الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية في ظل الانسداد مع إسرائيل

  • الثلاثاء 19 فبراير 2019 06:34 م

الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية في ظل الانسداد مع إسرائيل

 تتزايد الأحاديث الفلسطينية والإسرائيلية والأردنية بشأن خيار الكونفدرالية بديلا عن حل الدولتين، في ظل انسداد الأفق السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما يسلط الضوء على حقيقة المواقف الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية حول هذا الخيار، وما فرص تحققه على أرض الواقع، وما ردود الفعل الرسمية في تلك الدول، بجانب مواقف الرأي العام.

وصلت العلاقات الفلسطينيّة الإسرائيليّة إلى مرحلة من الانسداد السياسيّ غير المسبوق، بسبب توقّف المفاوضات بينهما منذ 2014، ممّا قد يدفع الفلسطينيّين للبحث عن أفكار من خارج الصندوق، عبر الحديث القديم الجديد عن الكونفدراليّة مع الأردن. يقصد بالكونفدرالية بين الفلسطينيين والأردنيين، إقامة دولة واحدة للشعبين، بعد قيام الدولة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل إسرائيل عام 1967، وأن يكون للدولة الواحدة، عاصمتين القدس للفلسطينيين وعمان للأردنيين، وسلطة قضائية مركزية، وقوات مسلحة واحدة قائدها الملك الأردني، ومجلس وزراء مركزي، ومجلس أمة بالانتخاب بين الشعبين، وإتاحة مجال لحركة المواطنين بين المنطقتين بحرية تامة.

انشغلت وسائل الإعلام الفلسطينيّة والإسرائيلية في الأشهر الأخيرة، بالحديث المتزايد عن الكونفدراليّة مع الأردن، في محاولة منها للبحث عن بدائل سياسيّة جديدة تخرج الفلسطينييّن من المأزق السياسيّ الّذي يجدون أنفسهم فيه.

وترى أوساط أكاديمية وسياسية إسرائيلية أن خيار الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية مناسب في هذه الظروف السياسية، في ظل توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإحياء هذا الخيار من جديد، في ظل توجه إسرائيلي يقضي بتعزيز الخيار الأردني، بإعادة السيطرة الأردنية للضفة الغربية، الإيجابي لإسرائيل.

التقدير الإسرائيلي القائم اليوم يشجع هذا الخيار في ظل أن السلطة الفلسطينية لا تقوى على البقاء في الضفة الغربية دون الدعم المالي الأمريكي والحماية الأمنية الإسرائيلية، ولن تنجح بتوفير بدائل عن المساعدات السخية الأمريكية، مما قد يكون مناسبا من مساعدي الرئيس دونالد ترمب، أن يستكملوا جهودهم الخاصة بموضوع الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية.

فيما يعتقد الإسرائيليون الرافضون لحل الدولتين أن الكونفدرالية الفلسطينية مع الأردن، قد تكون الخيار الأمثل بالنسبة لإسرائيل، لأنها تصطاد من خلاله جملة عصافير في حجر واحد، من أهمها
: 1- تعفي إسرائيل من المسئولية عن إدارة شئون ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية، مع تراجع إمكانيات السلطة الفلسطينية من الناحية المالية، والشح الواضح في مواردها المالية

. 2- تعني أن حل الدولتين لم يعد قائما، وليس مجديا، مما يعزز وجهة نظر اليمين الإسرائيلي، الذي يرى أن الحل مات إلى غير رجعة، ويتوافق مع التوجهات الأمريكية الحالية التي قلما تتحدث عن خيار الدولتين، وتنحو باتجاه الحكم الذاتي الموسع. 3-

 تعزز الحديث الإسرائيلي عن الوصاية المصرية على غزة، ولعل نقل المسئولية الإدارية والأمنية المصرية عن غزة يصبح أمرا واقعا، حتى لو كانت الأطراف تواصل رفضها من الناحية الإعلامية

. 4- تستدعي من الأدراج خيارات قديمة لليمين الإسرائيلي، وعلى رأسها الوطن البديل، الذي يثير الكثير من الحساسيات الأردنية، بل يتقاطع مع تنبؤات إسرائيلية تخرج إلى السطح بين حين وآخر، وتتحدث أن الملك عبد الله الثاني قد يكون آخر ملوك الأسرة المالكة

. 5- تحفظ الأمن بالضفة الغربية في ظل وجود أمن أردني يحكم قبضته على الأوضاع، ومحاكاة نموذجية للهدوء المحكم الذي تتمتع به الحدود الإسرائيلية الأردنية طوال عقود من الزمن. لم يعد الأمر يطرح في الأروقة البحثية والدراسية فقط، بل إن الإدارة الأمريكية عرضته على الفلسطينيين، وهو ما صرح به الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من خلال دولة سيادية واحدة وهي الأردن تشمل إقليما جغرافيا إضافيا ذا حكم ذاتي اسمه الضفة الغربية، رغم تحفظ الفلسطينيين على هذا الطرح بهذه الكيفية.

هذا يعني أن فكرة الكونفدرالية بين الأردن وفلسطين عادت من جديد لطاولة البحث السياسي، مما يعني أن المجال قد يكون متاحا أمامها لحل الصراع القائم والبحث عن حلول خلاقة مبدعة، رغم أنها تعني ضمنيا تقديم تنازلات عن مساحات من الأراضي من مختلف الأطراف، كي يكون هذا الحل قابلا للتطبيق. وربما تزداد مثل هذه الأطروحات في ظل الانتخابات الإسرائيلية التي تشهد برامج سياسية تنادي باتجاه الانفصال عن المناطق الفلسطينية، وتبحث عن بدائل لها لإدارتها، وأحد هذه البدائل إعادتها للأردن للقيام بدور الوصي عليها، وإدارة شؤونها، في ظل فشل التوصل لحل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهذه الكونفدرالية قد تتحقق في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بإخلاء المناطق الفلسطينية.

ربما يتوافق هذا الطرح الإسرائيلي حول الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية مع المفهوم السائد في إسرائيل حول رؤيتهم للأردن على أنه الوطن البديل، يعني أن يتحول الفلسطينيون أغلبية سكانية ديموغرافية في المملكة، مما يثير مخاوف الأردنيين، ويجعل رد فعلهم على أي أطروحات من هذا القبيل، بأنها غير قابلة للنقاش؛ لأن الفلسطينيين لهم حق بإقامة دولتهم المستقلة، وهذا لا ينفي انفتاح الأردنيين على أي خيار قد يطرح ضمن رزمة واحدة، برعاية أمريكية بالدرجة الأولى.

أكثر من ذلك، فإن التداول الإسرائيلي الأردني الفلسطيني الأمريكي، لاقتراح الكونفدرالية يشير أن حل الدولتين قد أزيح عن طاولة البحث؛ ورغم أنه لم يتم قبوله من أي من الأطراف، كل لأسبابه الخاصة، لكنه قد يكون بديلا حقيقيا وجادا، وربما يصبح مستقبلا خطوة مهمة وصحيحة؛ رغم أن نقطة ضعفه الحقيقية تكمن في أن عنصر الثقة بين أطرافه تعاني من ضعف شديد.

تعتقد إسرائيل أنه يمكن التدرج في تطبيق الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية مع مرور الوقت، من خلال إيجاد شبكة تعاون متعددة في المجالات المدنية بين الجهات المنخرطة فيه، ما سيكون كفيلا بإيجاد مساحة كافية من الثقة المتبادلة، والضغط على الأردنيين لإبداء قدر أكبر من التعاون، كون الفلسطينيين هم الأكثر حاجة من الأردنيين ليكون لديهم "الأخ الأكبر".

ترى الإدارة الأمريكية التي تتحضر لإعلان صفقة القرن في الأسابيع القادمة أن خيار الكونفدرالية يحظى بالأهمية من قبلها، رغم أن الأردن ليس متسرعا للعودة لما يمكن وصفه "المستنقع الزلق"، لأن من شأنه أن يضعضع الاستقرار لديه.

يطرح خيار الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية أسئلة عديدة دون إجابات واضحة، تدفع بعض الأوساط داخل المملكة للخشية من فقدان هويتها القومية داخل سلطة الكونفدرالية، وربما يمكن تفهّم هذه المخاوف في ضوء لغة الإحصائيّات السكانيّة، فالأردن يضمّ 2.2 مليون لاجئ فلسطينيّ، فيما يبلغ عدد سكّانه 9.5 مليون نسمة، منهم فقط 6.6 مليون أردنيّ، وفي حال تمّت الكونفدراليّة مع الفلسطينيّين، فهذا قد يهدّد "أردنة" المملكة، ويحوّلها مع الوقت دولة فلسطينيّة بأغلبيّة سكانيّة.

لا تخفي إسرائيل أن ترحيبها بهذا الخيار ينطلق من أن تفسيره العملي يعني أن الأردن سيتحول حاميا لحدودها، وسيكون مسؤولا عن منع العمليات داخل الضفة الغربية مع توفر أسباب النزاع: المستوطنات، مكانة القدس والحدود، التي ستواصل تغذية المقاومة الفلسطينية.

في المقابل، يبدي الفلسطينيون ترحيبا بفكرة الاتحاد الكونفدرالي مع الأردن، وفق آخر استطلاعات الرأي، ويرون فيه مخرجا مناسبا من المأزق الّذي يعيشونه، ولأنّهم يمتلكون مع أشقائهم الأردنيّين علاقات تاريخيّة وعائليّة قديمة، وقد تكون الكونفدراليّة بديلاً مقبولاً منهم للتخلّص من الاحتلال الإسرائيليّ، وهناك تواصل دائم بين المسؤولين من الجانبين، وبعض الشخصيّات الفلسطينيّة المرموقة تأتي إلى عمّان، وتلتقي مع مستويات رسميّة عليا فيها، وتتحدّث بصوت عالٍ لدعم الكونفدراليّة، وتظهر ولاء كبيراً للقصر الملكيّ بصورة غير خافية.

رغم هذا التشجع لخيار الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية، لكن هناك إشكاليات قانونية تعترضه، ومنها

: 1- يتطلب إجراء استفتاء بين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها، وهذا صعب لتوزعهم بدول العالم

. 2- المؤسسات التي ستقوم بالاستفتاء، كاللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ليست دستورية، لأنها قامت دون انتخاب ديمقراطي من الفلسطينيين

. 3- الكونفدرالية ستعطي مشروعية قانونية للمستوطنات، وسيتم طي ملف عودة اللاجئين، بدمجهم في الدولة المشتركة بعد قيام الكونفدرالية

. 4- ستكون الدولة الفلسطينية المتوقعة بالضفة الغربية على هيئة كانتونات مقطعة الأوصال منزوعة السلاح، تندمج باتحاد كونفدرالي مع الأردن، وليست دولة مكتملة الأركان ذات سيادة، وتتخلص إسرائيل من الأعباء القانونية للاحتلال، وإدانات المجتمع الدولي.

لعل تزايد التأييد الفلسطينيّ لخيار الكونفدراليّة مع الأردن يدفع لطرح التساؤلات حول سبب هذا التحمّس، وربّما يعود إلى أنّ الفلسطينيّين فقدوا أيّ أمل بإقامة دولتهم المستقلّة، ولم يعد لديهم الكثير من الثقة في السلطة الفلسطينيّة، عقب ما يرونه من إخفاقاتها السياسيّة المتلاحقة مع إسرائيل، فضلاً عن تطلّعهم لأن يكون الأردن مدخلهم الواسع إلى العالم، في ظلّ الحصار المفروض عليهم من قبل الاحتلال الإسرائيليّ، وعدم قدرتهم على الخروج والدخول إلى أراضيهم بطريقة سهلة.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190218-a-palestine-jordan-confederation-is-becoming-a-very-real-possibility/?fbclid=IwAR3hMRgL9D75juQ_cQSjmN2BNdh0pJ0miwlujv44Vji3uV1U7Q7nS0gKlX0