صفحة المنسّق الإسرائيليّ... تجاوز الإنسانيّ إلى السياسيّ والأمنيّ

  • الإثنين 05 مارس 2018 09:02 ص

صفحة المنسّق الإسرائيليّ... تجاوز الإنسانيّ إلى السياسيّ والأمنيّ

●   ملخّص

يتداول الفلسطينيّون صفحة الـ"فيسبوك" لمنسّق الحكومة الإسرائيليّة في المناطق الفلسطينيّة يوآف مردخاي، التي تزعم مساهمتها في حلّ مشاكل إنسانيّة ومعيشيّة للفلسطينيّين، ممّا حدا بأجهزة الأمن الفلسطينيّة إلى التحذير من التعامل معها، خشية استخدامها في تجنيد الجواسيس للمخابرات الإسرائيليّة... السطور التالية تناقش حقيقة الصفحة، ومدى إقبال الفلسطينيّين عليها، وماذا تقدّمه من خدمات، وحقيقة الاتّهامات الفلسطينيّة ضدّها من النواحي الأمنيّة.

*******

مع الانسحاب الإسرائيليّ من معظم الأراضي الفلسطينيّة، قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، بناء على اتّفاق أوسلو في عام 1993، تراجع الاحتكاك بين الفلسطينيين والإسرائيليّين، واقتصر على المعابر الحدوديّة، بين الأراضي الفلسطينيّة وإسرائيل، مثل معبر إيريز في شمال غزّة، ومعبر قلنديا في جنوب وسط الضفّة الغربيّة.

لكنّ إسرائيل تمتلك وسائل التواصل مع الفلسطينيّين، عبر المعابر الأرضيّة، أو العالم الافتراضيّ، كصفحة الـ"فيسبوك" لمنسّق عمليّات الحكومة الإسرائيليّة في المناطق الفلسطينيّة الجنرال يوآف مردخاي، وحسابه على "تويتر"، وموقعه الرسميّ على الإنترنت، وهي تحظى بآلاف الروّاد الفلسطينيّين يومياً.

انطلقت صفحة المنسّق عبر الـ"فيسبوك" في آذار/مارس 2015، وهي تضع رقم هاتف وبريداً إلكترونيّاً للتواصل معها، وفاق عدد معجبيها الـ72 ألفاً، يتفاعلون مع منشوراتها، ويعلّقون على صورها وأخبارها.

وكان الجديد في صفحة المنسق ما أعلنته يوم 11 تشرين ثاني/نوفمبر عن وجود عشرة آلاف فرصة عمل في إسرائيل للعمال الفلسطينيين، وأوردت على ذات الصفحة الشروط المطلوبة لكل عامل فلسطيني يتقدم للحصول على فرصة العمل هذه، وكأن هذه الصفحة تحولت إلى جهة إسرائيلية رسمية تخاطب الفلسطينيين مباشرة.

وقال التاجر الفلسطينيّ عماد علي من جنين لـ"المونيتور" إنّه "يحاول منذ عام الحصول على تصريح لدخول إسرائيل لممارسة أعماله التجاريّة، لكنّه كان يواجه بمماطلة من السلطة الفلسطينيّة، وطلب رسوم بمبالغ طائلة، لكنّه قبل أسابيع، أرسل رسالة إلى صفحة المنسّق، وفي أقلّ من عشرة أيّام حصل على التصريح".

يمتلك صاحب الصفحة الجنرال يوآف بولي مردخاي شهرة واسعة لدى الفلسطينيّين، عقب تعيينه في تشرين الثاني/نوفمبر 2013. فهو قبل عمله هذا، كان متحدّثاً عسكريّاً باسم الجيش الإسرائيليّ، وقبلها رئيساً للإدارة المدنيّة في الضفّة الغربيّة، ورئيس قيادة التنسيق والارتباط في قطاع غزة، وضابطاً في المخابرات الإسرائيليّة، ويتحدّث اللغة العربيّة، ممّا أكسبه فهماً عميقاً للشارع الفلسطينيّ.

وقال الناطق السابق باسم وزارة الداخليّة الفلسطينيّة في غزّة، وأستاذ الدراسات الأمنيّة في كليّة العودة الجامعيّة في غزّة إسلام شهوان لـ"المونيتور" إنّ "صفحة المنسّق تثير مخاوف الفلسطينيّين الأمنيّة، لأنّها تابعة إلى جنرال إسرائيليّ، وتهدف إلى تحقيق أغراض أمنيّة إسرائيلية كتجنيد فلسطينيّين لصالح المخابرات الإسرائيليّة باستغلال حاجاتهم الإنسانيّة، كالسفر والعلاج والتعليم والعمل، خصوصاً وأنّ الصفحة فيها خاصيّة الاقتران، التي تتيح لها اختراق أيّ حساب يزورها، ولدى الأمن في غزّة شواهد بأنّ الصفحة تسهّل علاج مرضى فلسطينيّين في المشافي الإسرائيليّة، وتمكّن آخرين من زيارة ذويهم في مدن عربيّة في إسرائيل، وكذلك تساعد التجّار الفلسطينيّين، بمنحهم بطاقات دخول المعابر الإسرائيليّة".

تزامن تفاعل الفلسطينيّين مع صفحة المنسّق، مع إعلان وزير الدفاع الإسرائيليّ أفيغدور ليبرمان في 17 آب/أغسطس رغبته في التواصل المباشر مع الفلسطينيّين، وتجاوز السلطة الفلسطينيّة، ممّا قد يشير إلى أنّه من ضمن أهداف الصفحة إقصاء السلطة من مهامها ووظائفها وتفريغها منها، وجعل الفلسطينيّين يفقدون ثقتهم بها. ولذلك أعلن مردخاي في 9 آب/أغسطس زيادة عدد تصاريح العمل في الضفّة الغربيّة بثمانية آلاف تصريح جديد، وهي زيادة غير منتظمة، ليبلغ عددها الإجمالي 73 ألف تصريح عمل.

كما أعلنت صفحة المنسق يوم 31 أكتوبر سماح إسرائيل بتسويق المنتجات الزراعية من شمال غور الأردن إلى إسرائيل، مما سيساهم بتعزيز الاقتصاد الفلسطيني، وفي يوم 26 أكتوبر أعلنت صفحة المنسق توسيع رقعة الصيد البحري على شواطئ قطاع غزة من 6 أميال إلى 9 أميال بحرية.

وقال الخبير الفلسطينيّ في الإعلام الجديد خالد صافي لـ"المونيتور" إنّ "صفحة المنسّق لديها ازدياد ملحوظ أسبوعيّاً بمعدّل 4.2%، ويتلخّص هدفها بإعطاء الصورة المتحضّرة لإسرائيل من خلال دورها الإنسانيّ، بتقديم التسهيلات للفلسطينيّين، وهناك فريق إسرائيليّ متخصّص لمتابعة الصفحة، بالاهتمام بالمنشورات والتعليقات الواردة عليها كافّة، وإنّ تقييم "فيسبوك" للصفحة مرتفع بالردّ على الرسائل، بما لا يتجاوز الـ24 ساعة، وتتنوّع منشورات الصفحة لإعطاء وجهة نظر إسرائيل تجاه الأحداث، والظهور أمام المؤسّسات الدوليّة بمظهر المتحضّر، مثل منشور على صفحة المنسق يوم 2 نوفمبر عن خبر مصور حول علاج جنود إسرائيليين لفلسطيني مسن لدغه عقرب في أحد حقول الزيتون بالضفة الغربية، وقبلها إعلان صفحة المنسق يوم 26 أكتوبر عن نقل رضيع فلسطيني من غزة إلى مستشفى بالخليل عبر معبر إيريز شمال غزة لتلقي علاج طارئ، رغم إغلاق المعابر بمناسبة الأعياد اليهودية".

على الرغم من تزايد الإقبال الفلسطينيّ على الصفحة، إلّا أنّ هناك من اعتبر أنّ كثيراً من الحسابات المتابعة لها وهميّة ومزيّفة، ينشئها الفريق العامل في الصفحة ليراها الفلسطينيّون، ويكون الردّ بالإيجاب وبتلبية الدعوات والطلبات، ليشجّع الآخرين، ويتجرّؤون على التواصل مع الصفحة، لكسر الحاجز بين الاحتلال والشعب الفلسطينيّ.

نشر موقع المجد الأمنيّ المقرّب من حماس، دراسة خاصّة عن صفحة المنسّق في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر، ذكرت أنّ مردخاي هو أحد ضبّاط الوحدة السريّة الإسرائيليّة 504، المختصّة بتجنيد العملاء، وصفحته وجه إعلاميّ مزيّف لإعطاء الصورة المتحضّرة للجيش الإسرائيليّ، وتسعى باستخدام الكذب، إلى إظهار دوره الإنسانيّ، وتخلط المقاومة الفلسطينيّة بالإرهاب حول العالم، وتستدرج الفلسطينيّين باستغلال حاجاتهم، وحلّ مشكالهم لأغراض استخباريّة.

مع العلم أن صفحة المنسق التي تحظى بمتابعة آلاف الفلسطينيين يومياً، حلت فعلياً العديد من المشاكل الإنسانية والقضايا المعيشية للفلسطينيين، كما تشير لذلك حالة التاجر عماد علي، الواردة بداية هذا التقرير.

وقال رئيس المكتب الإعلاميّ الحكوميّ في غزّة سلامة معروف لـ"المونيتور" إنّ "صفحة المنسّق تحظى بمتابعة الفلسطينيّين لأسباب عدّة، بعضها بدافع الفضول، مع أنّه يروّج لها من دون أن يدري أو يقصد، ومتابعة هذه الصفحة عليها مآخذ أمنيّة، وهناك خشية من تأثّر المتابعين بالدعاية الإسرائيليّة على الصفحة، وقد وزّعنا تعميماً على الصحافيّين في كانون الأوّل/ديسمبر 2015، بعدم التعامل مع الصفحة، لأنّها تسوّق الرواية الإسرائيليّة للأحداث الدائرة على الساحة الفلسطينيّة، وهذا ما لا يجب أن يتمّ".

تابع "المونيتور" صفحة المنسّق في الأيّام الأولى من تشرين الثاني/نوفمبر، فلاحظ فيها الجانب الإنسانيّ، كصورة جنود إسرائيليّين يعالجون مسنّاً فلسطينيّاً لدغه عقرب في الضفّة الغربيّة، وإحصاءات تظهر مساعدة غزّة بتوفير المياه، ومعاونة الفلّاحين الفلسطينيّين بقطف موسم الزيتون.

من سمات صفحة المنسّق، عدم حديث مردخاي طوال الوقت، فالصفحة لا تركز كثيرا على تصريحاته الإعلامية ، بل يترك ذلك للصور والفيديوهات التي تصاحب نشاطات المنسق في الأراضي الفلسطينية، لأن لهذه الوسائل البصرية تأثير أكبر من الكلام الإنشائي، ممّا قد يشير إلى أنّ من يدير الصفحة طاقم متخصّص بالتصميم والتصوير والمونتاج، وتقديم الردود، وإجادة اللغة العربيّة، ومعرفة المناسبات الفلسطينيّة، لأنّ الصفحة تحرص على تهنئة الفلسطينيّين في كلّ مناسبة.

قال الخبير الفلسطينيّ في الشؤون الإسرائيليّة صالح النعامي لـ"المونيتور" إنّ "صفحة المنسّق جزء من توجّهات إسرائيل لمخاطبة الفلسطينيّين مباشرة، لأنّها تقدّم أخباراً وتقارير تضفي مصداقيّة على رواية إسرائيل، ومعظم من يعملون في الصفحة خرّيجو الوحدات الاستخباريّة الإسرائيليّة، مع أنّ الصفحة محكوم عليها بالفشل، لأنّها تفترض أنّ الفلسطينيّين سيتجاهلون واقع الاحتلال الذي يعيشونه يوميّاً، ويصدّقون الدعاية الإسرائيليّة، فمردخاي، صاحب الصفحة، يتولّى تنفيذ العقوبات الجماعيّة ضدّ الفلسطينيّين، وتدمير منازلهم وتجمّعاتهم السكّانيّة، ويقيّد حركتهم".

حظيت صفحة المنسّق بحوارات على المنتديات الفلسطينيّة، وزعم بعض الفلسطينيّين في 18 آب/أغسطس أنّها تغلغلت بينهم، ووصلت إلى كلّ بيوتهم، ورفض آخرون تضخيم تأثيرها، فمن ساعدتهم من الفلسطينيّين بحاجات إنسانيّة قليلون جدّاً، وطالبت دعوات فلسطينيّة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر بمقاطعتها لخطورتها الأمنيّة على الفلسطينيّين.

أخيراً... يبدو أنّ صفحة المنسّق الإسرائيليّ جزء من معركة الفلسطينيّين والإسرائيليّين حول روايتهما للصراع الدائر بينهما، وعلى الرغم ممّا قد تقدّمه الصفحة من مساعدات إنسانيّة لعدد محدود من الفلسطينيّين، لكنّ صورة مردخاي على صدر الصفحة، تذكّر الفلسطينيّين بأنّهم أمام جنرال عسكريّ إسرائيليّ قد يكون سبباً في ما يعيشونه من مشاكل ومعاناة.

 

المصدر المونيتور

https://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/11/
palestinian-authority-role-israel-coordinator-facebook.html