخل عند مداخل المسجد الأقصى في 16 تمّوز/يوليو لتفتيش المصلّين، ممّا أثار غضب الفلسطينيّين، واعتبروه مقدّمة لتغيير الوضع القائم في الحرم القدسيّ، وتقسيمه بين المسلمين واليهود، مما حدا بإسرائيل لإزالة هذه البوابات يوم 25 يوليو.

تزامن مع هذه الأحداث ظهور مواقف سياسيّة فلسطينيّة، تنادي بإطلاق انتفاضة شعبيّة. فقد حذّرت حركتا حماس والجهاد الإسلاميّ في بيان مشترك في 17 تمّوز/يوليو، السلطات الإسرائيليّة من إجراءاتها في الأقصى، وإلّا فإنّها ستواجه بتصعيد كبير، ودعتا الجماهير الفلسطينيّة إلى تصعيد انتفاضة القدس، فيما دعت فتح في 20 تمّوز/يوليو إلى تنظيم التظاهرات في اتّجاه القدس من المدن والقرى والمخيّمات المحاذية.

قال رئيس المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجيّة-مسارات هاني المصري لـ"المونيتور" إنّ "الوضع الفلسطينيّ أمام احتمال متزايد لاندلاع انتفاضة، فأركانها متوافرة، أوّلها العمق الشعبيّ، بدليل الانخراط الواسع من كلّ الأطياف الفلسطينيّة في التحرّكات، وثانيها الاستمراريّة، فقد انطلقت منذ أكثر من أسبوعين في 14 تمّوز/يوليو، وما زالت مستمرّة في بعض المناطق، وسط تقديرات باستمرارها أسابيع عدّة، لكنّ الركن الحاسم من أركان الانتفاضة هو القيادة، وهو ركن ضعيف، بسبب الفراغ الكبير لدور القيادة والقوى السياسيّة الفلسطينيّة، حيث ملأه رجال الدين في القدس والنشطاء والفعاليّات الوطنيّة المحلّيّة".

تفجرت الأحداث يوم 14 يوليو عقب إطلاق ثلاثة فلسطينيين من مدينة أم الفحم داخل إسرائيل النار داخل الحرم القدسي بذات اليوم، على جنود حرس الحدود الإسرائيلي، فقتلا اثنين على الفور، وقتل المنفذون الثلاثة، مما أدى لتدحرج الأحداث، ووضع البوابات الإلكترونية على مداخل الأقصى.

وقال رئيس اللجنة السياسيّة في المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ في رام الله عبد الله عبد الله لـ"المونيتور" إنّ "الهبّة الشعبيّة بسبب التجاوزات الإسرائيليّة في القدس طبيعيّة، ومنطقي أن تتصاعد، فإسرائيل ارتكبت حماقات في المسجد الأقصى، بما يمسّ مشاعر الفلسطينيّين الدينيّة، والرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس يدعم الهبّة الشعبيّة لأنّه منسجم مع الأجواء الفلسطينيّة السائدة، على الرغم من تعرّضه إلى ضغوط إقليميّة ودوليّة وأميركيّة، لكنّه استجاب إلى نبض الشارع الفلسطينيّ، وتحدّى الإجراءات الإسرائيليّة في القدس، والرئيس يؤيّد الحراك الحاصل لأنّه سلميّ شعبيّ، وليس عسكريّاً مسلّحاً، لأنّ أيّ عسكرة للهبّة الشعبيّة ستكون لصالح إسرائيل، ولن تحقّق للفلسطينيّين إنجازاً".

وممّا زاد في تصاعد الأحداث، ما أعلنه عبّاس في 23 تمّوز/يوليو عن تجميد الاتّصالات مع إسرائيل، بما فيها التنسيق الأمنيّ، ممّا دفع أوساطاً أمنيّة إسرائيليّة، لم تسمّ نفسها، إلى أن تتّهمه في 26 تمّوز/يوليو بإعطاء الضوء الأخضر لنشطاء فتح لتصعيد الانتفاضة.

اتّصل "المونيتور" بالعديد من كوادر حماس في الضفّة الغربيّة للاستماع إلى موقفها من التطوّرات، لكنّها رفضت الحديث، بسبب ملاحقة الجيش الإسرائيليّ لها.

لكنّ الناطق باسم حماس في غزّة حازم قاسم قال لـ"المونيتور" إنّ "حماس تواصل إسنادها للانتفاضة على خلفيّة أحداث القدس، وتدعم المرابطين والمرابطات على بوّابات المسجد الأقصى، فالانتفاضة تعبير عن إصرار الفلسطينيّين المنتفضين على مواصلة حماية الأقصى من انتهاك الاحتلال، ولو كلّفتهم أرواحهم ودماءهم، وإنّ كل ّإجراءات الاحتلال وجرائمه من قتل وإعدام على الحواجز وهدم المنازل والاعتقالات وحصار المدن، لن توقف الانتفاضة، لأنّ استمرارها قرار جماعيّ للشباب الفلسطينيّ بالثورة حتّى الانعتاق من الاحتلال".

لم تكتف إسرائيل باتّهام عبّاس والفلسطينيّين بالتحريض على استمرار الانتفاضة، بل قامت بحملات اعتقالات واسعة شملت أنصار فتح وحماس في الضفّة الغربيّة والقدس، فقد شنّت ليلة 23 تمّوز/يوليو اعتقالات واسعة ضدّ كوادر حماس وقياداتها في الضفّة الغربيّة شملت العشرات، وفي الليلة ذاتها، أبعدت بعض كوادر فتح عن المسجد الأقصى، ومنعتها من إجراء لقاءات صحافيّة وخطابات أو الاشتراك في مظاهرات، فيما اعتقل الجيش الإسرائيلي يوم 31 يوليو 40 فلسطينياً في القدس الضفة الغربية، بعد اقتحام منازلهم وتفتيشها. وفي اليوم ذاته أعدت الشرطة الإسرائيلية المتمركزة على بوابات المسجد الأقصى قائمة بأسماء مطلوبين لتوقيفهم واعتقالهم بزعم تصديهم لقواتها في الأيام الماضية.

وعرض جهاز الأمن الإسرائيليّ الشاباك خلال جلسة المجلس الوزاريّ الإسرائيليّ المصغّر في 25 تمّوز/يوليو، سيناريوهات عدّة قد تفجّر الأراضي الفلسطينيّة بسبب أحداث الأقصى، أهمّها اندلاع انتفاضة جديدة، ومشاركة فتح فيها بقوّة، واستخدام مقاتليها الأسلحة الناريّة.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الخليل في جنوب الضفّة الغربيّة بلال الشوبكي لـ"المونيتور" إنّ "اندلاع انتفاضة مرتبط بقرار سياسيّ فلسطينيّ، وما تشهده الأراضي الفلسطينيّة في الأسابيع الأخيرة من حراك شعبيّ تتحكّم فيه الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، التي تسيطر عليها فتح، وهي قادرة على وقف تمدّد الاشتباكات الفلسطينيّة الإسرائيليّة، لكنّ حماس غير مهيّأة لأن تقود حراكاً شعبيّاً، بسبب بنيتها التنظيميّة التي لا تساعدها على إخراج متظاهرين بأعداد كبيرة تناسب حضورها الشعبيّ، بسبب الملاحقة الأمنيّة التي تتعرّض إليها في الضفّة الغربيّة، ممّا يعني أنّ الحركة عاجزة عن التحرّك الميدانيّ، إذا لم تسمح لها الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة بذلك".

يرجّح هذا المعطى أنّ أيّ انتفاضة شعبيّة صادقة قد تندلع، لكنّها تفتقر إلى قيادة موحّدة ترفع برنامجاً وطنيّاً، ولا تستند إلى جبهة واسعة، ولا تتوافر لديها الإمكانات اللازمة، ستكون ردّة فعل موقّتة آنيّة ضدّ إسرائيل، لكنّها قد تؤدّي إلى أحداث من الفوضى قد تأكل الأخضر واليابس، ومن ضمنها إنجازاتها نفسها، إن تحقّقت.

وقد قطع الرئيس عبّاس زيارته إلى الصين في 19 تمّوز/يوليو عقب اكتشافه أنّ نائبه بقيادة فتح محمود العالول، ومستشاره سلطان أبو العنين يعملان خلف ظهره لتصعيد الانتفاضة مع الإسرائيليّين.

عباس لم يدعم هذه التوجهات الثورية لمسئولي فتح، ولم يعاقبهم، لكنه عقد اجتماعا طارئا للقيادة الفلسطينية، وألقى خطابا حمل فيه إسرائيل مسئولية تدهور الأوضاع الأمنية بالقدس، وأعلن عن تجميد الاتصالات معها، بما فيها وقف التنسيق الأمني حتى هذه اللحظة. 

لكنّ عضو المجلس الثوريّ لفتح في نابلس في شمال الضفّة الغربيّة تيسير نصرالله قال لـ"المونيتور" إنّ "عباس يقف على رأس فتح، وباقي الأجسام القياديّة كاللجنة المركزيّة والمجلس الثوريّ الملتزمين بقرار القيادة، فإن قرّرت التهدئة أو التصعيد، فالكلّ سينصاع إلى القرار، بعيداً عن اجتهادات هذا المسؤول أو تلك المدينة، وطالما أنّ إسرائيل تواصل تصعيدها وانتهاكاتها في الأراضي الفلسطينيّة، فإنّ استمرار الردّ الميدانيّ عليها سيكون قرار فتح".

أخيراً... على الرغم من اتّساع رقعة المظاهرات الشعبيّة خلال الأيّام الماضية، واستمرارها في بعض المناطق حتّى اليوم، حيث نظم الفلسطينيون يوم 27 يوليو اعتصامات حاشدة في المسجد الأقصى احتجاجاً على منع من هم أقل من 50 عاماً من دخول الأقصى، فيما اندلعت في اليوم ذاته مواجهات مع الجيش الإسرائيلي عند باب حطة، وأصيب عشرة فلسطينيين بالرصاص الحي، إلّا أنّ الوضع الفلسطينيّ المتأزّم بسبب الانقسام، والاستقطابات التنظيميّة، وغياب عنصر الثقة بين مكوّنات الحالة السياسيّة الفلسطينيّة، يؤكّد أنّ الفلسطينيّين غير مستعدّين بعد لانتفاضة حقيقيّة شاملة ومكتملة الأركان، ممّا قد يرجّح، أن تكون هذه الأحداث موجة انتفاضيّة، أكبر من هبّة شعبيّة، وأقلّ من انتفاضة شاملة.

 

المصدر المونيتور