المستعربون... القتلة الإسرائيليون بالزي العربي

  • الأحد 11 مارس 2018 11:12 م

المستعربون... القتلة الإسرائيليون بالزي العربي

 

شكل اختطاف المستعربين الإسرائيليين لرئيس مجلس طلبة جامعة بيرزيت عمر الكسواني، مناسبة لتجديد عمل هذه الوحدات الدامية، باعتبارها سلاحا خفيا للجيش الإسرائيلي.

ومع تصاعد قوة الانتفاضة، وإيقاعها للخسائر في صفوف الجنود الإسرائيليين ، لجأ جيش الاحتلال لإقامة وحدة خاصة لتنفيذ سياسة الاغتيالات في صفوف النشطاء الفلسطينيين ، كان لها الدور الأكبر فيما بعد في ملاحقة وتصفية المقاومين الفلسطينيين طوال سنوات الانتفاضة ، عرفت فيما بعد باسم الوحدات الخاصة ، ووحدات المستعربين ، وفرق الموت .

ويعود استخدام هذه الوحدات ، إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل في العام 1948 ، حيث عملت وحدات سرية يهودية ، عرفت باسم ( مستعريفيم ) المستعربين ، كانت تعمل في فلسطين والبلاد العربية المجاورة منذ سنة 1942 كجزء من قوات البالماخ، وكان هدفها الحصول على معلومات وأخبار ، والقيام بعمليات اغتيال للعرب عندما تصدر الأوامر إليها ، من خلال تسلل أفرادها إلى المدن والقرى العربية متخفين كعرب محليين ، وكانت تجند في المقام الأول من أجل عملياتها السرية ، اليهود الذين كانوا في الأصل من البلاد العربية .

ويستخدم الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدتي تصفية جسدية ، ويرتدي أفراد هاتين الوحدتين ملابس مدنية ويسعون لتصفية الأفراد النشيطين في الانتفاضة ، هذا ما أكده مراسل وكالة أنباء رويتر في القدس : حيث أكد أنه تعمل في الضفة الغربية وحدة عسكرية اسمها ( دوبدبان ) وتعني الكرز ، وقد اسسها إيهود باراك رئيس الأركان الإسرائيلي ، كما تعمل وحدة أخرى في قطاع غزة اسمها ( شمشون ) ، ومن الأساليب التي تتبعها الوحدتان دودبان وشمشون :

  • انتحال شخصيات عربية .

  • الاختلاط بالمتظاهرين لإلقاء القبض على أشخاص معينين معروفين وبارزين .

  • انتحال شخصية صحفيين لاعتقال أشخاص أو التقاط صور للمطلوبين .

وكان يطلق أحيانا على هذه الوحدات اسم ( المخبرون السريون ) ، تخفيفا لوقعها السيئ على الفلسطينيين ، وكان يتولى الإشراف عليها رئيس الوزراء إسحاق رابين بصفته وزيرا للدفاع ، ويبدو أن عمل هذه الوحدات الخاصة الرسمي جاء ردا على المشكلات التي واجهتها وحدات الجيش العادية في محاربة الانتفاضة ، أهمها :

  • المعنويات المتدنية في صفوف الجنود نتيجة الفشل في إنهاء الانتفاضة .

  • الصورة السلبية في الصحافة الدولية، بسبب وحشية معاملة المدنيين خلال الفترة المبكرة من الانتفاضة .

علما بأن الجيش الإسرائيلي كان قد فند تلك الاتهامات الموجهة إلى عمل الوحدات الخاصة ، وجاء في رسالة من المقدم في الجيش الإسرائيلي "ياهاف" إلى منظمة الشرق الأوسط لحقوق الإنسان مؤرخة في 28/نوفمبر/1992 : " إن عمل الوحدات الخاصة هو إلقاء القبض على (إرهابيين) ، وسجنهم للتحقيق معهم ، واستخدام الإجراءات القانونية ، إن الهدف هو الاعتقال ، وليس أي هدف آخر" .

ومع أن التقارير الصحفية والمشاهدات العينية للفلسطينيين ، أكدت أن الوحدات الخاصة تعمل في الأراضي المحتلة منذ الأشهر الأولى للانتفاضة ، إلا أن الجيش الإسرائيلي أنكر وجودها كليا ، ولم يعترف رسميا بنشاطاتها إلا في 21/يونيو/1991 ، حين أذاعت شبكة التلفزة الإسرائيلية على قناتي أخبارها العربية والعبرية شريطا مدته 15 دقيقة ، وتم تحضيره من جانب منتج مستقل بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي ، وأظهر الشريط كيف أعدت إحدى هذه الوحدات ثيابها التنكرية ، وطاردت ضحاياها ، ثم نصبت لهم كمائن ألقت فيها القبض عليهم ، وأظهر الشريط أفراد هذه الوحدات وهو يتنكرون بأزياء الرجال والنساء العرب ، خلال عمليات التفتيش والاعتقال .

وقد ازداد عدد القتلى الفلسطينيين المنسوبين إلى تورط الوحدات السرية ، والواضح أن نمط أعمال القتل في قطاع غزة يظهر تبدلا في السياسة من جانب السلطات العسكرية ، نحو المزيد من الاعتماد على الوحدات السرية ، وتناقص التقييدات على إطلاق النار ، ومثل هذه الحرب ذات الوتيرة الهادئة والمبنية على أعمال قتل خارجة على القانون ، يهدف إلى تحقيق ثلاثة أمور:

  1. تقليص المواجهة مع الجيش والاشتباكات العلنية مع الأهالي إلى الحد الأدنى .

  2. تقليص عدد المظاهرات ضد الاحتلال .

  3. حل مشكلة التغطية الصحافية والدعاية السيئة ،وهذا هو الأهم من وجهة نظر الجيش.

  • تكوين الوحدات السرية :

الحجم والتجنيد : عندما أقام إيهود باراك الوحدات السرية أواخر سنة 1988 ، كانت توصف بأنها بحجم فصيلة عسكرية، وبأن المجندين فيها خريجون ناجحون من وحدات مختلفة في الجيش الإسرائيلي ، غير أن تصاعد حدة الانتفاضة دفع بالجيش لتنظيم الوحدة وتوسيع حجمها، وأصبح بإمكان الذين تبلغ أعمارهم 18عاما اختيار الالتحاق بها بالطريقة نفسها التي يمكنهم اختيار الالتحاق بأي وحدة نخبوية ( كالمظليين وغولاني) .

وقد اتضح أن الرد الإسرائيلي على الانتفاضة ، لم يقتصر على الإجراءات السلبية أو الدفاعية ، بل اتخذ طابعا هجوميا متزايدا ، على شكل تكثيف نشاط فرق الموت ، حيث أكد رئيس هيئة العمليات في الجيش العميد "شموئيل اراد" ، بأنه تم تعزيز الوحدات الخاصة إثر ارتفاع أعمال المقاومة المسلحة ، فيما أوضح اللواء "متان فلنائي" بعد مقتل أحد النشطاء على أيدي الوحدات الخاصة ، أن حوالي خمسين ناشطا مطلوبا يجوبون قطاع غزة ، وفي ذلك إشارة إلى ضرورة عمل الوحدات الخاصة .

  1. التدريب : تم إدخال بعض التعديلات النفسية الخاصة للمساعدة في الاختيار ، كما يجري تدريب الناجحين من أصحاب الطلبات في برنامج طويل وشاق قبل إرسالهم في مهمات ، وعلى الرغم من أن أفضلية التجنيد في الوحدة تعطى لجنود ذوي ملامح شرق أوسطية ، فإن الانضمام لها متاح للآخرين أيضا .

ويقوم الجيش الإسرائيلي بإعداد نموذج لقرية عربية ، فيها دكاكين متراصة ، ومسجد يتوسط القرية وبجانبه مدرسة خطت على جدرانها الشعارات الوطنية ، وعدد من السيارات في أزقة ضيقة ، وامرأة قروية ومزارع يكد ويتعب … ولكن إن اقتربت أكثر من معالم هذه القرية ، حتى تكتشف أنها مصنوعة من الجبص ، والرجال يغيرون شخصياتهم وبالعكس ، وهذا النموذج اصطنعه جيش الاحتلال ليتدرب فيه أفراد القوات الخاصة ، ووحدات المستعربين ليتعايشوا مع نمط الحياة الفلسطينية ، ويكونوا على اطلاع على العادات والتقاليد في قطاع غزة والضفة الغربية ، حتى لا يثيروا الشكوك في شخصياتهم عندما يقومون بأعمال اختطاف وتصفية داخل المجتمع الفلسطيني "الحقيقي".

  1. التوجهات السياسية : ينتمي أعضاء هذه الوحدات إلى تيارات سياسية شتى ، ومع ذلك فإنهم يؤثرون أن توضع توجهاتهم السياسية جانبا حين يقومون بعملهم اليومي ، ونظرتهم هي أن من الضروري أن يتقن الإنسان ما يطلب منه من أعمال بغض النظر عن موقفه السياسي .

  2. وسائل النقل : عند القيام بأعمالهم السرية ، يصل عناصر هذه الوحدات في سيارات غير عسكرية تحمل اللوحات الخاصة بالضفة الغربية وقطاع غزة ، ولهم أن يستخدموا سيارات مصادرة من أصحابها في المنطقة لأسباب عسكرية ، إذ أنها مألوفة للسكان المحليين ، وتستعمل الشاحنات في كثير من الأحيان ، لسهولة نقل أعداد كبيرة من أعضاء القوات السرية ، ولنقل القتلى والجرحى من الساحة.

وجرت العادة لدى جنود الاحتلال أن يقيموا حواجز عسكرية طارئة ، يقومون خلالها بإيقاف سيارات المواطنين لاسيما من نوع ( بيجو 504 الفرنسية ) ، حيث يؤمر أصحابها بتركها، ليقوم جندي إسرائيلي بقيادتها لمدة قصيرة ، في تجربة لإمكاناتها ، فإن كانت بلا مشاكل ، أخذوها طالبين من مالكها المضي في طريقه دونها ، وكثيرا ما كان يرى الفلسطينيون عددا من هذه السيارات المماثلة وقد أصبحت داخل معسكرات الجيش الإسرائيلي ، مما أكد أن جنود الاحتلال يأخذون سيارات الفلسطينيين ليستخدمها أفراد الوحدات الخاصة ، الذين يتم اختبارهم من ذوي الوجوه السمراء ، وكأنهم عرب ، ليدخلوا أحياءنا وأزقتنا ، ليقوموا بتنفيذ عمليات المطاردة والقتل الفجائية.

  1. الأزياء التنكرية : في محاولة لطمس الفارق بين اليهودي والعربي تحاول القوات السرية أن تتماشى مع الأزياء والعادات المحلية من خلال ارتداء ملابس مدنية صنعت محليا ، أو ألبسة عربية تقليدية ، وضمان أن يكون عضو واحد على الأقل من القوة يجيد التحدث باللغة العربية ، ويستخدم الجنود أزياء مسرحية مثل : الشعر الاصطناعي ، والعكازات المزيفة ، والثياب الفضفاضة لإخفاء الأسلحة ، كما تنكروا كصحافيين أجانب ، وفي أزياء سياح ، وفي عدة مناسبات كانوا يتظاهرون بأنهم يهزون رضيعا اكتشف فيما بعد أنه دمية أو سلاح ، كما تظاهروا بأنهم موظفون في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) ، وذلك بغية التسلل إلى مخيمات اللاجئين من دون أن يكشفهم أحد.

كما أن هناك جنودا يذهبون إلى مهماتهم مقنعين تماما ، ويتظاهرون بأنهم أعضاء في منظمات فلسطينية فيرمون الحجارة على الجنود ويشاركون في نشاطات المقاومة من أجل التجسس على الشباب ، لكن الحيلة التي كثيرا ما تستعمل هي التنكر كنساء فلسطينيات أو كهول ، ومن أجل ذلك تم استخدام صالونات التزيين التجارية ، ثم استبدلت بغرف تجميل يديرها أعضاء في الجيش ، للتوصل إلى تنكر كامل .

وقد أعربت جمعية الصحافة الأجنبية في إسرائيل ، عن أسفها لحادث انتحال شخصية الصحفيين من قبل رجال الشرطة والجيش ، لأن ممارسات كهذه تعرض حياة الصحفيين للخطر ، تقول لأولئك الذين نقوم بتغطيتهم بأننا يمكن أن نكون عملاء للشرطة والجيش.

  1. التخطيط : يجري تنسيق مثل هذه العمليات السرية في العادة مع وحدات أخرى من الجيش ومع جهاز الشين بيت الذي يوفر المعلومات والخلفيات في شأن الضحية المقصودة ، ويشارك في بعض الأحيان في قتل الفلسطينيين المطلوبين ، ويتضمن التخطيط في العادة نصب كمين للأفراد أو المجموعات المقصودة بسرعة ، واستخدام عنصر المفاجأة.

وتدل طبيعة الأهداف المقصودة بهذه الهجمات ( المطاردون ) ، وطبيعة التنفيذ  كالكمائن والتخطيط المسبق ، أنها تستند إلى معلومات دقيقة ذات مصدر محلي ، لا يمكن توفيرها إلا بواسطة عملاء مرتبطين بسلطات الاحتلال .

  1. إطلاق النار : تشارك وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي في عمليات اغتيال مدبرة ، وأعمال قتل تعسفية من دون الإحالة إلى القضاء ، بالتنسيق الكامل مع الوحدات الخاصة ، وفي مؤتمر صحفي عقده " كينيث روث" مدير منظمة الشرق الأوسط لحقوق الإنسان أكد أن ما تقوم به الوحدات الخاصة ، ليس فقط خرقا لتعليمات الجيش الإسرائيلي الخاصة بإطلاق النار من دون أن يعاقب المخالفون ، بل يجري العمل على إيجاد غطاء لهذه الخروقات ، بدءا من المستويات الأولى وحتى أعلى المستويات في المؤسسة العسكرية اعتمادا على إذعان الحكومة .

وتعمل القوات الخاصة وفقا لتعليمات رسمية خاصة بها ، تجاوزت حتى تعليمات الجيش الإسرائيلي لإطلاق النار ، فقد قتلت 195 فلسطينيا منذ بدء الانتفاضة وحتى نهاية العام 1994 في الضفة والقطاع ، مما يعني أن غالبية الحالات التي قامت بها للقبض على مطلوبين كان هدفها القتل العمد وليس محاولة القبض عليهم أحياء .

ويقوم أفراد القوات الخاصة بإطلاق النار دون تحذير مسبق للشخص المشتبه بحمله السلاح أو الملثم ، وهناك حوادث جرى إطلاق النار فيها دون أي تحذير ، وفي كثير من الحالات قتل    أشخاص لم يكن بأيديهم أدوات قاتلة ، ولم يشكلوا خطرا على حياة الجنود .

  1. بعد التنفيذ : بعد الانتهاء من عملية يسفر عنها قتل فلسطيني أو أكثر ، جرت العادة أن يضع أعضاء الوحدة الخاصة جثة القتيل في سيارتهم ويغادروا مكان الحادث ، متجهين إلى القاعدة العسكرية المحلية أو إلى مستوطنة قريبة ، وفي الحالات التي لا تجري فيها العمليات كما هو مخطط لها ، يتم استدعاء الجيش فورا للمساعدة في سحب أعضاء الوحدة من مجابهتهم مع السكان المحليين .

  2. الدعم من الجيش : يتم إمداد هذه الوحدات بأموال وفيرة ، ويسهل عليها الوصول إلى معلومات حساسة للاستخبارات يجمعها جهاز الشين بيت ، ويأتي دعمها من أعلى درجات المؤسسة العسكرية ، حيث عبر القائد السابق للجيش الإسرائيلي في القطاع "تسفي بولاغ" ، عن دعمه لأسلوب الوحدة في العمل قائلا : "إنني أساند عضوا في المستعربين إذا أطلق النار على فلسطيني ، أو إذا قتل أحدا بطريقة غير قانونية ".

كما أن كبار قادة الجيش الإسرائيلي يصفون أداء هذه الوحدات بالنجاح المتميز ، وبالتالي فإن هذا الإطراء والثناء ، وهذا التبني الواضح يؤكد أن عملها لا يتم في دائرة منفصلة ، بل في إطار سياسة عامة يتبناها الجيش الإسرائيلي ، والأمر لا يعدو عن كونه تقاسم أدوار بين قطاعات الجيش المختلفة.

 

وفي تحليل لحالات القتل التي نفذتها الوحدات الخاصة ، فقد كان الضحية الفلسطيني زمن قتله إما أن يكتب الشعارات على الجدران ، أو التظاهر ، أو يرشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة ، أما البقية فكانت تمارس نشاطا عاديا مثل : زيارة الأصدقاء ، أو الوجود في المنزل مع الأهل ، أو الذهاب للصلاة أو الخروج من المسجد ، أو الركوب في سيارة ، أو المشي أو الوقوف في الشارع ، وقد قتل هؤلاء بنيران عناصر القوات الخاصة من مسافة قريبة جدا تتراوح بين مترين وخمسة أمتار في معظم الحالات .

وهكذا ، فإن ما تقوم به الوحدات الخاصة الإسرائيلية ، أمر لا يمكن تصنيفه بأنه سلوك جنود في ساحة ميدان أو سلوك لرجال أمن ، ولكنه مجموعات من فرق القتل الدموي العنيف ، تؤدي دورها المحكم حيث تقتل وتصيب الشبان بدم بارد ، ومن ثم تغادر المكان تاركة الهلع والخوف على وجوه السكان.

علما بأن هذه الوحدات على مدى سنوات عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، تعرضت لسلسلة من الإخفاقات ، وقامت بعدة عمليات فاشلة جعلتها مثار سخرية وانتقاد الصحافة الإسرائيلية ، الأمر الذي أدى إلى تقليص نشاطاتها عدة مرات ، فضلا عن التغييرات المستمرة في قياداتها بعد كل عملية فاشلة .

وفي ذروة المواجهات الفلسطينيّة-الإسرائيليّة الحاصلة في القدس والضفّة الغربيّة، ظهرت إلى جانب الجيش الإسرائيليّ وحدة عسكريّة مهمّتها إلقاء القبض على المتظاهرين الفلسطينيّين، أو قتلهم أحياناً، من خلال اختراقها صفوفهم، وقدرتها على التخفّي بينهم، والتنسيق مع الجيش الإسرائيليّ للقيام بهذه المهام.

منذ بداية أحداث المواجهات الفلسطينيّة-الإسرائيليّة بداية تشرين الأوّل/أكتوبر 2015 في من الضفّة الغربيّة والقدس، تداولت وسائل الإعلام مشاهد لمسلّحين مدنيّين يلقون القبض على متظاهرين فلسطينيّين، ويسلّمونهم إلى الجيش الإسرائيليّ، يطلق عليهم لقب "المستعربون"، بدون إضافة حرف S لصيغة الجمع، وتعني باللغة العربية المتنكرين بأزياء ولهجة العرب، وهم الإسرائيليون الذين يعملون في وحدات الجيش الإسرائيلي السرية، وهم يتخفّون بلباس عربيّ، ويتّخذون أشكالاً شبيهة بالفلسطينيّين، للقيام بمهام استخباريّة، وتنفيذ عمليّات قتل ضدّ المطلوبين الفلسطينيّين للجيش الإسرائيليّ.

شهدت الأيّام الأخيرة من المواجهات الساخنة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين في الضفّة الغربيّة والقدس، تدخّلاً ميدانيّاً متزايداً من المستعربين على مداخل المدن الفلسطينيّة وقرب المستوطنات الإسرائيليّة، حيث تشكّل هذه المناطق نقاط احتكاك بين الجانبين.

فقد شهد اليوم السابع من الشهر الحاليّ ظهوراً واضحاً للمستعربين في مواجهات طلبة جامعة  بيرزيت مع الجيش الإسرائيليّ، وفي اليوم نفسه في المواجهات ضدّ المتظاهرين قرب مستوطنة بيت إيل شمال رام الله.

وعلى الرغم من عدم توافر أرقام دقيقة حول الضحايا الفلسطينيّين لوحدات المستعربين، لكنّ كتاب "المستعربون... فرق الموت الصهيونيّة" لمؤلّفه غسان دوعر، الصادر في عام 2005، يقدّر أنّ المستعربين قتلوا 422 فلسطينيّاً بين عامي 1988 و2004، فيما بثّت قناة الجزيرة في 27 آذار/مارس فيلماً وثائقيّاً حول المستعربين ناقشت فيه مهامهم، وعمليّاتهم السرّيّة، ويبدو موقع الـ"يوتيوب" غزيراً بالمشاهد الخاصّة بالمستعربين.

أبلغ أحد قادة التظاهرات في الضفّة الغربيّة عماد حسين بأنّ "المستعربين يتحوّلون خلال لحظات من مدنيّين فلسطينيّين إلى جنود إسرائيليّين، يمسكون مسدّسات صغيرة، وبعد إمساكهم بمن يريدون من المتظاهرين يرتدون قبّعات كتب عليها بالعبريّة كلمة شرطة، وخلال المظاهرات الأخيرة تفاجأ الشبّان في ثوانٍ معدودة وهم يلقون الحجارة على الجنود بملثّمين عدّة، يطلقون النار عليهم، ليكتشفوا بعدها أنّهم المستعربون".

في ضوء خبرة الفلسطينيّين المتراكمة خلال انتفاضتي الحجارة الأولى في عام 1987، والأقصى الثانية في عام 2000، تكوّنت لديهم معلومات مهمّة حول المستعربين، فهم يتحدّثون اللغة العربيّة بطلاقة، ويبدو صعباً على المتظاهرين التعرّف عليهم وسط الحشود في الاشتباكات التي تشهدها الضفّة الغربيّة والقدس، لأنّ الجميع يلجأون إلى تغطية وجوههم باستخدام كوفيّة أو قميص، خوفاً من تصويرهم بكاميرات الجيش الإسرائيليّ، ثمّ اعتقالهم.

قال المصوّر الصحافيّ ابراهيم جمعة إنّ "المستعربين يتخفّون بين الفلسطينيّين، يشجعّونهم على رمي الحجارة، والتقدّم إلى مهاجمة الجنود، بل يقدّمون مياه الشرب إلى المتظاهرين، وفجأة يقومون بمهاجمتهم، وقد رأيت كيف أنّهم أشهروا سلاحهم مرّات عدّة على المتظاهرين قرب حاجز قلنديّا على مشارف القدس، ومنطقة عوفر قرب رام الله، وأطلقوا الرصاص عليهم، حتّى وصل الجنود خلال ثواني معدودة".

جرت العادة في الأيّام الأخيرة أن يقف المستعربون في الصفوف الأماميّة على بعد عشرات الأمتار من الجنود الإسرائيليين على مداخل مدن الضفّة الغربيّة، ويلقون الحجارة، ويتحصّنون وراء متاريس كبيرة يختبئون خلفها خشية من الغاز المسيل للدموع والرصاص المطّاطيّ. لكنّهم ينفصلون فجأة عن باقي المتظاهرين، فيخرجون مسدّساتهم، ويطلقون النار عليهم، ويعتقلون عدداً منهم، حيث ينضمّ إليهم الجنود، ويسحبون الفلسطينيّين إلى آليّاتهم العسكريّة.

عبد الهادي، اسم مستعار لفلسطينيّ نجا من الاعتقال قبل أيّام على يدّ المستعربين، وسأله عن تجربته، فقال: "خلال انخراطي بين المتظاهرين على مشارف القدس، انقضّ علينا 6 من العناصر المسلّحة بالزيّ المدنيّ، بملامح عربيّة، ثم عرفنا لاحقاً أنّهم كانوا بيننا لأكثر من ساعة كاملة، حتّى سنحت لهم الفرصة، فاعتقلوا 3 شبّان، ونجوت مع اثنين بأعجوبة بعدما واصل المتظاهرون إلقاء الحجارة على المستعربين".

يخضع المستعربون إلى تدريبات مكثّفة مختلفة عمّا يخضع إليها الجنديّ الإسرائيليّ العاديّ، فيتدرّبون على اتّقان اللغة العربيّة بلكنة فلسطينيّة، ويتعرّفون على عادات الفلسطينيّين وثقافتهم بدقّة، ويتقمّصون أحياناً شخصيّة شيخ مسنّ أو بائع متجوّل، ويؤدّون أدواراً تساعدهم على الاختفاء، والتظاهر بأنّهم فلسطينيّون، فيتصدّرون التظاهرات، ويشاركون بإلقاء الحجارة، كي يشعر المتظاهرون أنّهم جزء منهم، مما يمدّهم بالراحة والثقة.

لكنّ تكرار تجارب الفلسطينيّين مع المستعربين، منح المتظاهرين فرصة معرفة العديد من تكتيكات دخول المستعربين إلى نقاط المواجهة، فعادة ما تسبق دخولهم حالة هدوء ينسحب فيها الجيش إلى الخلف، وتنخفض وتيرة إطلاق الغاز المسيل للدموع والأعيرة المطّاطية، ويعمل المستعربون على تشكيل كمّاشة حول المتظاهرين بالتعاون مع الجيش، ليتقدّم الجنود من الأمام، ويكون المستعربون في انتظار المتظاهرين المنسحبين في الخلف.

عبّرت المتحدّثة باسم المرصد الأورو-متوسّطي لحقوق الإنسان مها الحسيني عن "القلق البالغ جرّاء توسّع استخدام الجيش الإسرائيليّ للمستعربين في المواجهات الجارية في الأراضي الفلسطينيّة، لأنّ عملها غير قانونيّ، ينتهك مبدأ التمييز بين المدنيّين والمقاتلين، وهو أمر محظور وفق القانون الدوليّ الإنسانيّ، لأنّ تنكّر الجنود الإسرائيليّين بملابس مدنيّة يعرّض المدنيّين للخطر، كما تتركّز مهام المستعربين في جمع المعلومات، التصفية، الاختطاف، أو تفريق المتظاهرين، وطريقة اعتقالهم الفلسطينيّين فيها الكثير من العنف، وتعدّ من وسائل الغدر، ويتخلّلها ضرب المعتقل بصورة وحشيّة غير مبرّرة".

نشر المركز الفلسطينيّ للإعلام، الموقع الرسميّ لحماس، في 8 تشرين الأوّل/أكتوبر حملة توعويّة للمتظاهرين، لحمايتهم من المستعربين. ومن وسائل الحماية، ارتداء الفلسطينيّين الملابس ذات الألوان الفاتحة، إذ يخصّص المستعربون ملابس غامقة وفضفاضة كي يخفوا أسلحتهم تحتها، وإدخال المتظاهرين ملابسهم داخل سراويلهم، لأنّ المستعربين يبقون ملابسهم خارج السروال كي لا يكشف المسدّس، وتحرّك الشبّان في المواجهات مع الجيش الإسرائيليّ ضمن مجموعات صغيرة، ليعرف بعضهم بعضاً، وتسهل معرفة الغرباء.

أخيراً... يشكّل المستعربون التحدّي الحقيقيّ أمام استمرار المظاهرات الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، لأنّهم يعتقلون نخبة المتظاهرين وأكثرهم نشاطاً. وتشيع أجواء الشكّ والريبة بين الشبّان الفلسطينيّين، لاعتقادهم أنّ المستعربين قد يكونون بين صفوفهم، ممّا يمنح الجيش الإسرائيليّ صيد عصافير عدّة بحجر واحد، وفي الوقت ذاته، يحفّز المتظاهرين على رفع وتيرة الحذر والاحتياط من الوقوع في كمائن المستعربين.