حماس تحل لجنتها الإدارية..الأسباب والسياقات والنتائج

  • الأحد 14 يناير 2018 06:04 م

 

  • تشكيل اللجنة وحلها
  • عباس في الزاوية
  • الفاعل الإقليمي
     

بصورة مفاجئة، استيقظ الفلسطينيون فجر الأحد 17 أيلول/سبتمبر على إعلان حركة حماس بحل اللجنة الإدارية التي شكلتها قبل سبعة أشهر لإدارة قطاع غزة، وأتى قرار حلها بعد مطالبات فلسطينية متلاحقة، لكن الحركة ارتأت الاستجابة لمصر، زماناً ومكاناً، باعتبارها من ترعى مباحثات المصالحة الجارية في القاهرة.

السطور التالية تحاول التعرف على أسباب قرار حماس المفاجئ، وما هي التطورات المحلية والإقليمية التي كان لها الدور في قرارها هذا، وهل يعني أن المصالحة باتت أقرب من أي وقت مضى، أم أن الشيطان ما زال يكمن في التفاصيل، وأن اتفاق القاهرة سيكون كاتفاقات سابقة في صنعاء والدوحة ومكة وغيرها؟

  • تشكيل اللجنة وحلها

في الوقت الذي تنازلت فيه حماس عن الحكومة التي كانت تديرها في غزة خلال اتفاق الشاطئ أواسط 2014، تمهيدا لاستلام حكومة التوافق الوطني مهامها الإدارية والسلطوية في القطاع، فإن الأخيرة تنصلت من ذلك تحت ذرائع شتى، وبقيت تتعامل مع الفلسطينيين فيه على أنهم مواطنين من الدرجة العاشرة، بل إنها واصلت تهميش هذه البقعة الجغرافية المسماة غزة، وهي التي تعاني حصارا إسرائيليا طال الأخضر واليابس منذ أكثر من عشر سنوات.

نشأ في غزة بعد تخلي حكومة التوافق عن مهامها فراغا إداريا، دفع الطاقم الإداري والحكومي في الوزارات القائمة بغزة، التابع لحماس بصورة أو بأخرى، لمواصلة إدارتها لشئون القطاع، من خلال وكلاء الوزارات والمدراء العامين فيها، واستمر الوضع على ذلك حتى مارس/آذار 2017، حين أعلنت حماس عن تشكيل اللجنة الإدارية لتسيير أمور القطاع الذي يعاني إهمالا وتهميشا من قبل السلطة الفلسطينية.

من باب الإنصاف، فلم تكن حماس بحاجة ماسة لهذه اللجنة، فهي المسيطرة والمسيرة لشئون القطاع، قبل اللجنة وبعدها، والسلطة الفلسطينية ذاتها تدرك ذلك جيدا، وكذا الحال مع إسرائيل والمجتمع الدولي، بدليل أن شئون غزة لم تكن تسير هكذا خبط عشواء، وإنما وفق خطة حكومية منفصلة عن رام الله، التي لم تعامل القطاع أسوة بالضفة الغربية.

لكن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس اعتبرت أن تشكيل هذه اللجنة من قبل حماس هدية وقعت عليهم من السماء، فاعتبروها "مسمار جحا" الذي يتسبب بويلات غزة، وقالوا فيها ما لم يقل مالك في الخمر، بل وتقدم عباس خطوة أمامية خطيرة بإعلانه فرض سلة عقوبات على غزة، بزعم أن حماس شكلت حكومة موازية في غزة، والسلطة، بنظره، ليست مستعدة لتمويل هذه اللجنة، مما دفعه لتقليص رواتب الموظفين التابعين له، ووقف تحويل الأموال لشراء الوقود لتشغيل محطة الكهرباء، وصولا لمنع إصدار التحويلات الطبية من غزة إلى الخارج، مما جعل القطاع أقرب لأن يكون منطقة كوارث إنسانية، وكل ذلك بزعم تشكيل حماس للجنة الإدارية.

يمكن القول أن عباس نجح في إلقاء الكرة في ملعب حماس، وتحميلها جزء من مسئولية المعاناة التي تعيشها غزة، رغم وجود قناعات لدى أوساط واسعة في فتح وحماس وباقي الفصائل أن الرجل لا تعنيه غزة، بكل ما فيها من قوى سياسية، ويسقطها من حساباته السياسية والإدارية، بل يرى فيها عبئا على مشروعه السياسي، لكن إعلانه صباح مساء أن السبب في كل ما تعانيه غزة هو تشكيل حماس للجنة الحكومية جعل كل الأنظار تتوجه للحركة بضرورة نزع هذه الذريعة من الرجل كي يتوقف عن ذبح غزة من الوريد إلى الوريد.

اعتبرت حماس أن قرار تشكيل اللجنة بات ورقة في يدها، وليس من الحكمة السياسية التفريط بها لعباس، بحلها أو تجميدها، دون الحصول على ثمن سياسي، وجدت أنه موجود في القاهرة التي دعت إليها حركتي فتح وحماس أوائل سبتمبر/أيلول الجاري، للتوصل إلى اتفاق مصالحة جديد هو الحادي عشر منذ عام 2006.

  •  عباس في الزاوية

ربما لم يرغب عباس بنظرته السابقة إلى غزة أن تتنازل حماس عن لجنتها الإدارية، وربما تمنى بأن تبدي الحركة تعنتاً في موقفها هذان فيصطاد عدة عصافير بحجر واحد: يبقي حماس في صدارة مشهد رفض التنازل للمصلحة الوطنية العليا، ويواصل إعفاء نفسه وسلطته من تحمل أعباء قطاع غزة، ويضيف توتيرا للعلاقة القائمة بين حماس ومصر.

لكن حماس فاجأته هذه المرة بحل اللجنة، كما أصابته ذات المفاجأة بتشكيلها، ولعل مفاجأة عباس المضاعفة أن قرار حماس بحل اللجنة لم يأت من غزة، وإنما من مصر، التي تشهد علاقاتها مع سكان المقاطعة برام الله فتورا لا يخفى على أحد، بسبب الاحتضان المصري لعدو عباس اللدود، محمد دحلان، وإعلان مصر علانية مع بعض عواصم الإقليم أن الأخير هو خيارها في الساحة الفلسطينية، رضي عباس أم أبى.

جاء إعلان حماس عن حل اللجنة الإدارية بعد وساطات وضغوط مصرية لم تعد سرية، في وقت سافر فيه عباس إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلقائه خطابا سياسيا أمام العالم حول مستقبل مسيرة التسوية مع إسرائيل، مما يرجئ تنفيذ اتفاق القاهرة لما بعد عودته إلى الأراضي الفلسطينية الأسبوع القادم، ولكن إلى ذلك الوقت بإمكانه إصدار جملة إشارات ميدانية تؤكد رغبته بالمصالحة مع حماس، عبر وقف أو تجميد العقوبات السارية على القطاع منذ عدة أشهر.

يمكن القول أن استجابة حماس للوساطة المصرية بحل اللجنة الإدارية، خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن التحديات ما زالت ماثلة، والتساؤلات العالقة بدون إجابة، رغم أن خطوة حماس قد تعتبر عربون محبة للمصريين، فقد كان بإمكانها حل اللجنة قبل سفرها للقاهرة، لكنها الرغبة الحثيثة بتوثيق العلاقة مع أنبوب الأوكسجين المصري الذي يتنفس منه الفلسطينيون، خاصة في غزة، وهنا تصدر دكتاتورية الجغرافيا حكمها الأبدي، بالمرور الإجباري للفلسطينيين من البوابة المصرية.

في المقابل، فإن انزعاج عباس من تقارب مصر بحماس، ولو مؤقتاً، ولأسباب أمنية تتعلق بضبط الوضع الأمني في سيناء، زاد جرعة انزعاجه باستجابة الأخيرة للقاهرة بحل اللجنة، مما ينقل الكرة مباشرة إليه للالتزام بتعهداته بوقف العقوبات ضد غزة.

اللافت أن الفلسطينيين الذين رحبوا بصدور بيان حماس بحل اللجنة الإدارية، ربما كانوا يتمنون قراءة بيان مصري، أو إعلان مشترك لحماس وفتح حول مباحثات القاهرة، وليس بيانا حمساويا انفراديا،لأن بيانا عليه توقيع الراعي والضامن لهذه المباحثات يعني الكثير في العمل السياسي، رغم صدور بيان مصري مقتضب، علما بأن القاهرة لم تستطع جمع وفدي فتح وحماس معا تحت سقف واحد، وهما اللذان لا يبعدان عن بعضهما سوى عدة أمتار!

الخبرة السابقة لحماس مع عباس طوال اتفاقات المصالحة السابقة منذ 2006، تجعل الفلسطينيين متوجسين قلقاً من البند الرابع الوارد في بيان حماس الخاص بحل اللجنة الإدارية، حيث ذكر نصاً "أن حماس ستبحث مع فتح "آليات" تنفيذ الاتفاق"، وهنا الخطر الشديد من العودة للمربع الأول.. لأن آليات تعني تفاصيل وتعني ظهور شياطين الإنس ومردة الجان.

ما يمكن قوله أن الاستبشار خيرا بخطوة حماس الإيجابية لا يعني أن الفلسطينيين باتوا قاب قوسين أو أدنى من مصالحة جادة، لكن قرار حماس على الأقل ينزع الذرائع الواهية من عباس التي تحجج بها لخنق غزة.

  • الفاعل الإقليمي

يبدو صعبا فصل حوارات القاهرة للمصالحة الفلسطينية، وإصرار مصر على إبقاء وفدي فتح وحماس، أكثر من الفترة الزمنية المخصصة لهما، عن التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة المحيطة بفلسطين، سواء ما كان منها بالأحداث المتسارعة في الملفين السوري واللبناني، والتوتر الأمريكي الإيراني، أو تفاعلات الأزمة الخليجية، أو ظهور أزمة استفتاء كردستان، والتبعات الإقليمية المتوقعة له.

في الوقت ذاته، فقد أعلنت مصر نجاح جهودها في مصالحة فتح وحماس في وقت يعتزم فيه عباس اللقاء مع ترمب بعد أيام قليلة، وهو ما قد يصعب عليه أن يجتمع به وهو يصالح حماس، وهو من وصفها بالمنظمة الإرهابية في مايو/أيار خلال خطابه في السعودية، ولئن كان تخوف عباس هذا مفهوم سياسيا، لكن توقيت إبرام المصالحة يستحق التوقف، لاسيما وأن مصر تعتبر عرابة السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

حماس من جهتها تبدو مطالبة، ولا أظن ذلك غائباً عنها، أن تبدي حذرا أكثر من رفع الفيتو الأمريكي الإسرائيلي عن مصالحتها مع فتح، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تجارب سابقة أخذت الحركة على حين غرة بتوجيه ضربات عسكرية قاسية من قبل إسرائيل، في وقت يبدو لها أنها حصلت على غطاء عربي، ولو مؤقتاً، لكن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وثلاثة!

اللافت في سطور التحليل هذه أنها تزامنت مع معلومات لقادة في حماس تحدثت أن أمريكا رفعت الفيتو عن المصالحة، وهذا كلام يستحق التوقف، ويطرح أسئلة: لماذا تسعى مصر الآن لإبرام هذه المصالحة، وهل هناك طبخة في المنطقة يعد لها القوم، ويراد منها تسكين الملف الفلسطيني، وهل أقنع المصريون حماس وفتح بضرورة أن يخفضوا رأسهم لمرور العاصفة المفترضة، أم يكونا جزء من الصفقة المتوقعة؟

هذه أسئلة برسم الإجابة، لكن الشواهد عليها تؤكد أن الملف الفلسطيني لم يعد في صدارة دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي، في ظل تزاحم الملفات، الأكثر سخونة، مما يظهر مصر كما لو كانت مكلفة من قبل عواصم وازنة، للقيام بهذا الدور بالتقارب مع حماس، وهي التي تعلم حجم العداء الذي ساد بينهما، لكنها غضت الطرف كما يبدو مؤقتاً، لتحقيق أهداف وأغراض محلية وإقليمية ودولية، تلاقت مصالحها جميعاً في آن واحد، أو هكذا يبدو للرائي عن قرب!

 

المصدر الجزيرة نت