الموقف التفاوضي الإسرائيلي من قضية اللاجئين 1991-2008

  • الأربعاء 04 ابريل 2018 09:10 ص

الموقف التفاوضي الإسرائيلي من قضية اللاجئين

1991-2008

بحث مقدم لمؤتمر الجامعة الإسلامية

لا عودة عن العودة

أبريل نيسان 2008

مقدمة

لجأ المفاوض الإسرائيلي في مفاوضاتها، واتفاقياتها مع الفلسطينيين والدول العربية إلى سياسة منهجية تتلخص في عدم إغلاق الملفات نهائياً مع أي من الدول المعنية، وإبقاء الباب مفتوحاً على مختلف الاحتمالات مستقبلاً، مما يثير الريبة من نواياها المستقبلية، وجاء ذلك في التجارب التفاوضية التالية:

  • على الرغم من توقيع اتفاقية السلام مع مصر، أبقت "إسرائيل" مسألة طابا معلقة دون حل في حينه،
  • والحال ذاته مع الأردن حينما وقعت اتفاقية السلام معه، أبقت بعض المناطق معلقة كمناطق وادي عربة، التي أصبحت تحت السيادة الأردنية بحكم هذه الاتفاقية، وتحت حجة الحاجة الإسرائيلية الفنية لهذه المناطق مؤقتاً، تم استئجارها لفترة زمنية قادمة،
  • ومع الحكومة اللبنانية رغم انسحابها من الجنوب اللبناني من طرف واحد، إلاّ إنها احتفظت لنفسها بشريط حدودي عرف بـ"مزارع شبعا"،
  • ومع الفلسطينيين أبقت العديد من الأوراق معلقة بدون حل، وعلى رأسها ملف اللاجئين كإحدى المواضيع الجوهرية في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

وربما سيصل الباحث إلى نتيجة مبكرة أن "إسرائيل" من خلال عدم اعترافها بالمسؤولية عن تهجير اللاجئين، والتعاطي مع الموضوع باعتباره مسألة إنسانية وليس سياسية، يشير إلى أنها لا تنوي إغلاق الملف الفلسطيني مستقبلاً، إذا ما استمرت المفاوضات بين الطرفين، بل إبقائه مفتوحاً لاحتمالات مستقبلية قد تساعدها على إعادة النظر بالمسألة برمتها إذا ما أتيحت لها الفرصة.

وهكذا توحد الموقف الإسرائيلي لجميع أطياف العمل السياسي الرسمي منذ البداية حول الرفض القاطع لتطبيق حق العودة للاجئين، وبالعودة لنصوص الاتفاقات العربية الإسرائيلية الموقعة وهي: كامب ديفيد مع مصر 1979، وإعلان المبادئ المعروف باتفاقية أوسلو 1993، ووادي عربة مع الأردن 1994، يتضح بأنها أسقطت المعالجة الفورية والجذرية لقضية اللاجئين، وإرجائها لمفاوضات المرحلة النهائية، في الوقت الذي لم تشر فيه للقرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 194.

الدراسة التالية تحاول تسليط الضوء على أبرز المواقف الإسرائيلية من قضية اللاجئين، خلال مفاوضاتها مع الفلسطينيين، مع توضيح لأبرز الأساليب التفاوضية الإسرائيلية لتغييب هذه القضية.

وستجتهد الدراسة في الوقوف على المواقف التفاوضية الإسرائيلية من مسألة اللاجئين، وما مدى إمكانية التنازلات الإسرائيلية في هذه المسألة، من أجل الوصول لحل وتسوية عامة لمختلف جوانب الصراع، والتي تشكل مسألة اللاجئين الأهم فيه.

 

أولا: مدخل تاريخي

قبل الحديث بشأن الموقف من قضية اللاجئين خلال المفاوضات مع الأطراف العربية والفلسطينية، ينبغي التنويه هنا أن حق العودة، كغيره من الحقوق التي أقرّها القانون الدولي، ليس قابلا للتفاوض، فهو حق عالمي، وحق قاطع في القانون الدولي، والحل الأنجع الذي سبق واستخدم في جميع قضايا جميع اللاجئين حول العالم دون استثناء، بغض النظر عن معتقداتهم، ديانتهم، جنسياتهم الأصلية، ووضع القرار 194 إطاراً حقوقياً للحل الدائم لقضيتهم، وهكذا فإن موضوعية أية عملية تفاوض للتوصل للسلام، يتمثل بإعادة تأكيدها على حقوق اللاجئين، وتأسيس الآليات والضمانات لتنفيذها.

وحتى في حالة إجراء مفاوضات حول اللاجئين وعودتهم لأراضيهم، فإن الاتفاقية المتفاوض عليها يجب أن توفر ضمانات بالسماح لجميعهم بالاختيار الحر والطوعي لتنفيذ حقهم في العودة، دون أية قيود اعتباطية وعنصرية، وفي حالة اختيارهم لممارسة حقهم في العودة لديارهم ومنازلهم الأصلية داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فمن الضروري إعادة تشكيل القوانين المتعلقة بالجنسية الإسرائيلية، وقوانين الأراضي الخاصة بها، تماماً كما حصل في حالات دول أخرى مثل جورجيا والبوسنة.

ومن خلال ملاحظات جمعت لعدة لجان تابعة للأمم المتحدة التي تقوم بمهام مراقبة تنفيذ اتفاقيات حقوق الإنسان، توصلت لنتيجة مفادها أن على "إسرائيل" إعادة تشكيل القوانين المتعلقة بالجنسية والأراضي لتسهيل عودة اللاجئين.

ويدرك المراقب لسير المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، منذ مؤتمر مدريد 1991 وحتى لحظة كتابة هذه السطور، بقي ملف اللاجئين من مسائل الخلافات الجوهرية بين الجانبين، وتأجل التفاوض حوله لمفاوضات الحل النهائي.

وعليه شكلت مسألة اللاجئين إحدى النقاط الجوهرية الأساسية في مفاوضات الوضع النهائي إلى جانب المستوطنات، المياه، القدس، الحدود، الأمن، والدولة، مما يؤكد على مدى مركزيتها، وأهميتها وكبر حجمها، وغدت تشكل قضية أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني.

وإذا كان للفلسطينيين موقفهم الواضح والثابت من مسألة اللاجئين المتمثل بالتمسك بحق العودة لديارهم، مستندين في ذلك لحقهم الطبيعي وللشرعية الدولية المتمثلة بقرار الأمم المتحدة رقم 194 الذي أشار إلى حق العودة والتعويض لمن لا يرغب، فإن للإسرائيليين مواقفهم الخاصة بهم إزاءها، وهي مغايرة تماماً للمواقف الفلسطينية، ولكن نظراً لاعتراف طرفي الصراع المباشرين، ببعضهم البعض ودخولهم في مفاوضات مباشرة، والتوصل لاتفاقات حول العديد من قضايا الخلاف، والتوقف عند مسألة اللاجئين، وجعلها على جدول أعمال مفاوضات الوضع النهائي، ضمن توجه لإيجاد تسوية عامة للصراع العربي- الإسرائيلي، فستفرض نفسها عليهما في نهاية المطاف.([1])

ثانيا: اللاجئون في برامج الأحزاب الإسرائيلية

عند دراسة البرامج الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية الكبرى، خاصة العمل والليكود،([2]) التي تحدد سياسات الدولة في حالة فوز أي منهما، وتشكيله الحكومة نرى المواقف التالية:

  1. حزب العمل قدم رؤية لا تبتعد عن السياسات المعلنة إن لم تكن تكراراً لها، وذكر برنامجه السياسي في العديد من الانتخابات البرلمانية، أن أي اتفاق سلام متوقع مع العرب سيتضمن مشروعاً لتسوية مشكلة اللاجئين خارج حدود الدولة، بحيث ستدعى الدول العربية جميعاً لاسيما الأردن ودول الخليج للمشاركة في تسوية المشكلة، وسيجند رأسمال دولي لهذه الغاية، لأن "إسرائيل" ترفض حق اللاجئين في العودة للأرض الواقعة تحت سيادتها.([3])

ولم يأت البرنامج السياسي للحزب بجديد في القضية، لكنه كان أكثر وضوحاً بزج الأردن في موضوع تسويتها، وعندما قرنه مع الدول الخليجية، فهذا لا يعني أن تقوم الأردن بتوفير الدعم المادي لتوطين اللاجئين، بل أن تستخدم أراضيها كمكان لحل المسألة، علما بأن توطينهم جميعاً في الأردن تكرر في تصريحات العديد من المسئولين.

  1. أما برنامج حزب الليكود الانتخابي في مراحل مختلفة، فكان ينص على أن يتم تبادل اليهود في البلاد العربية باللاجئين، بحيث يتم نقلهم للبلاد التي جاء منها يهود إسرائيل، وهو اقتراح لا يكلف "إسرائيل" شيئاً، ويحمل البلاد العربية كامل المسؤولية في مهمة توطينهم، لكنه يذهب بعيداً لأهداف إستراتيجية وأمنية، حيث أن الدول التي حضر منها اليهود لإسرائيل بعيدة عن حدودها، على خلاف البلاد التي يتواجد فيها اللاجئون التي تجاور الحدود الإسرائيلية، مما سيوفر أمناً أكبر للدولة.([4])

وأشارت التجربة التفاوضية في جولة من الجولات إلى أن "شمعون بيريز" الزعيم السابق لحزب العمل، ورئيس الوفد الإسرائيلي للاجتماع الأول للجنة الرباعية حول اللاجئين في عمان، طالب بأن يجري ربط عودتهم بقدرة الضفة الغربية وقطاع غزة على الاستيعاب من الناحية الاقتصادية، حتى لا تتسبب عودتهم بأي فوضى واضطراب، بمعنى أنه طرح عقبات جديدة بالإضافة للتعريف والإعداد، فيما استبدل حزب الليكود حين استلم السلطة سياسة وضع العراقيل والعقبات، بوقف التفاوض حول اللاجئين كليا.([5])

إضافة للبرامج الحزبية، ينبغي التنويه للموقف الذي تمثله النخبة الثقافية، من الكتاب والصحفيين، التي تنطلق مواقفهم من قضية اللاجئين من الأسس التالية:

      1. "إسرائيل" دولة يهودية، ولا مساومة على طابعها وهويتها، لأن أي إخلال به عبر عودة اللاجئين ستؤدي إما لتقويض هوية الدولة وتحويلها لدولة ثنائية القومية، وبالتالي انتحارها، أو أنه سيهدد نظامها الديمقراطي، في حال جرى إخراج الفلسطينيين العائدين من اللعبة الديمقراطية الداخلية للحفاظ على الطابع اليهودي للدولة، وهو ما يمكن أن يفضي إلى نظام "أبارتهايد" جديد، وهو ما لا تريده الدولة!
      2. لم يذهب هؤلاء المثقفون في مراجعتهم لجذور الصراع مع الفلسطينيين إلى نهاياته، لأنه سيعني بالضرورة التشكيك بأخلاقية وشرعية الصهيونية، وبمبررات قيام الدولة، وكل المزاعم عن الوطن القومي والقومية اليهودية، لذلك يراجعون الصراع وكأنه بدأ من لحظة حرب حزيران 1967، واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، لأنه سيعفيهم من الدخول في المحظورات التاريخية التي يمكن أن تشكك بالرواية الصهيونية.([6])
      3. ترجم هؤلاء المثقفون مواقفهم عمليا من خلال بيانات وعرائض للرأي العام، جاء فيها أنهم لا يستطيعون الموافقة على عودة اللاجئين داخل الدولة، لأن ذلك يعني القضاء عليها، ولأن العودة الشاملة للفلسطينيين تتناقض مع مبدأ حق تقرير المصير للشعب اليهودي.([7])

وكان ممن وقع على العريضة مجموعة من كبار المثقفين، ومنهم: أ.ب.يهوشاع، عاموس عوز، دافيد غروسمان، لوبيه إلياف، غليا غولان، نيسيم كلدرون، ياعيل ديان، مناحيم برينكر، مائير شليف، زئيف شترنهل.

ثالثا: تطور الموقف التفاوضي الإسرائيلي

أظهر الموقف الفلسطيني خلال اللقاءات التفاوضية حول الوضع النهائي في كامب ديفيد بدايةً في يوليو 2000، وطابا لاحقاً في ديسمبر 2000، بشكل جليّ وللمرة الأولى منذ بداية مرحلة أوسلو درجةً عالية من النقاشات والجدل في أوساط المثقفين والسياسيين الإسرائيليين حول الحلول المطروحة لمعالجة قضية اللاجئين، وبالتحديد قضية حق العودة.

وتراوحت النقاشات ما بين الرفض الكامل والمطلق لعودة اللاجئين، وبين الاعتراف الخجول بعودة عدد قليل منهم، يكاد لا يذكر مقارنة بعددهم الإجمالي، حيث هدفت مؤشرات الاعتراف الخجول هذه للحد من فاعليته، وربطه بكثير من القيود والعقبات، فيما تتضمن جميع تلك الأطروحات الكثير من المضامين التمييزية العنصرية الصرفة، كالحفاظ على أغلبية يهودية ساحقة في "إسرائيل"، مع أقلية هامشية ومحدودة حتى الآن تعترف وتدعم تطبيق حق العودة بشكل كامل، لكن صوتها لم يبرز بعد، ولم تفرض وجهة نظرها ضمن الأطروحات الجماهيرية والنقاش السائد هناك.

ولتقديم قراءة واقعية لطبيعة المفاوضات التي جرت حول اللاجئين، ينبغي الوقوف –سريعا- على أبرز المحطات الرئيسية التي أخذت القضية منها حيزا هاما، هذه المحطات كلها بتلاوين نصوصها التقت على مبدأ التخلي عن حق العودة للديار والممتلكات المغتصبة منذ عام 1948، وراعت في مواقفها حدود الموقف الإسرائيلي، ووقفت عنده في سياسة واهمة تقوم على المقايضة بين حق العودة وباقي الحقوق الوطنية.([8])

1- مؤتمر مدريد: انطلقت عملية التسوية في مؤتمر مدريد بتاريخ 30/10/1991، وكانت شروط عقده الأساسية التي طلبها "إسحاق شامير" رئيس الوزراء في حينه، وهي:

  • إبعاد هيئة الأمم المتحدة عن طاولة المفاوضات.
  • تهميش دور راعيي المؤتمر، واعتماد التفاوض الثنائي المباشر.
  • إقصاء منظمة التحرير، وعدم تمثيل الفلسطينيين مستقلين.
  • تزامن المفاوضات على عدة جبهات، وتحويل قضية اللاجئين للجنة متعددة الأطراف، "تمييعاً" لمسؤولية إسرائيل.([9])

ويبدو أن مرجعية التسوية لم تضع آلية واضحة لحل قضية اللاجئين طبقاً للقرار 194، ولم تشر لحق العودة، بل أكدت فقط على إيجاد حل عادل لها، دون الإشارة لماهيته، رغم إشارة الوفد الفلسطيني أن الحل العادل والشامل موجود في القرار، مؤكدا على ضرورة اعتباره المرجعية التفاوضية للقضية.([10])

وقد شهدت المنطقة منذ انطلاق مؤتمر مدريد، مشاريع وأوراق عمل وتفاهمات، باعتبارها حلولاً لقضية اللاجئين، وعلى الرغم من انطلاقها من أهميتها ومحوريتها، وبأن لا تسوية مستقرة شاملة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حلول تشمل قضيتهم وتضع حداً لاستمرارها، إلا أنها تقاسمت في غالبيتها في ثغرتين:

    1. تجاهل القرار 194 وإغفاله كمرجعية تكفل حقهم بالعودة والتعويض.
    2. أو أنها أشارت له ثم التفت عليه، لتصل بنتائجها لحلول تقوم على توطينهم وتأهيلهم، وإعادة إسكانهم في مناطق تستثني ديارهم وممتلكاتهم.

2- اتفاق أوسلو: جاء التجسيد العملي لسياسة منظمة التحرير في الاتفاق على إعلان المبادئ المعروف باتفاق أوسلو بتاريخ 13/9/1993 بصيغته التي تجاهلت قرارات الأمم المتحدة كافة، معتبرة المفاوضات نفسها مرجعية العملية التفاوضية، وما يتم الاتفاق عليه هو التطبيق العملي للقرارين 242 و338.

أكثر من ذلك، فإن كل ما ورد في اتفاقية أوسلو عن قضية اللاجئين هو الإشارة لبحثها في مفاوضات الحل النهائي، دون أي ذكر لحق العودة، وربما كان من الآثار الكارثية للاتفاق، أن القضية أصبحت ضمن القضايا المؤجلة والمرحلة إلى سلة الوضع النهائي، بحيث لا تؤخذ في الاعتبار إلا بعد فترة انتقالية مقدارها خمسة أعوام، وهكذا بدأ الحديث الأميركي عن توقيعه باعتباره تاريخاً فاصلاً يشطب ما قبله.

هذا ما حدث تماماً بعد أشهر قليلة من توقيع الاتفاق لدى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1993، فقد سوت الولايات المتحدة البعد القانوني لحق العودة في سياستها مرة واحدة إلى الأبد، وامتنعت إدارة الرئيس "بيل كلينتون" للمرة الأولى عن التصويت لصالح القرار 194 القاضي بعودة اللاجئين، متخلية عن مواقفها السابقة حين كانت تبادر لتقديمه للجمعية العامة، وإعادة التأكيد عليه سنوياً.

وتبيّن من خلال متابعة مجريات عملية التسوية، أن الإسرائيليين استفادوا من تأجيل البحث في قضية اللاجئين، حيث عملوا على إنضاج الشروط مع الجانب الفلسطيني المفاوض، التي تسمح بالقفز عن تسوية القضية في إطار إنجاز حق العودة إلى الديار والممتلكات، وهو ما وجد تعبيراته المختلفة، من خلال التفاهمات والوثائق التي أُنجزت بين شخصيات قيادية، من قبيل تفاهمات بيلين- أبو مازن، وقريع- بيريس، ونسيبة- أيالون، أو التصريحات التي صدرت عن شخصيات على رأس هرم السلطة الفلسطينية.([11])

3- الاتفاقات الثنائية: التي تسببت بكوارث سياسية مست بمصير اللاجئين، وزجت بهم في مستقبل مجهول يصعب التخلص من آثارها، من خلال:

  • فصل قضية لاجئي عام 1948، عن لاجئي عام 1967 وما بعدها، تحت تصنيف لاجئين ونازحين.
  • تجريد قضية اللاجئين عموما من مظلتها الدولية.
  • تجرؤ الولايات المتحدة على الامتناع عن التصويت لصالح القرار 194، ابتداء من الدورة الخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة.([12])
  • إلغاء جميع الإنجازات التي حققها الفلسطينيون على مدار أكثر من نصف قرن من الصراع، حيث يقول المؤرخ الأمريكي "نورمان فنلكستين" : إن اتفاق أوسلو في الحقيقة أقل من لا شيء، لأنه بجرة قلم اعتبر كل قرارات الأمم المتحدة لاغية، وأن كل المؤسسات الداعمة للقضية الفلسطينية ماتت أو اختفت.
  • إحالة قضية اللاجئين إلى لجنتين، لجنة متعددة الأطراف للاجئي عام 1948، ولجنة رباعية للاجئي 1967، وبقيت أعمالهما رهنا بالمفاوضات النهائية، ولم تستطع وضع تعريف للاجئ منذ بدء أعمالها.([13])

4- الموقف من لم الشمل: التي تعتبر أوسع من قضية اللاجئين، ذلك أن لم الشمل حق مبدئي تعترف به المواثيق الدولية، ومنها المادة 74 من ميثاق جنيف، وقرار هلسنكي النهائي لعام 1974، ومشمول في جميع قوانين الهجرة لدى معظم الدول، ويجب ألا يخضع للمساومة السياسية، ومع ذلك، فكيف تعاملت "إسرائيل" معه؟

في الجلسة الرابعة لجلسات المفاوضات المتعددة الأطراف في تونس عام 1992، تم البحث في القضية، وقدم الوفد الفرنسي ورقة ورد فيها: "جمع الشمل يتم لأسباب إنسانية، لذا سيقتصر على نازحي 1967، وان كان مكان جمع الشمل مرتبط برغبة الطرف الآخر"، وارتباطاً بهذه النقطة صرح "يوسي بيلين" رئيس الوفد الإسرائيلي لهذه الجلسة بأن جمع الشمل يعني هذه النقاط:

  • انطباقه على الجميع بصرف النظر عن أصلهم ومكان ولادتهم، ويلاحظ أنها لم تطبق هذا الالتزام سوى لحالات محدودة جداً جداً.
  • الدعوة لحل مشكلة الـ85 ألف فلسطيني الذين انتهت تصاريحهم.
  • رغم قبولها السماح بألفي طلب جمع شمل سنوياً، أي قبول 6000 شخص، وقبولها بتشريع وضع ستة آلاف شخص يقيمون في الضفة والقطاع بصورة غير قانونية، إلا أن "بيلين" اعترف بأنه تم إقرار فقط 1014 طلب عام 1993 بدل 2000 طلب، وأن هذه الطلبات شملت ما لا يزيد عن 1500 شخص فقط.
  • المطالبة بمراجعة الأمر العسكري 1208 الذي يضع قيودا على جمع شمل الأولاد.([14])

وفي شباط 1994 التقى ممثلو ثماني منظمات لحقوق الإنسان مع دائرة القانون الدولي في جيش الاحتلال ومسئولين آخرين لبحث القضية، وامتد الاتفاق لمحكمة العدل العليا ليشمل جميع الزوجات والأزواج والأطفال الذين دخلوا البلد خلال الزيارة الصيفية عام 1993.([15])

ويمكن النظر لأهم البنود الإجرائية التي تم التطرق إليها الاتفاق الإضافي:

  1. عدم المطالبة بالغرامات المفروضة بأثر رجعي على من أقاموا بصفة غير قانونية بالضفة والقطاع.
  2. ينبغي أن يذكر خطياً سبب رفض طلب لم الشمل.
  3. أن يشمل اتفاق المحكمة العليا الزوار الداخلين لـ"إسرائيل" أول مرة ثم للأراضي المحتلة، بحيث يحصلون على التفويض ذاته الذي حصل عليه من دخلوا للمناطق مباشرة: تصاريح تجديد الزيارة لمدة ستة أشهر وفوائد أخرى.
  4. تلتزم الإدارة المدنية الإسرائيلية بنشر الخطوط العريضة الخاصة بطلبات لم الشمل.([16])

5- المفاوضات المتعددة: عموما، فقد تبلور الموقف الإسرائيلي خلال المفاوضات المتعددة برفض حق العودة رفضاً مطلقاً، ووفقا لشهادة أحد المفاوضين الفلسطينيين فقد تشكل ما يشبه إجماعا إسرائيليا حوله، على اعتبار أن استخدام هذا الحق، يعني تبعات سلبية وكارثية عليها، أهمها:

  1. تدمير الدولة العبرية، وإلغاء هويتها وكيانها,
  2. سيكون له كبير الأثر على التركيبة السكانية الإسرائيلية، عبر تلاقيهم مع إخوانهم في الداخل، والبالغ عددهم زهاء المليون.
  3. تحالفهم مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع، والبالغ عددهم ثلاثة ملايين ونيف.
  4. دفع تعويضات اللاجئين بالتحفظ، وربطه بدفع تعويضات متعادلة ليهود الدول العربية الذين غادروها لـ"إسرائيل"!([17])

وشكلت الورقة الإسرائيلية المقدمة للجنة اللاجئين في المفاوضات متعددة الأطراف، نموذجا للتجاوب بين التصور الذي يتبناه صانع القرار، ومراكز البحث وتفكير القيادات الحر بعيدا عن المؤسسة الحاكمة، حيث تضمنت ذلك التصور المشترك، فضلا عن المقترحات التقليدية بخصوص القضية منذ عام 1948، من خلال المرتكزات التالية:

  1. عدم الاعتراف بالمسؤولية الإسرائيلية عن قضية اللاجئين.
  2. لم يبذل العرب جهدا لمعالجة القضية كما فعلت هي مع "اللاجئين اليهود من دولهم.
  3. عدم انطباق كلمة اللاجئين في قرار 242 على الفلسطينيين فقط،بل على اليهود أيضا.
  4. ترى أن التبادل السكاني ظاهرة سائدة في التاريخ الإنساني، ويمكن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين واليهود عن طريق الهيئات الدولية.
  5. عند مناقشة التعويضات، يجب أن يؤخذ في الاعتبار الأملاك التي خلفها اليهود الذين تركوا البلاد العربية من العراق حتى المغرب، وفي المحصلة ينبغي أن تحل قضية اللاجئين في أماكن إقامتهم.
  6. حل مشكلة المخيمات بمساعدة سخية من العالم، بما في ذلك الدول العربية النفطية.([18])

تأسياً على ما سبق، من الواضح أن الموقف الإسرائيلي الرسمي إزاء قضية اللاجئين، يتمتع بتأييد داخلي واسع، ومن الصعب وضع احتمالات مستقبلية بشأن تغيير جدي في هذا المفهوم إسرائيلياً، ذلك أن قيامها على الأراضي التاريخية الفلسطينية، واستقدام مهاجرين من دول العالم بدلاً عن السكان الأصليين، من شأنه أن يفضي للموقف الرسمي، وبالتالي فإن حالة التحسس الشعبي الفلسطيني لمعنى قيام الدولة العبرية، وما شكله ذلك من حالة نكبة فلسطينية من شأنه أن يفضي بدوره لأشكال من الصراع يطال جوهر الأمور.

رابعا: الموقف الإسرائيلي في المفاوضات النهائية

على الصعيد الثنائي، بدأت مفاوضات الوضع النهائي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بتاريخ 8/11/1999، لمناقشة أكثر القضايا حساسية، والمتمثلة في القدس، اللاجئين، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود، العلاقات والتعاون مع الجيران، وأية قضايا ذات اهتمام مشترك بين الجانبين، وعلى ما يبدو كانت مفاوضات شاقة وشائكة، ولم تتكلل بالنجاح نتيجة التعنت الإسرائيلي في رفضه لعودة اللاجئين.

وفي أول جلسة رسمية للمفاوضات، قدم الوفد الفلسطيني ورقة رسمية تطالب بعودة اللاجئين لديارهم وتعويضهم طبقاً للقرار 194، وتحميل "إسرائيل" المسؤولية التاريخية والسياسية والأخلاقية والقانونية عن نشوء قضيتهم، وتوضح موقف منظمة التحرير من الناحية التاريخية والوضع السياسي الراهن، إلا أن الجانب الإسرائيلي الذي ترأسه "عوديد عيران" رفض الورقة بشكل مطلق.

وبعد عدة جولات تفاوضية عقدت في قاعدة "بولينغ" الجوية بواشنطن، وما تبعها من مفاوضات بمدينة إيلات على سواحل البحر الأحمر، بدأت معالم الحلول الإسرائيلية المطروحة لقضايا الحل النهائي تتضح، وتتبلور حول تصفية قضية اللاجئين بإلغاء حق العودة، والتركيز على التوطين والعودة لأراضي الدولة الفلسطينية.

ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن الموقف من قضية اللاجئين خلال المفاوضات دون التطرق لما قدمه الوفد الفلسطيني من مطالب محددة وواضحة، على النحو التالي:

  1. يجب العثور على حل تعترف فيه "إسرائيل" بضرورة وجود حل لمشكلة اللاجئين بصورة عادلة حتى يمكن التوصل لسلام عادل دولي ودائم.
  2. تعترف "إسرائيل" بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية لنقلها بالقوة الفلسطينيين وسلبهم خلال حرب عام 1948، والمسؤولية عن الحيلولة دون عودتهم لمنازلهم حسب قرار 194، حيث أن جميع اللاجئين الذين يتطلعون للعودة لبيوتهم هناك، ويطالبون بالعيش بسلام مع جيرانهم يحق لهم تجسيد حق العودة والتمتع فيه.
  3. اللاجئون القاطنون في لبنان يتمتعون بحق العودة لـ"إسرائيل" خلال عامين من تاريخ توقيع الاتفاق، ويحق لعدد محدد منهم بالعودة لأراضي 48 كل عام، وقرار العودة يتخذه اللاجئون بصورة حرة ويطبق بأسلوب يضمن تكامل الأسرة، والحصول على الجنسية الإسرائيلية فور عودتهم، لتنتهي مكانتهم كلاجئين.
  4. عودة الأراضي التي كانت ملكاً للاجئ في فترة طرده من مكان سكناه أو لورثته الشرعيين، وإذا لم يكن هذا ممكناً يحق له أو لورثته الحصول على أرض أو عقارات بديلة في "إسرائيل".
  5. تعويض "إسرائيل" للاجئين عن كل حالات الوفاة والإصابة والنقل المادي والأضرار النفسية وفقدان الأملاك، بالإضافة لأن الذين يطلبون العودة يحق لهم الحصول على مساعدة لتأهيلهم في التأقلم في بلدهم الأصلي، أما الذين لا يريدون العودة فيحصلون على تعويضات مقابل تخليهم عنه، ولإعادة دمجهم في دول أخرى، علما بأن حقيقة تجسيد الفلسطيني لحق العودة لا تمس بحقه في الحصول على تعويضات.
  6. تقوم "إسرائيل" بتعويض منظمة التحرير عن الأملاك الفلسطينية داخل حدودها، وفي ضوء أنها المسئولة عن تقديم التعويضات فهي التي تدفع الأموال المطلوبة، ويتم التمويل من أملاك الغائبين الموجودة لدى وزارة المالية، ويمكن استخدام المبالغ التي جمعتها الصناديق الدولية لاستكمال دفع الديون الإسرائيلية.

وجاء الموقف الإسرائيلي واضحاً من خلال تصريحات "إيهود باراك" رئيس الوزراء، الذي عرف بصاحب اللاءات الخمس، ومنها لا لعودة اللاجئين، حيث قال خلال زيارته للولايات المتحدة: إن الإسرائيليين لم يطرحوا على جدول أعمال المفاوضات مع العرب مسألة اللاجئين، وأوحى أن هذا الأمر سيتم مناقشته داخل المفاوضات المتعددة، وهي اللجنة المعنية بتأهيلهم ودمجهم في المجتمعات المضيفة، ولا تتعاطى في موضوع حق العودة، مطالبا الفلسطينيين بالتخلص من الأفكار التي تراودهم في مطالبة "إسرائيل" بتنفيذ القرار 194 على المساحة القليلة التي ستبقى لها بعد تقديم التنازلات الإقليمية.([19])

وقد استند موقف "باراك" فيما يتعلق بحل قضية اللاجئين الذي طرحه في مفاوضات الحل النهائي على الأسس التالية:

  1. حرمانهم من حق العودة، مقابل حصولهم على تعويضات دولية، فيما تتحمل "إسرائيل" جزءاً من المسؤولية التاريخية عن مأساتهم،
  2. تشكيل هيئة دولية لتعويضهم وإعادة تأهيلهم، وإبداء الاستعداد للمشاركة فيها،
  3. الموافقة على عودتهم للأراضي الفلسطينية التي ستقام عليها دولة فلسطين، بالرغم من أن وزارة الخارجية اقترحت في هذا الإطار الاستعدادات لمفاوضات الحل الدائم تقييد دخولهم لأراضي السلطة وحسب قدرتها على الاستيعاب، إلا أن باراك فضل ترك المسألة للمفاوضات، كما تضمنت مقترحات الوزارة توطين أغلبيتهم في الأردن وسوريا ولبنان،
  4. الإعلان عن حل "الأونروا" لتحل محلها الهيئة الدولية الجديدة، وارتباط التسوية بالأموال التي ستخصص للاجئين، بحيث يكون لها دور على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

وبالتزامن مع أطروحات "باراك"، أكدت مصادر صحفية مقربة من صنع القرار أن "إسرائيل" لن تتفاوض حول حق اللاجئين في العودة إليها، بل ستتفاوض في طريقة استيعابهم على مراحل في دولتهم الجديدة، على أن يكون هذا الاستيعاب محدوداً، مقترحة قبولها بعودة عدد محدود منهم في إطار جمع شمل العائلات، على ألا يزيد عددهم عن عدد المستوطنين الذي سيعيشون على أرض الدولة الفلسطينية.

ويتضح من العرض السابق أن الحكومة الإسرائيلية رفضت التعامل مع اللاجئين على قاعدة القرار 194، والاعتراف بحق العودة للاجئين لأراضي الـ48 التي طردوا منها، ولن تجد في جعبتها وبرامجها السياسية سوى التوطين في الدول العربية المقيمين فيها، وعودة محدودة لأراضي الدولة الفلسطينية، وقد تسبب هذا الموقف المتعنت في فشل كافة الجولات التفاوضية بين الطرفين، وجعلها عقيمة لم ولن تسفر عن أية نتائج إيجابية.

وفي ظل هذه الأجواء طرحت الولايات المتحدة عدة مقترحات لحل القضية، للتوفيق بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي، ووفقها قالت "فيليس أوكلي" مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون اللاجئين أنها تود اقتراح مبادرة عملية لتطبيق الممارسات والمبادئ الخاصة باللاجئين في العالم على الفلسطينيين، عبارة عن برنامج دولي لإعادة التوطين، يبدأ بالموجودين في لبنان، ومن الممكن أن يبدأ العمل به الآن.([20])

وقالت "أوكلي" أنه بموجب وكالة الأونروا فإن اللاجئين لم يخضعوا قط للمبادئ التي يخضع لها أولئك الذين يتمتعون بحماية المفوضية السامية الدولية، التي تحدثت عن ثلاثة حلول لجموع اللاجئين هي:

  1. عودتهم لوطنهم، وهو الحل المفضل الذي استخدم أكثر من غيره من الحلول،
  2. الاندماج محلياً أو توطينهم في البلد الذي لجأوا إليه في البداية،
  3. إعادة التوطين في بلد ثالث، مشيرة إلى أن أفضل مثال على إعادة التوطين هو البرنامج الفيتنامي الذي تعامل مع الفارين بالزوارق، وعرف بخطة العمل الشاملة التي وقعتها 60 دولة بدعم من الولايات المتحدة في حزيران 1989، ودعت لإعادة التوطين والعودة لفيتنام، داعية لتطبيق مبادئ هذا البرنامج، إعادة التوطين والعودة معاً بالنسبة للفلسطينيين.

وترى المبادرة أن "إسرائيل" ستكون أكثر رغبة في قبول بعض اللاجئين، ويتوقع أن يمنح لبنان المواطنة والحقوق المدنية لبعضهم، مشيرة إلى اعتقادها أنه بالإمكان إيجاد برنامج فعال وإنساني وتطوعي وعادل لإعادة التوطين، دون إلحاق إي إجحاف بمبادئ حق العودة والتعويض وهي المبادئ القانونية والأخلاقية الصعبة، بحيث يمكن فيما بعد تكييف هذا البرنامج بالنسبة للاجئين في الدول المجاورة كما سيحصل مع لبنان، خاصة أن هذا البرنامج سيساعد في إيجاد حلول عملية لهذه المسائل مما يزيح أحد الحواجز التي تقف في وجه عملية التسوية، وعلى ما يبدو فإن الاقتراح الأمريكي يهدف وبشكل غير مباشر، لإيجاد حلول تخرج عن إطار ما نص عليه القرار 194، في ضوء الموقف الإسرائيلي المعلن، وهو أمر قوبل بالرفض من قبل الفلسطينيين.

خامسا: مفاوضات كامب ديفيد: في ظل التدهور السياسي والتفاوضي بعد فشل العديد من اللقاءات بين الطرفين، شهدت أسابيع صيف 2000 حرارة وكثافة غير معهودة من الجانب الأمريكي لترسيخ تسوية سلمية في الشرق الأوسط، خاصة بعد إدراكه أنهما غير قادرين على إيجاد حلول للقضايا العالقة وفي مقدمتها قضية اللاجئين، مما أدى لعقد قمة كامب ديفيد الثانية بين 11-25/7/2000 جمع ياسر عرفات وإيهود باراك بحضور بيل كلينتون.

وبات واضحا أن الحل الذي حمله "باراك" للمفاوضات يستند لرفض الاعتراف بالمسئولية الأخلاقية والقانونية عن تهجير اللاجئين، إلا أن "إسرائيل" ستوافق بشكل رمزي على تطبيق القرار 194، وعلى عودة عدد محدود منهم في إطار لم شمل العائلات ولأسباب إنسانية، وستوافق على عودة نصف مليون لاجئ لأراضي السلطة الفلسطينية.([21])

وتشير مصادر إسرائيلية رافقت المفاوضات أنها شهدت اتفاقاً مبدئيا بخصوص اللاجئين يستند لما سبق، وقد يحتاج لاتفاق لتحديد المدة، أما العودة لأراضي السلطة، فتعتمد على قدرتها الاستيعابية، وزادت العدد المتوقع عودته لمليون لاجئ، سيوطنون في غور الأردن ومناطق أخرى من الضفة الغربية.([22])

وعرضت الباحثة الإسرائيلية "تانيا راينهارت" معلومات هامة عما دار في مباحثات كامب ديفيد بشأن اللاجئين، في كتاب نشرته قبل عدة أعوام جاء في مقدمته: تأسست دولة "إسرائيل" في العام 1948، بعد حرب يدعوها الإسرائيليون حرب الاستقلال، في حين يطلق عليها الفلسطينيون اسم النكبة، كان هناك شعب ملاحق، مضطهد، سعى لأن يجد لنفسه ملاذاً ودولة، وحقق مسعاه على حساب شعب آخر دفع لقاء ذلك أجراً فادحاً، في حرب 1948 تلك، قام الجيش الإسرائيلي بترحيل نصف الفلسطينيين، الذين كانوا يعدون في ذلك الحين 1,38,000 نسمة خارج ديارهم.

ورغم أنها تعترف بما اقترفته العصابات الصهيونية بحق سكان فلسطين الأصليين؛ إلاّ أنها تبرر الجريمة التي تقرّ بأنها حملة تطهير عرقي، باعتبارها ليست عملية استثنائية في التاريخ، فما فعله الإسرائيليون لا يقارن بالتطهير العرقي الذي مارسه الأمريكيون وحكومتهم على سكان أمريكا الأصليين، ولو أن "إسرائيل" توقفت عند ما حدث في العام 1948، لاستطعت التعايش مع ذلك الواقع، إذ أنني كإسرائيلية، ترعرعت وأنا أعتقد بأنه يمكن الصفح يوماً ما عن هذه الخطيئة الأولى التي قامت عليها دولتنا".([23])

ومن خلال ما تسرب من معلومات كشفت "راينهارت" أن فكرة "إسرائيل" الجوهرية خلال مفاوضاتها حول اللاجئين، تتلخص في أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية حل مشكلتهم، وتضمنت الفكرة مساهمته بمبلغ عشرين مليار دولار خلال فترة تتراوح بين 15 و20 عاما، للوفاء بكافة مطالبهم، على أن تمنح هذه الأموال كتعويض عن ممتلكاتهم، ومساعدة للبلدان التي سيستوطنون فيها.

وقد تطرق الموقف الإسرائيلي في كامب ديفيد لخيارات ثلاث تعرض على اللاجئين، وهي:

  1. الاستقرار في الدولة الفلسطينية القادمة.
  2. البقاء حيث هم.
  3. الهجرة لبلدان تفتح لهم أبوابها طوعاً مثل كندا وأستراليا والنرويج.

وتلخص الالتزام الوحيد الذي تضمنه عرض "باراك" في حرية استقرار اللاجئين في الكيان الذي سيطلق عليه اسم الدولة الفلسطينية إذا شاءوا، إلا أن العديد من الدلالات تشير إلى أنه -والكلام لـ"راينهارت"- لم ينوِ يوما حتى السماح بهذا.([24])

على المستوى الرمزي المتعلق برواية الأحداث، أي هل أن "إسرائيل" مستعدة للاعتراف بمسؤوليتها عن مشكلة اللاجئين أم لا، تقول الكاتبة إن حل هذه المسألة لن يكلفها ثمنا ماديا، وأقل ما يمكن لـ"باراك" أن يقدمه إن سعى لإنهاء الصراع هو الاعتراف، فخلق روح تصالحية لن يعرض للخطر أيا من مصالحها المعلنة، ومع ذلك، فحتى هذه الإشارة الرمزية كانت كثيرة جدا بالنسبة له، واكتفى برفض التحدث عن دورها في المشكلة، مؤكدا بدلا عن ذلك على صيغ مبهمة تعترف بمعاناتهم، لكن ليس بمسؤولية "إسرائيل" عنها.

وما لبث أن جاء الموقف الإسرائيلي أكثر وضوحا حين أعلن بيان الحكومة في مؤتمر صحفي لدى اختتام المفاوضات: تعتبر الأفكار ووجهات النظر والمواقف التي وردت في سياق القمة باطلة المفعول، من حيث اعتبارها مواقف افتتاحية، وهي باطلة ولاغ مفعولها.([25])

وكان "باراك" أكثر صراحة بقوله في لقائه مع "بيني موريس": لن نسمح بعودة لاجئ واحد على أساس حق العودة، ولن نقبل بالمسئولية التاريخية التي أدت لخلق مشكلة اللاجئين.

ولعل إجابته اتفقت مع التوجه الإسرائيلي الشعبي ضد أي تعاطي مع قضية اللاجئين، حيث أظهرت نتائج استطلاع للرأي العام أجري عقب فشل مفاوضات كامب ديفيد بتاريخ 27-29/7/2000، أن 66% من الجمهور الإسرائيلي يرى أن الموقف الرسمي في موضوع اللاجئين الذي قدم اعترافا بمعاناتهم، لكنها لن تعترف بالمسؤولية الأخلاقية أو القانونية، على أن تقوم في السنوات القادمة باستيعاب عدة آلاف من اللاجئين سنويا ضمن برنامج لجمع شمل العائلات، وأن تقوم الدولة الفلسطينية باستيعاب تدريجي لمئات الآلاف منهم بمساعدات مالية من المجتمع الدولي، يرى أن هذا الموقف قدم تنازلات كثيرة للفلسطينيين!

سادسا: مفاوضات طابا: التي انطلقت بتاريخ 20/1/2001، ورغم دراسة قضية اللاجئين، بصورة معمقة، فلم يتوصل الطرفان إلى تقدم فيها.

ما يهمنا هنا، الموقف الذي عرضه الإسرائيليون وجاء على شكل عرض رواية تاريخية مشتركة لمأساة اللاجئين، إلا أنه لم يتم التوصل لاتفاق في محاولة بلورة رواية تاريخية في إطار الصياغة العامة، وفسر فهمه لحق العودة الوارد في القرار 194 من خلال إمكانية تطبيقه في إطار إحدى الخطط التالية:

  1. الرجوع والعودة للوطن، لـ"إسرائيل"، للمنطقة التي ستسلم للفلسطينيين في إطار مبادلة الأراضي، للدولة الفلسطينية.
  2. إعادة التأهيل والتوطين: التأهيل في دولة مضيفة، إعادة التوطين في دولة ثالثة.
  3. منح الأفضلية في هذه الخطط للفلسطينيين في لبنان.

واقترح الإسرائيليون بشكل غير رسمي، رغم أنه لم يتم التوصل لاتفاق حولها، خطة استيعاب متعددة المسارات على مدى 15 عاماً، على النحو التالي:

  1. الاستيعاب في "إسرائيل"، ورغم أنه لم يتم الاتفاق حول الأعداد، إلا أن الورقة تطرقت إلى 25 ألف نسمة خلال الثلاث سنوات الأولى.
  2. الاستيعاب في المناطق التي ستسلم للفلسطينيين في إطار مبادلة الأراضي.
  3. الاستيعاب في إطار جمع شمل العائلات.

أما بخصوص التعويض فقد اتفق الطرفان على ضرورة إنشاء لجنة وصندوق دوليين، لمعالجة قضية اللاجئين بمظاهرها المختلفة، كما اتفقا على إعطائهم تعويضا بمبلغ صغير من خلال إجراءات مختصرة، أما مطالب التعويض عن فقدان الأملاك التي لا تزيد عن مبلغ معين، فسيتم بحثها في مجريات مختصرة، كما تم الاتفاق على دفع مبلغ شامل من قبل "إسرائيل"، أو مبلغ يتم الاتفاق عليه ويسلم للصندوق الدولي.

وفي حين طلب الإسرائيليون احتساب هذا المبلغ استناداً لمسح اقتصادي تفصيلي لتقدير قيمة العقارات بشكل عادل، طالب الفلسطينيون احتسابه على أساس معطيات لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة، وحارس أملاك الغائبين وغيرها من المعطيات الأخرى ذات العلاقة من خلال قيم عادلة ونزيهة.([26])

علما بأنه في عملية حسابية بسيطة، يتضح أن تعويضات 800 ألف فلسطيني تعترف "إسرائيل" بهم كلاجئين تصل إلى ثمانية مليارات دولار، وتقدر وجود 1.5 مليون يهودي لجأوا لها من الدول العربية، التي عليها دفع تعويضات لليهود العرب تصل إلى 15 بليون دولار أمريكي، وهكذا لا تتنصل الحكومة الإسرائيلية من دفع تعويضات فقط، بل تطالب العرب بدفع تعويضات اللاجئين، إضافة لدفع فرق التعويض لليهود البالغ سبعة مليارات دولار!!

أما فيما يتعلق بوكالة الغوث، فقد اتفق الطرفان على وقف عملها بالتدريج وفقاً لجدول زمني متفق عليه لخمس سنوات، وأضاف الفلسطينيون تعديلاً يتيح تمديد الفترة لضمان بنود الاتفاق الأخرى المتعلقة باللاجئين، وإلغاء مكانة اللاجئ بهذه الصفة.

  • هنا أن مفاوضات طابا على الرغم من جديتها إلا أنها لم تسفر عن نتائج عملية، نظراً لعدم وجود قوة رادعة تضغط على الحكومة الإسرائيلية لتطبيق القرارات الدولية، علاوة على الانحياز الأمريكي السافر لها وتبنيه لكافة أفكارها، مما دفع بالإسرائيليين للمماطلة والمراوغة والتنصل من تنفيذ ما أقرته الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 194.

سابعا: خارطة الطريق 2004

جاءت إدارة الرئيس الأمريكي "جورج بوش" 2001-2008، لتواصل ذات النهج الأمريكي في تجاهل قضية اللاجئين بصورة مطلقة، مما ساهم بصورة أو بأخرى في تغييب المعاناة الإنسانية التي تكبدها مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين.

وقد توافقت الإدارة الأمريكية الجمهورية الحالية مع رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة خلال هذه المرحلة، باراك، شارون، أولمرت، على ألا يتم التطرق لصلب قضية اللاجئين، وجاء ذلك متمثلا في خطة خارطة الطريق، التي أعلنها الرئيس الأمريكي، وباتت تشكل العامود الفقري لعملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وشهدت الولايتان الرئاسيتان للإدارة الأمريكية الحالية، تفاعلا مع الموقف الإسرائيلي المعلن، الذي يرفض أي تعاطي ميداني جدي "ذو قيمة" مع الحل النهائي لقضية اللاجئين، لاسيما بعد رسالة الضمانات التي أرسلها الرئيس بوش لرئيس الحكومة الإسرائيلية "شارون".

وما لبث الموقف العربي والفلسطيني أن شهد تراجعا مريعا في الموقف من الحل النهائي لقضية اللاجئين، متمثلا في تقديم التنازلات أمام إسرائيل، خاصة من خلال المبادرة العربية التي اعتمدتها القمة العربية في بيروت، ورأت أن الحل النهائي لقضية اللاجئين يكون عبر اختيار مفردات ومصطلحات بدقة وعناية، ليأتي الاتفاق العربي المجمع عليه على أن يكون حلا "عادلا"، في تغييب واضح للالتزام بالقرارات الدولية التي دأب الموقف الرسمي العربي على ترديدها طوال أكثر من نصف قرن.

وقد شهد أواخر العام 2007 انطلاق مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة الذي عقد للتسريع في إنجاز مشروع الحل النهائي للقضايا العالقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين: القدس، اللاجئون، المستوطنات، المياه، الحدود، الدولة، حيث طرحت خلال جولات المفاوضات التي انطلقت بين الوفود الفلسطينية والإسرائيلية صيغ عديدة.

وخلال المفاوضات - التي قادتها من الفريق الإسرائيلي وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني"، وغلب على طابعها السرية التامة، مع بعض التسريبات، قدمت العديد من الأطروحات لحل قضية اللاجئين، أهمها:

  • عودة جزء من اللاجئين إلى أراضي الدولة الفلسطينية – في حال إقامتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
  • طرح صيغة "تبادل الأراضي والسكان"، التي تتناول لاجئي فلسطين المحتلة عام 1948.
  • التوطين، والتوطين فقط، خاصة في بعض مناطق اللجوء المحيطة بفلسطين.

ثامنا: تقييم الموقف التفاوضي الإسرائيلي

المتابع لمسيرة التفاوض التي بدأت بمؤتمر مدريد وانتهت بكامب ديفيد الثانية، وما تخللها من اتفاقيات ثنائية ومباحثات سرية، يخرج بخلاصة أن العديد من السياسيين الإسرائيليين يجادلون بأن حق العودة للاجئين لفلسطين المحتلة، يتنافى مع الحل القاضي بوجود دولتين، والذي ينهي الصراع العربي-الإسرائيلي، وبناءاً على هذه الجدلية، على اللاجئين "العودة" للدولة الفلسطينية المستقبلية، التي ستسن "قانون العودة" المشابه للقانون الإسرائيلي عام 1950 الخاص بعودة اليهود لدولتهم.

كما اقترح بعضهم وجوب توطين اللاجئين على مساحة من الأراضي المقتطعة من "إسرائيل" لصالح الدولة الفلسطينية، على أن يكون مرهونا بموافقة الفلسطينيين على سيطرة إسرائيلية دائمة على المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة عام 1967.

لقد تقدمت العديد من الآراء في الأوساط السياسية الإسرائيلية لبحثها مع الفلسطينيين وباقي الأطراف العربية، ومنها الرأي الذي طرحه د."غيروم سيغال" من جامعة ميريلاند حين طالب "إسرائيل" بضرورة إجراء مفاوضات خاصة باللاجئين تؤدي إلى حقوق متفق عليها بشكل متبادل في نهاية الأمر، وتكمن الفكرة في تزويدهم بقائمة من البدائل والخيارات المشجعة والمناسبة لتجنّب أية حاجة للتطبيق المطلق، عندها، نظرياً، 95% منهم سيقررون قبول التعويض والتوطن في بلد آخر غير ديارهم الأصلية، بمعنى العودة لـ"إسرائيل"."([27])

وتوقع "سيغال" أن تقترح "إسرائيل" أن يكون ثمن العودة محدوداً لنسبة مئوية من القادمين الجدد السنوية بموجب قانون العودة لليهود، وبهذا، إذا كان عدد القادمين في السنة الواحدة 50 ألف يهودي، فربما يسمح لخمس 1/5 العدد من اللاجئين بالعودة في السنة التي تليها، أما أولئك الذين لم يشملوا في الحصة السنوية فعليهم الانتظار في الطابور، وكلما كان طابورهم طويلاً كلما انتظروا مدة أطول، وبهذا سوف يقل ميول اللاجئين بالعودة لـ"إسرائيل"، وبالتالي سيختارون خيارً آخر.

كما أشارت بعض الأوساط الإسرائيلية ولو بصوت منخفض إلى أن للفلسطينيين الحق في سن قانون عودة لدولتهم، كالذي سنته "إسرائيل"، ويمكن التخمين والأمل بأن تحل مشكلة اللاجئين في حدود الدولة الفلسطينية، مع إمكانية جمع شمل بعض عائلاتهم في "إسرائيل".([28])

إلا أن انهيار عملية أوسلو وتحوير "إسرائيل" لهدف التوصل إلى "ترتيبات مؤقتة" غامضة في ظل حكومة "أريئيل شارون" على حساب هدف التوصل لاتفاقية سلام نهائية، يعني أن قضية اللاجئين ستغيب مرّة أخرى عن أولويات الساسة الإسرائيليين، فيما ساهم زعيم حزب ميرتس اليساري "يوسي بيلين" بخفوت الجدل والنقاش حول حق الفلسطينيين بالعودة في الإعلام الإسرائيلي حين رفض طلباً تقدم به مدير دائرة الأرشيف الرسمية لفتح ملفات الجيش والحكومة بعد مرور أكثر من خمسين عاماً، وجاء الرفض معللاً بأنه قد يضر بالدولة، خاصة وأنه يتعلق بقضية اللاجئين.

وربما هذا ما أكده "يوئيل زينغر" المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية ورئيس الفريق التفاوضي الإسرائيلي خلال اتفاقية أوسلو، حين أكد أنه بعد أن اتفقت "إسرائيل" ومنظمة التحرير على تقسيم فلسطين لدولتين: واحدة يهودية والأخرى فلسطينية، فلا يمكن للفلسطينيين مواصلة جدالهم بأن الدولة اليهودية هي وطنهم، وبوجوب عودتهم إليها.([29])

وعلى هذا الأساس، يمكن القول أن الإصرار الإسرائيلي من جهة، والتهاون العربي والفلسطيني الرسمي من جهة أخرى، ساهم بإغفال الاتفاقات التي وقعت بين الجانبين لبحث قضية اللاجئين بحثا جديا حقيقيا، ولم تحدد إطار مبادئ لمباحثات الوضع النهائي.

علما بأنه ما عاد الحديث في سياق عملية التسوية الجارية منذ مطلع التسعينات، عن حل قضية اللاجئين وفق ترتيبات إقليمية اقتصادية وسياسية، وبمداخلة دولية واسعة النطاق، حديثا افتراضيا، ولم يعد تفهم مسار هذا الحل يتم باجتهادات فكرية وبحثية شاقة، فقد اشتقت عملية التسوية، القائمة على ما يعرف بصيغة مدريد - أوسلو وتوابعهما من اتفاقات وإعادة هيكلة إقليمية، مسارا للقضية، وبات على من يتأمل هذه الصيغة ومساراتها، أن يولي عناية خاصة للتصورات الإسرائيلية تحديدا بهذه القضية الشائكة.

 

الخاتمة

أفرزت مسيرة المفاوضات على قضية اللاجئين مكاسب إسرائيلية لم تحققها طوال ستين عاما، ومنها:

  1. قدرتها على إلزام وثائق التسوية الجارية بإرجاء البحث الفعلي في القضية لمفاوضات الحل النهائي، وأزاحت المرجعية المتمثلة في قرارات الشرعية الدولية، وقد تضمنت هذه الوثائق إشارة للقرار 242، الذي ينص على "تسوية عادلة لقضية اللاجئين"، لكن التفسير الإسرائيلي للقرار مغاير للتفسير العربي الفلسطيني،
  2. نجاحها في أن تجعل من مسار عملية التسوية إبراز أمر كان خفيا فترة طويلة من الزمن، يتمثل بإمكانية تخلي الطرف العربي الفلسطيني الرسمي عن ثوابت كثيرة في خطابه السياسي تجاه أبعاد الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، بحيث كانت مخرجات التسوية في سياقها الفلسطيني على الأقل أقرب للتصورات الإسرائيلية، فما الذي يحول دون تمرير هذه التصورات على اللاجئين؟
  3. وضع مهندسو أوسلو هذه القضية في بند فرعي، فجعلوها غير مرئية تقريبا ضمن فيض الكلمات في الوثائق التي تصف الجسور والطرق الفرعية والحاميات والكانتونات، وربما ساهم الشركاء الفلسطينيون بهذه التعمية عن غفلة، لكن النتيجة جلية تماما، فقضية اللاجئين همشت في أوسلو، رغم أنها قلب النزاع.([30])
  4. توازت المفاوضات العربية الإسرائيلية ومخرجاتها على الصعيد الفلسطيني مع إعادة اعتبار لا تخطئها العين للمشروعات الإقليمية التي طرحت في فترة نشوء القضية، وإن كانت تصاعدت حظوظها من إمكانية التطبيق، بل وأصبح لها مظاهر تطبيقية، لاسيما في إطار ما يعرف بالمفاوضات المتعددة الأطراف، وبين يدي المعنيين جميعا، عربيا وإقليميا ودوليا، مشروعات أكثر تكاملا وتفصيلا، فيما يتعلق بتسكين قضية اللاجئين في الترتيبات الإقليمية الشرق أوسطية خاصة، من وجهة نظر "إسرائيل".
  5. النجاح في تحويل مسار المفاوضات متعددة الأطراف إلى إطار تباحثي وتنفيذي لتفعيل الأفكار "الشرق أوسطية" التي طالما نادت بها، وإذا اختص هذا المسار بالبحث في حيثيات التعاون الإقليمي، حسب ما يكمن في الضمير الإسرائيلي بالنسبة لقضايا التنمية الاقتصادية والبيئة والمياه والطاقة، فما الذي يجعل أحدا يفترض أن لا تعالج قضية اللاجئين من هذا المنطلق، أو حتى دولي، طبقا للمفهوم الإسرائيلي؟([31])

كما يمكن رصد النجاح الإسرائيلي على طاولة المفاوضات عبر الآليات التفاوضية "الفنية":

  • تعدد الأطر التفاوضية الخاصة باللاجئين وتعدد أطرافها،
  • غياب المرجعية الدولية التي تصر "إسرائيل" على تغييبها، سواء بإبعاد الأمم المتحدة عن مفاوضات اللاجئين، أو عدم الاعتراف بقرار 194،([32])
  • غياب التنسيق العربي وافتقاد رؤية عربية موحدة في هذا الجانب،
  • اختلال موازين القوى لصالحها، مما يعطيها القول الفصل في هذه القضية الخطيرة،
  • ممارسة أسلوب الإملاء وفرض المواعيد والحلول، على قاعدة "هذا رأينا خذه أو ارفضه، لكنه يبقى النهائي"، والتعامل مع الفلسطيني بعيدا عن علاقة الشريك.([33])


1) مخادمة، ذياب، المواقف الإسرائيلية من حق العودة، مجلة دراسات أبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، العدد 20، 2005، ص43.

2) الحديث لا يهمل بالتأكيد حزب كاديما الذي تأسس أواخر 2005، لكن قضية اللاجئين ببعدها التاريخي تناولها الحزبان التاريخيان المذكورين بصورة أكثر تعمقا.

3)Shlomo Gazit : The Palestinian Refugees Problem, Gaffe Center for Strategic Studies, 1994 ,p13.

4) Ibid,p15

5) حق العودة..البدائل الفلسطينية، ص118.

6) موعد، حمد، اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية، مركز دراسات الغد العربي، دمشق، ط1، 2003، ص319.

7) المثقفون الإسرائيليون: لا لحق العودة، معاريف، 3/1/2000.

8) حمادة، معتصم، قضية اللاجئين وحق العودة بعد رحيل عرفات، المجموعة 194.

9) النص الحرفي لإعلان المبادئ المعروف باتفاق أوسلو الصادر بتاريخ 13/9/1993.

10) الآغا، زكريا، قضية اللاجئين الفلسطينيين ومفاوضات السلام، جريدة القدس، 27/6/2005
11) عبد الرحمن، أسعد، موقع اللاجئين وقضيتهم في الإستراتيجية الفلسطينية، تقرير صادر عن دائرة شؤون اللاجئين، ص3.

12) عبد الكريم، قيس، سلام أوسلو بين الوهم و الحقيقة، دار التقدم العربي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1998، ص192.

13) جميل، محمد، مرجع سابق، ص378.

14) تماري، سليم، مستقبل اللاجئين الفلسطينيين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط1، 1996، ص12.

15) قرارات محكمة العدل العليا.

16) حق العودة البدائل الفلسطينية، ص110.

17) شهادة الياس صنبر رئيس الوفد الفلسطيني إلى لجنة اللاجئين، الحياة، 19/12/1996.

18) زيفيت شبناوم، اللاجئون: الوضع الراهن والحلول الممكنة، صندوق أرماند هامر للتعاون الاقتصادي، النشرة رقم 10، 1993.

19) يديعوت أحرونوت، 12-9-2001.

20) نيويورك تايمز، 16-7-2002

21) صحيفة القدس، 18/7/2000.

22) هآرتس، 15/7/2000.

23) راينهارت، تانيا، إسرائيل فلسطين وسبل إنهاء حرب 1948، ترجمة رندة بعث ورشا الصباغ، دار الفكر، دمشق، ط1، 2004، ص82.

24) المرجع السابق، ص86.

25) معاريف، 25/7/2000.

26) معاريف، 23-2-2001

27) الأزعر، محمد خالد، ضمانات حقوق اللاجئين في إطار التسوية السياسية، مركز دراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 1996.

28) تقرير صادر عن حركة (السلام الآن) الإسرائيلية، صادر بتاريخ 29/8/2000.

29) مجلة نقابة المحاميين الأمريكية، يناير 2000.

30) بابيه، إيلان، المدركات الإسرائيلية لمسألة اللاجئين، مؤتمر العودة، بوسطن، 2000.

31) الأزعر، محمد خالد، التسوية السياسية وقضية اللاجئين، صامد الاقتصادي، العدد 105، 199، ص52.

32) عادت إسرائيل وأكدت على هذا الموقف، من خلال الجلسة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2006، حين رفضت المطلب العربي بإشراف مجلس الأمن على عملية التسوية بين العرب وإسرائيل.

33) عبد الرحمن، أسعد، الحلف المعادي وأهدافه الكبرى، صحيفة القدس، 29/5/2000.

34) محاضر جامعي وكاتب صحفي.