العلاقات السعودية-الفلسطينية.. التأرجح وعدم الاستقرار

  • الأربعاء 27 فبراير 2019 05:07 م

العلاقات السعودية-الفلسطينية.. التأرجح وعدم الاستقرار

بصورة مفاجئة، عادت العلاقات السعودية الفلسطينية إلى سابق عهدها من الدفء، بعد فتور شهدته الفترة الماضية، حيث التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالملك سلمان، وأعلنت قيادات فتحاوية ثقتها بالسعودية، خاصة بعد أن استعاد الملك سلمان ملف القضية الفلسطينية من ابنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مما شكل مصدر ترحيب فلسطيني.

السطور التالية تناقش تطورات العلاقات السعودية-الفلسطينية، وهل تجعل الفلسطينيين أقرب للسعودية المتريثة في دعم صفقة القرن، أو هكذا يبدو، من مصر التي تبدو متشجعة لها، وفيما تحافظ الرياض على اتصالاتها مع فتح والسلطة الفلسطينية، فإنها تبقي على شبه القطيعة مع حماس، مما قد يطرح الأسئلة حول ما قد تقدمه السعودية للفلسطينيين لاستعادة دورها الإقليمي بعد تورطها في قضية خاشقجي وحرب اليمن.

شكل إعلان السعوديّة في فبراير 2019 بتحويل 60 مليون دولار للسلطة الفلسطينيّة، وهي قيمة مساهماتها عن الشهور الثلاثة السابقة، بعد أن تأخرت عدة أشهر عن دعم الفلسطينيّين، ولذلك فإن استئناف المملكة لهذا الدعم السخي والمفاجئ يفسح المجال لربط وصوله في هذا الوقت بالذات بالموقف الرسميّ للسلطة الفلسطينيّة المتضامن معها في قضيّة مقتل الصحافيّ السعوديّ جمال خاشقجي.

سبق استئناف الدعم السعوديّ للسلطة، أن ثمّنت الأخيرة إجراءات المملكة في قضيّة خاشقجي، وثقتها بالقضاء السعوديّ، بل إن الرئاسة الفلسطينية في أول أسبوعين فقط من انكشاف القضية أعلنت تبنّيها لرواية الرياض، وأصدر الرئيس الفلسطينيّ بياناً أكّد أنّ فلسطين ستبقى بجانب المملكة.

اللاّفت أنّ السلطة الفلسطينيّة بدعمها للسعوديّة في قضيّة خاشقجي، تحدّت الشارع الفلسطينيّ الذي عارض المملكة، سواء بالعرائض الصحافيّة المطالبة بكشف قتلته، أم بمواقف الكتّاب الفلسطينيّين المنزعجة من سلوك السعوديّة في القضيّة، وتجلى الموقف الفلسطيني الشعبي المناهض للسعوديّة حين أدّى المصلّون في المسجد الأقصى الصلاة عن روح خاشقجي.

لا يحتاج أحدنا للتأكيد أن دعم السعوديّة يعني أنّها مرتاحة لموقف السلطة الفلسطينيّة في قضيّة خاشقجي، حيث اتّبعت رام الله سياسة تقوم على عدم إزعاج الرياض، مما جعلها تحظى بهذا الدعم الماليّ، رغم أن هذا الدعم لم يكن قد وعدت به السلطة الفلسطينية من السعودية قبل قضية خاشقجي، كما تدرك السلطة أنّ المنطقة تشهد حالة من الاصطفاف الإقليميّ، وترى أنّ وقوفها بجانب السعوديّة سيعود عليها بالإسناد الماليّ والتأييد السياسيّ، ولم يعد سرّاً أن عبّاس مطمئن لموقف سلمان من صفقة القرن، أكثر من ابنه.

قبل عام بالضبط من تاريخ استئناف الدعم السعودي للسلطة الفلسطينية، وتحديدا في نوفمبر 2017، شهدت علاقاتهما توترا واضحاً عقب طلب محمد بن سلمان من محمود عباس دعم الرؤية الأمريكية للسلام مع إسرائيل، مما أسفر عن فتور في علاقاتهما، وتسبب بتوقف الدعم السعودي عن الفلسطينيين عدة أشهر، لكن الملك سلمان ما لبث أن أعلن في يوليو 2018 عن دعم موقف الفلسطينيين من مستقبل الصراع مع إسرائيل، بعكس موقف ابنه الذي حاول فرض رؤيته عليهم.

يطرح استئناف السعودية دعمها للسلطة الفلسطينيّة عدة ملاحظات، أولها صعوبة أن تقدم على ذلك دون تنسيق مع واشنطن، لأنّها لا تمتلك الجرأة الكافية لتحدّي إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، في ظلّ التوتّر بينهما بسبب قضيّة خاشقجي، مما يعني أن الرياض حصلت على مباركة واشنطن لاستئناف دعمها للسلطة الفلسطينية.

الملاحظة الثانية تكمن في أنّ السعوديّة بدعمها الماليّ للسلطة الفلسطينيّة، ربّما أرادت التغطية على علاقاتها المتنامية مع إسرائيل، ووقف أيّ اعتراض فلسطينيّ عليها، ولذلك امتنعت السلطة الفلسطينية عن إدانة اللقاءات السعودية الإسرائيلية على هامش قمة وارسو الأخيرة.

لعل الملاحظة الثالثة باستئناف الدعم السعوديّ للسلطة الفلسطينيّة أنه تزامن مع الدعم القطريّ لقطاع غزّة بـ150 مليون دولار، مما يكشف حجم التنافس الإقليميّ بين الرياض والدوحة لزيادة نفوذهما في الأراضي الفلسطينيّة، ويسفر عن نوايا السعوديّة بعدم احتكار قطر للمساعدات الماليّة للفلسطينيين، ومزاحمتها في هذا الدور، خصوصاً في ضوء الأزمة المتصاعدة بينهما منذ يونيو 2017، وفيما شكرت حماس قطر لدعمها غزّة، فقد صمتت إزاء دعم السعوديّة للسلطة.

في ذات السياق، ورغم التحسن الظاهري في علاقات السلطة الفلسطينية بالسعودية، فيبدو مهماً الإشارة إلى جهود تبذلها الأخيرة بمدينة القدس، لزيادة تأثيرها على المدينة، عبر المال والمشاريع الاقتصادية، وتقريب بعض الشخصيات المقدسية، مما قد يثير غضب السلطة الفلسطينية.

كما أن هذا السلوك السعودي في القدس، قد يدفع السلطة الفلسطينية لدعم بقاء الإشراف الأردني على الأوقاف الإسلامية المقدسية، وعدم تسهيل إيجاد موطئ قدم سعودي في الحرم القدسي، ورغم أن رام الله وعمان معنيتان باستمرار حصولهما على الدعم المالي من الرياض، لكنهما موحدتان في عدم السماح لها بأن تحل محلهما في الحرم القدسي.

في الجانب الثاني من المشهد السياسي الفلسطيني، تظهر حماس، وعلاقتها مع السعودية، التي لا تمر بأحسن أحوالها، في ظل دخول المنطقة حالة اصطفاف سياسيّ غير مسبوقة، وإعادة إنتاج محاور جديدة تراجعت وتيرتها مع اندلاع ثورات الربيع العربي.

تتابع حماس بصورة دقيقة ما يتناقله الإعلامان الفلسطينيّ والإسرائيليّ عن تقارب مطّرد بين السعوديّة وإسرائيل، والكشف عن زيارات متبادلة، وتنسيق أمنيّ لمواجهة إيران، ممّا جعل الفلسطينيّين ينظرون بريبة وقلق تجاه الدور السعوديّ، حتى أن حماس لم تتباطأ بإدانة أي تطبيع عربي مع إسرائيل، دون ذكر السعودية بالاسم.

لكن التصريحات الأخيرة للوزير السعودي للشئون الخارجية عادل الجبير في قمة وارسو كشفت عن مزيد من توتر علاقة المملكة بحماس، حين ذكر الحركة بالاسم بأنها تتلقى دعما من إيران، مما يعيق التوصل إلى سلام في المنطقة.

في ذات السياق، ليس سرّاً أنّ حماس تعيش أجواء من القلق عقب التوتّر الكبير المتصاعد بين السعوديّة وإيران، لأنّها كما يبدو حريصة على الإمساك بعلاقاتها مع الجانبين المتناقضين في آن واحد، صحيح أنّ ذلك يبدو صعباً، لكنّها لا تمتلك الكثير من العلاقات الإقليميّة، ولذلك، قد لا تقدم قريباً على إجراء مفاضلة صعبة للانحياز إلى أيّ منهما، رغم الجرعات المتزايدة باتجاه اقترابها من إيران.

تبدو حماس في ظلّ تصاعد الخلاف بين الرياض وطهران كمن تقع بين نارين، ممّا قد يتطلّب منها عدم الاصطفاف في أيّ محور كان، حتّى لا تقع في أزمة مع أيّ منهما، بعد أن شهدت العلاقات مع السعوديّة انفراجاً مؤقتاً أحدثته زيارة رئيس مكتبها السياسيّ السابق خالد مشعل الأخيرة لها في يوليو 2015، فيما تشهد علاقاتها بإيران تنامياً متسارعا، مما يثير غضب الرياض.

سبق لحماس في سنوات سابقة أن التزمت مستوى معيناً من عدم إطلاق تصريحات أو تنظيم زيارات إلى طهران، خشية أن يتم احتسابها على المحور الإيراني، لكن الآونة الأخيرة يبدو أن الحركة حسمت خياراتها باتجاه هذا المحور، صحيح أنها لا تفضل هذه التصنيفات، لكن وقائع الأمور على الأرض تقول ذلك.

ربما تعلم حماس جيّداً أنّها تحتاج لإبقاء علاقاتها مع السعوديّة، ولو في حدها الأدنى، لأنها ترى نفسها زعيمة العالم السنيّ، وفي الوقت نفسه لا يرجّح ابتعادها عن إيران صاحبة الدعمين الماليّ والعسكريّ لها، رغم تراجعه الكمي بسبب الأزمة المالية الإيرانية، رغم أن علاقة الحركة بالدولتين ليست وليدة اللّحظة، نظراً لحاجتهما معاً، ومن الأهمية بمكان ألا تنقطع مع أي منهما، فحماس لا يجب أن تجد نفسها في مربّع الأزمات الإقليميّة.

كأن حماس مطالبة بإدراك أن علاقة إيران والسعودية تمرّ في مرحلة حسّاسة جدّاً، قد لا تحتمل منها اتخاذ مواقف حاسمة، لأنّ ذلك قد يجبرها على دفع أثمان باهظة سياسيّة وماليّة، مما يجعلها تفضّل المواقف الضبابيّة تجاههما، وربّما تبقى صامتة حتّى إشعار آخر.

صحيح أن أجواء من الفتور تسود العلاقة بين حماس والسعودية منذ سنوات، بسبب تعثر ملف المصالحة الفلسطينية وتقاربها مع إيران، لكن الحركة يبدو أنها حريصة على عدم توتر العلاقة مع دولة كبيرة بحجم السعودية، بل تسعى لتحسينها، رغم صعوبة الوضع القائم حالياً.

ورغم وجود حالة من البرود في علاقة حماس بالرياض، لكن الحركة تمتلك ما تسميها "حاضنة شعبية" واسعة من نخب ثقافية وإعلامية وجماهيرية داخل المملكة، باعتبارها حركة مقاومة وطنية فلسطينية، بغض النظر عن الاستقطابات العربية الداخلية، والحركة يبدو أنها مصرة على تجاوز الأزمة التي تعصف بالمنطقة العربية حالياً بأقل قدر من الخسائر.

وفي الوقت الّذي تحاول فيه حماس تطوير علاقاتها مع عدد من دول المنطقة، لا سيّما السعوديّة، فإن الفتور المتزايد بينهما، يلقي بظلال ثقيلة على صنّاع القرار داخل حماس، خشية اضطرارهم في لحظة حرجة إلى المفاصلة معها، لكنّها على ما يبدو تفضّل البقاء بعيداً عمّا تعتبره "اللّعب مع الكبار"، كي لا يؤثّر اصطفافها بجانب أيّ منهم سلباً على القضيّة الفلسطينيّة.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190226-saudi-palestinian-relations-appear-to-be-warming-up/?fbclid=IwAR0gyo0kCFCUU8afG7U3UweKojx7D19W4zV7ciTFaTl8H3tJou3j_41IW54