فتح وحماس.. تعثر المصالحة واستئناف التهدئة

  • الأربعاء 19 ديسمبر 2018 10:22 ص

فتح وحماس.. تعثر المصالحة واستئناف التهدئة
 

ما إن تنطلق جولة مصالحة جديدة بين حركتي فتح وحماس لطي صفحة الانقسام الذي بدأ منذ أواسط 2007، حتى تخرج الآمال الفلسطينية بقرب نجاح هذه الجولة، وتشجيع الجهود المحلية والإقليمية والدولية للدفع باتجاه إنجاحها.

 

لقد وقع الجانبان منذ بدء الانقسام على العديد من اتفاقيات المصالحة بدأت بالقاهرة، مرورا بصنعاء، وصولا إلى الدوحة، فضلا عن مكة، حتى كان آخر اتفاق مصالحة في مخيم الشاطئ بقطاع غزة أواسط 2014، لكنها لم تفلح جميعها في تجاوز الكثير من العقبات الكأداء التي اعترضت تطبيقها، وترجمة النصوص الواردة فيها، بحضور ورعاية عربية رسمية، إلى واقع سياسي على الأرض.

  • تطورات متلاحقة

تزداد خطورة بقاء الانقسام الفلسطيني، وعدم تحقق المصالحة بين فتح وحماس، لأن الجولة الجديدة من المباحثات التي شهدتها القاهرة بصورة غير مباشرة بين الطرفين، أحاطت بها جملة تطورات سياسية وعسكرية وأمنية مهمة، لابد من الإشارة إليها:

 

  1. أتت الجولة الجديدة عقب انتهاء جولة التصعيد العسكري الأخير الذي شهده قطاع غزة، الذي حصل أواسط نوفمبر، وانتهى بظهور المقاومة الفلسطينية ويدها هي العليا، باعتراف الإسرائيليين أنفسهم.
  2. التقدم بمفاوضات التهدئة بين حماس وإسرائيل من خلال جهود إقليمية ودولية، مما يمنح غزة فترة راحة أمنية لعدة سنوات.
  3. اقتراب إعلان الإدارة الأمريكية لصفقة القرن التي تتناول إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وسط إعلانات فلسطينية برفض هذه الصفقة.
  4. استمرار الجمود السياسي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل منذ أربع سنوات، وسط دعوات إسرائيلية لفرض حلول على الفلسطينيين، دون الحاجة للمفاوضات السياسية الثنائية.
  5. تتزامن هذه الجولة من المصالحة مع استعداد الولايات المتحدة لتقديم مشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة حماس، وتشجيعها على العنف.

لقد كان متوقعاً أن تسفر جولة العدوان الإسرائيلي الأخيرة على غزة عن زيادة التقارب الفلسطيني، وتجاوز عثرات الماضي، والقفز عن المصالح الحزبية والشخصية للتنظيمين الفلسطينيين، ولذلك فور الدعوة المصرية لقيادات الحركتين لإجراء مباحثات جديدة غير مباشرة قدر الفلسطينيون أن تنجح هذه الجولة بعد أن فشلت جولات أخرى.

 

لكن المفاجأة التي حصلت أن الفشل كان نتيجة هذه الجولة أيضاً أواخر نوفمبر، من خلال صدور جملة تصريحات قاسية عن قيادات فتح، ردت عليها حماس بما يفندها، وجاءت النتيجة الإجمالية أن هذا السجال لم يترك أي شكوك بأن الطرفين ما زالا يدوران في حلقة مفرغة.

 

لقد كانت فتح هذه المرة أكثر قسوة من ذي قبل، فقد أعلنت أن "إنهاء كل مظاهر الانقلاب الذي قامت به حماس هي المدخل الحقيقي للمصالحة الوطنية، ولا شراكة وطنية معها في حكومة وحدة أو منظمة التحرير الفلسطينية قبل زوال كل مظاهر الانقلاب، لأن حوار الطرشان الذي يتم منذ ١١ عاما، وصيغ تبادل الأوراق باتت ممجوجة، ومضيعة للوقت، وتكرس الانقسام، وتقتل فرص المصالحة الحقيقية".

 

أكثر من ذلك، فقد أكدت فتح بصورة رسمية عقب عودة وفدها القيادي من القاهرة أن اجتماعا مرتقبا لإحدى لجان المجلس المركزي الفلسطيني سيبحث إجراءات تقويض سلطة حماس في قطاع غزة؛ لأن الحركة لا تملك الإرادة الكافية لإنهاء الانقسام.

 

حماس من جهتها رأت في هذه التصريحات انقلابا على الجهود المصرية لتحقيق المصالحة، وطالبت فتح بالتوقف عن القفز عن الحقائق، لأن حماس فازت في الانتخابات التشريعية لعام 2006، وفتح هي التي سقطت فيها، بل حاولت مصادرة فوز حماس عبر الانقلاب عليها، واتهمتها باتباع سياسة العنجهية في علاقتها مع المجموع الوطني.

 

هكذا انتهت جولة المصالحة بفشل ذريع مؤسف، ولا يلوح في الأفق أن جهودا جديدة سوف تبذل لاستئنافها، لاعتبارات كثيرة داخلية فلسطينية، وخارجية عربية وإقليمية، والنتيجة أن الفلسطينيين سيستمرون في إدارة انقسامهم بدل حله، والتعايش معه بدل طي صفحته حتى إشعار آخر.

 

تسعى حماس لأن تكون حكومة الوحدة الوطنية قائمة على عدة أسس، أهمها أن يكون برنامجها السياسي لا يعترف بإسرائيل، ولا تتدخل في المفاوضات، بل تبقيها لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن تكون الحركة ممثلة فيها بوزراء من قياداتها أو مقربين منها، دون اشتراط عدد مساوي لفتح، وأن يتم إشراك وزراء من فصائل فلسطينية أخرى كي تعبر هذه الحكومة عن وحدة وطنية حقيقية، تشعر كل الفصائل أنها ممثلة فيها، وتؤكد حماس دائما أن اختيار شخصية رئيس حكومة الوحدة الوطنية يكون بالتوافق معها، وليس فقط بقرار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع ضرورة أن تحظى هذه الحكومة بمصادقة المجلس التشريعي كي تكون شرعية وقانونية.

 

بالنسبة للملف الأمني، ترى حماس أنها أرست قواعد عقيدة أمنية خلال سيطرتها على غزة منذ 2007، ولذلك تريد الحفاظ عليها، تقوم على عدة معايير، أهمها تجريم التنسيق الأمن مع إسرائيل، وعدم ملاحقة الأجنحة العسكرية الفلسطينية، كما في الضفة الغربية، وإقامة تفاهمات مع قوى المقاومة الفلسطينية، دون اعتبار سلاحها خارجا عن القانون، فيما ترى السلطة الفلسطينية أن أي عقيدة أمنية في غزة يجب أن تكون موحدة مع للضفة الغربية عنوانها سلاح واحد، وهو سلاح الحكومة، وما عداه يعتبر خارجا عن القانون، ولذلك يتم ملاحقة المقاومين الفلسطينيين في الضفة ، واعتقالهم، ومصادرة أسلحتهم، وفي ظل التعارض في إدارة الملفين الأمنيين في غزة والضفة، ترى حماس أنه لابد من التوافق على تلك المحددات والمعايير قبل تسليم قطاع غزة للسلطة الفلسطينية.

  • مستقبل التهدئة

ليس سراً أن أحد كوامن غضب السلطة الفلسطينية من حماس تعود إلى الجهود التي تبذلها عدد من الجهات المحلية والإقليمية والدولية لإنجاز التهدئة الأمنية بين غزة وإسرائيل، يتم من خلالها رفع الحصار المفروض على غزة منذ اثني عشر عاما، مقابل تحقيق الهدوء على حدود غزة، وهو مطلب يحظى بإجماع فلسطيني شعبي وفصائلي متفق عليه، باستثناء فتح التي تقود السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

 

تبرر السلطة الفلسطينية رفضها لإبرام التهدئة في غزة أنها ستعمل على ترسيخ الانقسام، وتأبيده، من خلال التعامل مع قطاع غزة كبقعة جغرافية منفصلة عن الضفة الغربية تمهيدا لإعلان دولة فلسطينية فيه، في ظل صعوبة إعلانها في الضفة بسبب التغول الاستيطاني والفيتو الإسرائيلي، وهو تبرير لا يجد اقتناعا به، ورواجا له، لأن حماس وباقي الفصائل الفلسطينية طلبت من السلطة الفلسطينية الانخراط في مباحثات التهدئة، لكن الأخيرة رفضت دون تقديم أسباب مقنعة.

 

اليوم، مع فشل جهود المصالحة بين فتح وحماس، من المتوقع أن تسعى الأخيرة لاستئناف مبادرات التهدئة، ووقف إطلاق النار، والتقدم بخطوات رفع الحصار عن غزة، من خلال رعاية مصرية، ودعم قطري، وغطاء أممي، تعمل جميعها على إيجاد تفاهمات ضمنية بين حماس وإسرائيل، رغم عدم توفر ضمانات واضحة تشير إلى التزام إسرائيلي بما يتم الاتفاق عليه، حتى من خلال حضور ورعاية إقليمية ودولية.

 

لا أحد يعلم كيف سترد السلطة الفلسطينية على فشل المصالحة وعودة مباحثات التهدئة، وسط تهديدات باستئناف العقوبات التي فرضها الرئيس الفلسطيني منذ فبراير الماضي على القطاع، وحديث عن اجتماع وشيك للجنة فلسطينية رسمية مختصة ببحث سلة عقوبات جديدة على غزة، رغم ما يتوفر من معلومات خاصة لكاتب السطور أن السلطة الفلسطينية ليست مطلقة الصلاحيات فيما تفرضه من عقوبات وإجراءات تعسفية ضد غزة.

 

لقد وصلت السلطة الفلسطينية في الأسابيع الأخيرة سلسلة اتصالات وبرقيات متعددة، أوروبية بالذات، تحذرها فيها من مغبة اللجوء لتشديد العقوبات على غزة، لأن ذلك سيعني تدهور الوضع المعيشي هناك، واتساع رقعة الأزمة الإنسانية لتصبح كارثة بكل معنى الكلمة.

 

بل إن الإسرائيليين ألمحوا إلى إمكانية تحويل أموال المقاصة، بدل من إرسالها إلى موازنة السلطة الفلسطينية في رام الله، يتم تحويلها إلى قطاع غزة، خشية أن ينفجر الوضع في وجهها، وهي التي تسعى لتسكين الوضع الأمني هناك، تفرغاً لجبهات أكثر سخونة وحرجا في الشمال مع لبنان وسوريا.

  • إدارة الانقسام

بعد فشل هذه الجولة الأخيرة من مباحثات المصالحة بين فتح وحماس، ربما تواصل الجهود الإقليمية والدولية مساعيها لدى الجانبين لاستئناف تلك المباحثات بعد أخذ استراحة محارب لعدة أسابيع، من باب إدارة الأزمة، وعدم تركها تصطدم بالحائط، لكن ذلك يتطلب انتظار تطورات الفترة القادمة، ومدى قدرة السلطة الفلسطينية على تجاوز الضغوط العالمية عليها في عدم تشديد عقوباتها على غزة.

 

ليس سراً أن السلطة الفلسطينية لديها من الإمكانيات والقدرات على مواصلة خنق غزة، ومحاولة إجبار حماس على التسليم بشروط فتح لإتمام المصالحة، من خلال الضغط على الرأي العام الفلسطيني في القطاع كي يشكل أدوات فاعلة على حماس تجعلها تبدي مرونة أكثر مما أبدته، والموافقة على ما يطرحه الرئيس عباس في خطاباته ومواقفه الدائمة، من خلال نقل النموذج السياسي والاقتصادي والأمني السائد في الضفة الغربية إلى قطاع غزة، الأمر الذي تعلن حماس صباح مساء رفضه جملة وتفصيلا.

 

سنبقى نشهد في قادم الأيام استمرارا للحملة الإعلامية والدعائية القاسية من فتح ضد حماس، فيما ترد الأخيرة عليها، ولا يبدو أن الجانبين بصدد الوصول إلى صيغ تفاهمات توافقية تخرج الوضع الفلسطيني من المأزق الذي وصل إليه.

 

إن كان من مستجد تستند إليه حماس فهو الحالة الإجماعية الفصائلية السائدة في غزة من خلال إدارة التطورات الميدانية، سواء "الهيئة العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار" العاملة منذ مارس الماضي، بمشاركة جميع الفصائل إلا فتح، أو من خلال "غرفة العمليات المشتركة" المسلحة التي تخوض التصعيد العسكري ضد الجيش الإسرائيلي، وتتصدى لأي عدوان إسرائيلي على غزة، حيث تنخرط فيه كل الأجنحة المسلحة، إلا فتح أيضا.

 

ترى حماس من خلال هذه الكيانات التنظيمية والسياسية أنها تتحدث باسم الكل الفلسطيني، فيما تشعر فتح بحالة من العزلة، أو هكذا تقول حماس، رغم أن فتح ما زالت تمسك بين يديها بمفاتيح الشرعية الدستورية والسياسية، سواء في قيادة السلطة الفلسطينية أو أغلبية منظمة التحرير الفلسطينية، حيث يعترف بها العالم ممثلا شرعيا ووحيدا للفلسطينيين، فيما يبحث ذات العالم في مسألة إدانة حماس في الأمم المتحدة، وتوصيفها منظمة إرهابية!

 

إن استمرار الانقسام من شأنه أن يبقي حالة التشرذم السياسي والقطيعة الجغرافية قائمة في الأراضي الفلسطينية، بما قد يمهد الطريق لتطبيق صفقة القرن الأمريكية، التي قد تستغل هذا الانقسام للتعامل مع قطاع غزة والضفة الغربية على أنهما كيانين منفصلين، بحيث يتم تكليف مصر بالإشراف على شئون غزة من النواحي الأمنية والاقتصادية، وإعادة طرح خيار الكونفدرالية بين الضفة الغربية والأردن.

 

يدرك الفلسطينيون خطورة بقاء الانقسام على قضيتهم الوطنية، ويعلمون أن بقاءه يمثل مصلحة إسرائيلية، وربما أمريكية خاصة بصفقة القرن، الأمر الذي يدعوهم إلى طي صفحته، وإنهائه، ورغم تجاوب حماس مع المطالب المصرية من خلال تسليمها المعابر الحدودية، والجباية المالية فيها، لكن السلطة الفلسطينية ما زالت حتى الآن تبدي تمنعاً في التقدم بخطوات موازية، وتضع بدلا من ذلك شروطا تعتبرها حماس تعجيزية، مثل تسليم سلاحها، وإلغاء أي مظهر من مظاهر الحركة في القطاع.

 

من المتوقع أن تسهم صفقة القرن في تراجع شعبية الحركتين معاً، رغم ان الشارع الفلسطيني يرى أنهما تساهمان في إنجازها، عبر استمرار الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة، لأنه يمهد الطريق لتطبيق الصفقة على أرض الواقع، بحيث يتم منح مصر حق الإشراف الأمني والاقتصادي على غزة، والضفة الغربية يكون للأردن دور بإدارة شئونها بالتفاهم مع السلطة الفلسطينية.

 

ينظر الفلسطينيون أن إعلان حماس وفتح معارضتهما لصفقة القرن لا يعني أنهما غير مشاركتين في إنجازها على الأرض، ولو بطريقة غير مباشرة، لأن فتح تتهم حماس بأنها جزء من الصفقة من خلال تفاهمات التهدئة مع إسرائيل في غزة، وحماس ترى استمرار عقوبات السلطة الفلسطينية على القطاع منذ 2017 عنصر أساسي من الصفقة، لأنها تفسح المجال للنفوذ الإقليمي والدولي في غزة، تحت يافطات المساعدات الإنسانية.

 

المصدر الجزيرة الإنجليزية

https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/fatah-hamas-face-trump-deal-disunited-181218093240784.html