المخابرات الإسرائيلية.. إلى أين؟

  • الجمعة 02 فبراير 2018 06:27 م

فيس.jpg

المخابرات الإسرائيلية.. إلى أين؟.pdf

ملخص الكتاب

 

هذا الكتاب "عالم المخابرات الإسرائيلية..إلى أين؟" لمؤلفيه "شموئيل إيفين"([1]) و"عاموس غرانيت"([2])، يعد واحدا من الكتابات القليلة التي لا تقدم فقط رؤية إسرائيلية للأخطار التقليدية وغير التقليدية التي تواجه إسرائيل، وإنما تتناول تركيبة المخابرات الإسرائيلية وأدوارها وعملياتها السابقة، وتتطرق إلى محاولة استخلاص العبر من أجهزة استخباراتية عالمية أخرى حتى يمكن مواجهة هذه الأخطار.

وينقسم الكتاب الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي([3]) إلى أربعة فصول: الأول يتحدث عن تركيبة المخابرات الإسرائيلية، والثاني يتناول تجارب الماضي، والثالث يقدم المخاطر التي تواجه إسرائيل في العقد القادم، ويتحدث الرابع عن كيفية معالجة أوجه القصور في عمل الاستخبارات الإسرائيلية.

وقد أظهرت الدراسة التي بين أيدينا الميول القائمة في البيئة الإستراتيجية، التي يجب على الاستخبارات الإسرائيلية الاستعداد لها في العقد المقبل، وأشارت في الجزء المتعلق بالبيئة الإستراتيجية لإسرائيل إلى أن العولمة ستواصل تشكيل صورة العالم في السنوات المقبلة، أما سماتها الأساسية فهي:

  1. مواصلة ذوبان الحدود بين الدول بوصفها حاجزا أمام حركة المعلومات، السكان، التكنولوجيا ورأس المال على وجه البسيطة؛
  2. تناقص الشرعية لاستخدام القوة العسكرية؛
  3. استمرار المؤسسات الدولية في أداء دور مهم في المنظومة الدولية؛
  4. كما سيواصل الاقتصاد، الثورة التكنولوجية وعصر المعلومات أداء دور المحرك في تقدم العولمة.

وهناك ظاهرة تناقض العولمة في اتجاهها، لكنها تكملها بمنطقها وهي المحلية، وشرحت الدراسة ظاهرة المحلية فتشير إلى أنها تعاظم عوامل القوة المحلية في الدول ذات السلطة الضعيفة، والأمثلة على ذلك: أراضي السلطة الفلسطينية، لبنان، العراق، السودان، أفغانستان، وتشكل هذه المناطق مرتعا للجهات المعادية.

وبسبب الخشية من المساس بالسكان المدنيين ثمة صعوبة في تحقيق الردع في مثل هذه المناطق عبر استخدام القوة الشاملة، ما يستدعي، بالتالي، عمليات جراحية ضد الجهات المعادية، وهي عمليات تتطلب بداهة فعلا استخباراتيا.

كما أبرزت الدراسة مواصلة منظومة القوى الدولية ميلها للانتقال من عالم أحادي، يملي فيه الغرب جدول الأعمال العالمي، إلى عالم متعدد الأقطاب، تتواجد فيه قوى عالمية قوية أخرى، مثل الصين، روسيا التي تطمح لاستعادة دور اللاعب القائد والاتحاد الأوروبي.

وسيعزز النمو الاقتصادي السريع في شرق آسيا، وخصوصا في الصين والهند، مكانة هذه المنطقة الدولية، لكنها أيضا ستخلق تحديات في المجال الداخلي في ضوء الفجوة المتزايدة في تقاسم المداخيل بين السكان، صحيح أن نفوذ الولايات المتحدة قد يتراجع، لكنها ستبقى القوة الأعظم، وستواصل محاربتها للإرهاب، ولانتشار الأسلحة غير التقليدية.

كما ستستغل قوى الإسلام السياسي وإيران تعاظم الوعي بالهوية الإسلامية لزيادة النضال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بوصفهما تهديدين عسكريين، دينيين وحضاريين.

وقد قرأت الدراسة الميول في البيئة الإقليمية الإسرائيلية، فترى أن النزاع العربي الإسرائيلي سيواصل ترؤس جدول الأعمال الأمني والسياسي لإسرائيل ودول المنطقة كنزاع قومي ديني وحضاري، وفي قلب هذا النزاع سيبقى النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين.

وهناك بؤرة نزاع ثانية: بين إسرائيل وسوريا وحزب الله، ومن الجائز في العقد المقبل حدوث مد وجزر في العملية السياسية، وهنا يجب الأخذ بالحسبان نشوء دولة فلسطينية «مسالمة» أو معادية/ غير مستقرة، وربما اتفاقيات مع سوريا ولبنان، ومع دول عربية أخرى، صحيح أن الأنظمة العربية اليوم تسلّم بوجود إسرائيل، ولكن قد يتعزز الخط الأيديولوجي الرافض لحق دولة إسرائيل في الوجود والتسليم بها في أوساط قسم من سكان العالم العربي.

واعتبرت الدراسة أن هناك بؤرة نزاع ثالثة تتدخل فيها إسرائيل في المنطقة، وهي إيران والمنظمات الإسلامية المحلية والدولية. إذ سيواصل هؤلاء اعتبار إسرائيل عدوا يجب تدميره، وقد تتورط إيران في مواجهة بين إسرائيل وسوريا وحزب الله، كما أن هذه القوى يمكن أن تتدخل في مواجهة بين إيران وإسرائيل، إذا وقعت.

وفي تحليل مواضع انعدام اليقين، طالبت الأخذ بعين الاعتبار تعزز المعارضة الإسلامية لدرجة تعريض استقرار أنظمة معينة للخطر في السلطة الفلسطينية، مصر، الأردن، لبنان، سوريا، السعودية، باكستان، كذلك هناك انعدام يقين بشأن الوضع في العراق وآثاره على المنظومة الإقليمية وإسرائيل.

ولخصت الدراسة المخاطر الأمنية على إسرائيل في العقد المقبل على النحو التالي:

1- خطر السلاح غير التقليدي بأنواعه المختلفة وإمكانية وصول سلاح نووي لأيدي دول أو جهات متطرفة.

2- خطر الصواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خصوصا من جانب المنظومة الشمالية، إيران، والمنظومة الفلسطينية.

3- خطر تقليدي من جانب الجيوش النظامية في المنطقة التي تملك أسلحة متطورة.

4- أخطار شبه عسكرية وعصابية.

5- أخطار من جانب جهات معادية في المنطقة أو من جانب جهات دولية. ويشمل ذلك احتمال عمليات هائلة الترهيب.

6- انتفاضة، عصيان مدني.

وأشارت الدراسة إلى إمكانية تقاطع المخاطر، في ضوء أن عددا من المخاطر القائمة في البيئة الإستراتيجية يمكن أن تتعاظم مثل:

1- خطر سقوط أنظمة عربية معتدلة بالترافق مع خطر امتلاك سلاح نووي، على شكل الخوف القائم حاليا إزاء باكستان.

2- خطر استعداد جهات متطرفة لتنفيذ عمليات ترهيب هائلة بالترافق مع تسرب سلاح غير تقليدي.

3- خطر تبلور دولة فلسطينية معادية بالترافق مع انتفاضة في أوساط عرب 48.

وقد شرحت الدراسة الآثار العملانية لهذه الأخطار على نظرية الأمن الإسرائيلية، وتحدد أن هناك حاجة للاستعداد لمواجهة في جبهة أوسع مع عناصر عصابية، ومع الدول التي تطور أسلحة غير تقليدية ومع «جهات في مناطق معادية لا وجود فيها لسلطة مركزية».

وخلصت الدراسة إلى أن لذلك آثارا على الاستخبارات الإسرائيلية تفرض عليها:

أ- شن حرب سرية في جبهة واسعة في ضوء طابع الأعداء وغياب المشروعية السياسية لاستخدام النار، فالعمل السري يسمح أيضا بتقليص مخاطر التصعيد، رغم أن ذلك ليس مضمونا.

ب- تنفيذ عمليات جراحية معقدة في مناطق بعيدة.

ج. تنفيذ عمليات إحباط واسعة ضد الأعمال السرية والجرائم الإستراتيجية على الصعيد الداخلي.

د. تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الشبكة العنكبوتية، كموضع قتال جديد في عصر المعلومات.

هـ. توفير معلومات دقيقة وبكمية عالية لتجسيد القدرات النارية للجيش الإسرائيلي.

و. توفير معلومات لتحقيق مصالح أمنية سياسية، مثلا ردع الأعداء عن الحرب وإحباط مشاريعهم، عبر الكشف عن نواياهم، أو توفير معلومات استخبارية ضد أعداء يعملون تحت ستار من السرية والخداع للأسرة الدولية، كالسيطرة على سفينة السلاح كارين A.

ز. المساعدة في الحرب على العقول، بكشف المعلومات التي تؤثر على شرائح مختلفة بهدف المساعدة في تحقيق أهداف أمنية قومية.

ح. الخداع والحرب النفسية.

وكشفت الدراسة أن الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، عملت خلالها الأجهزة الإستخبارية بتواز دون تنسيق تام بينها، يعزو البعض سببه إلى العلاقات الشخصية غير الودية بين رؤساء أجهزة الأمن الإستخبارية، وأهمها: الشاباك، أمان، الموساد، مركزة على ضرورة التنسيق فيما بين الأجهزة المذكورة لأهمية وجوده وخطورة انعدامه.

ولتفادي أي إشكاليات مستقبلية قدمت الدراسة نموذجين لهيئة عليا تشرف على الاستخبارات، وتنسق فيما بينها، نموذج أمريكي وآخر بريطاني، على الرغم من وجود هيئة مشتركة لرؤساء الشاباك والموساد والاستخبارات العسكرية، إلا أنها غير فعالة في الوضع الراهن، لذا اقترحت تأسيس هيئة عليا، سلطة تضم تحتها كافة الأجهزة الإستخبارية.

وأشارت الدراسة إلى أن "للأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية مبنى تنظيمياً ضعيفاً، لا يلائم متطلبات مواجهة التحديات الأمنية الجديدة في إسرائيل، أي أن ليس هناك مركز للأجهزة أو رأس مدير.

وأكدت أن التغييرات الحاصلة في التهديدات الإستراتيجية، وتقدم التكنولوجيا، وسهولة الحصول عليها من قبل أطراف معادية، يصعب ويجعل مهمة مواجهتها غير سهلة على جهاز استخباري واحد، بل يتطلب العمل معاً من قبل الأجهزة الإستخبارية، في ظل توقع زيادة قوة "القوى الإسلامية" في العالم والمنطقة، مقابل تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد استعراض تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية باختصار، نجاحاتها ونكساتها، تطرقت الدراسة إلى مهمات الأجهزة الإستخبارية في المستقبل، لاسيما على الأصعدة التالية:

  1. التوجهات في البيئة العالمية: فالعولمة ماضية في تحديد وجه العالم في السنوات المقبلة، ومن أهم ميزاتها ، تذليل الحدود بين الدول كحاجز لنقل المعلومات والبشر والتكنولوجيا والثروات، أي شرعية أقل لاستعمال القوة العسكرية مقابل استمرار مؤسسات دولية لعب دور هام في المنظومة الدولية، لكن هناك اتجاه معاكسا للعولمة وهو صعود قوى محلية في دول سلطة الحكم فيها ضعيفة مثل: السلطة الفلسطينية، العراق، لبنان، أفغانستان، معتبرة تلك المناطق بمثابة "وسادة" لنمو الأطراف المعادية لإسرائيل.
  2. التوجهات في البيئة الإقليمية: حيث قدرت الدراسة أن الصراع العربي الإسرائيلي سيستمر في تصدر الأجندة الأمنية والسياسية في إسرائيل ودول المنطقة كـ"صراع قومي وديني وثقافي"، في صلبه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أما على المسار السوري واللبناني، فرأت الدراسة أنّ العقد المقبل سيشهد صعودا وهبوطا في المسار السياسي، في ظل أن غالبية الدول العربية أصبحت تقر وتسلم بقيام دولة إسرائيل، إلا أنها لا تستبعد صعود في قوة القوى الممانعة للتسليم والاعتراف بوجود إسرائيل.
  3. التنظيمات الإسلامية المحلية والعالمية: قررت الدراسة أن هذه المنظمات على جانب إيران، ستستمر في تحديد إسرائيل كعدو يجب تدميره، لاسيما وأنّ إيران مرشحة للتدخل في مواجهة بين إسرائيل وسوريا وحزب الله، كما أن سوريا وحزب الله قد يتدخلا في مواجهة حربية بين إسرائيل وإيران.

وهنا لابد أن نفند مسألة بدت كما لو كانت حقيقة بديهية لدى العديد من المحافل الإقليمية والدولية خاصة بالمخابرات الإسرائيلية، حيث عكف المتحدثون باسم الحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام على امتداح الدور الكبير والحاسم، الذي تقوم به الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية في الحروب، التي تشنُّها الدولة العبرية للقضاء على أعدائها في الداخل والخارج، ويشدِّد قادة الجيش أنه لولا المعلومات الاستخبارية التي توفِّرها هذه الأجهزة، لما استطاع أن يحارب قوى المقاومة.

ومع ذلك، فإن مراجعة تاريخية لعالم الاستخبارات الإسرائيلية، بمختلف أجهزتها العاملة، الشاباك والموساد وأمان، تجعلها مرتبطة حتما بسلسلة طويلة من الإخفاقات والعمليات الفاشلة، التي هزّت صورتها -إلى جانب سلسلة طويلة من النجاحات- وتسببت مراراً بحرج بالغ لإسرائيل، وأحياناً ألحقت ضرراً بعلاقاتها على المستوى الدولي، ومن أبرزها:

‌أ. في تموز/ يوليو 1973 اغتالت المخابرات الإسرائيلية خطأ، في منتجع "ليليهامر" في النرويج، نادلاً مغربياً، اعتقدوا أنه المسؤول "أبو حسن سلامة" عن منظمة أيلول الأسود، وقد اعتقلت السلطات النرويجية إثر الحادث عدداً من الإسرائيليين، وحُكِم بالسجن على ثلاثة منهم أدينوا بالاشتراك في العملية.

‌ب. أدّت معلومات خاطئة قدمها "الموساد" لقيام طائرة حربية إسرائيلية في آب/ أغسطس 1973 باعتراض طائرة ركاب مدنية ليبية، وإجبارها على الهبوط في إسرائيل ظناً أن زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، د. جورج حبش، موجود على متنها، فتبين أنه لا يوجد بين ركابها أي مسئول في المقاومة، مما سبب حرجاً بالغاً للدولة في حينه.

‌ج. تتهم المخابرات الإسرائيلية بأنها أسهمت في جرّ وإقحام إسرائيل في المستنقع اللبناني سنة 1982 بتقديمها معلومات خاطئة وأحكام مضللة عن الوضع هناك، خاصة فيما يتعلق بقدرات حلفائها في "المليشيات المسيحية المارونية".

‌د. في نيسان/ أبريل 1991 ألقى شرطي قبرصي القبض على أربعة من العملاء الإسرائيليين يحاولون وضع أجهزة تنصت داخل سفارة إيران بنيقوسيا، ثم أفرج عنهم بالكفالة بعد تسوية توصلت لها مع إسرائيل.

‌هـ. في تشرين الثاني/ نوفمبر 1985 أوقفت السلطات الأميركية "جوناثان بولارد" اليهودي الأميركي، لاتهامه بالعمالة السرية لـ"إسرائيل"، مستغلا عمله كمهندس في البحرية الأميركية، وقيامه بتزويد الموساد بوثائق ومعلومات سرية وحساسة، حيث أدانته محكمة أميركية بتهمة التجسس لحساب الدولة العبرية، وحكمت عليه سنة 1987 بالسجن المؤبد، وفي منتصف التسعينيات منحت إسرائيل عميلها الجنسية الإسرائيلية في نطاق ضغوطها على السلطات الأميركية لإطلاق سراحه.

‌و. في كانون الثاني/ يناير 1997، تمّ في إسرائيل توقيف "يهودا غيل"، عميل سابق بارز في الموساد، اتُهِمَ بإمداد المسئولين عنه طيلة سنوات عديدة بتقارير مضللة ومعلومات ملفقة، نسب فيها إلى سورية نوايا عدوانية لا وجود لها، مما وضع البلدين أواسط التسعينيات مرتين على حافة اندلاع حرب بينهما، خاصة صيف سنة 1996، واعتبرت فضيحة كبيرة للموساد.

‌ز. في 25/9/1997 اعتقل الأردن اثنين من عملاء الموساد إثر مشاركتهما في محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس "خالد مشعل"، واحتجت كندا على استخدام الموساد جوازات سفرها في أثناء المحاولة، واضطرت "إسرائيل" للاعتذار للبلدين وإطلاق سراح مؤسس حماس الشيخ أحمد ياسين بعد سجن ثماني سنوات، مقابل الإفراج عن عميليها.

‌ح. في سويسرا سنة 1998، أخفق فريق من عملاء الموساد في تنفيذ مهمة تجسسية خاصة، في مدينة "بيرن"، استهدفت زرع أجهزة تنصت في شقة مواطن لبناني ينسب له الارتباط بعلاقة تعاون لحساب حزب الله، وقد أوقفت السلطات السويسرية وسجنت أحد العملاء الذين ضبطوا متلبسين بالمحاولة.

‌ط. فضيحة الموساد في نيوزيلاندا انفجرت في تموز/ يوليو 2004، حين قررت "إسرائيل" القيام بعمليات اغتيال ضدّ قادة حزب الله والتنظيمات الفلسطينية، خاصة في لبنان وسورية، ولهذا الغرض حاولت الحصول على جوازات سفر لدول محايدة لا تثير الشبهات، منها نيوزيلاندا، إلا أن المحاولة كشفت، وتمّ ضبط مواطنين إسرائيليين متلبسين، وحكم على المتهمين بالسجن ستة أشهر.

كما تجلت الإخفاقات الاستخباراتية في الممارسة الفاشلة لأجهزة المخابرات الإسرائيلية التي أشرفت على العديد من العمليات الأمنية العسكرية الخارجية، من أهمها:

‌أ. إخفاق الدوائر الأمنية الإسرائيلية في التوصل إلى أن المجلس الوطني الفلسطيني سيتبنى سياسة جديدة لحلّ النزاع سياسياً مع إسرائيل.

‌ب. المفاجأة بسقوط سور برلين، وانهيار النظام السوفيتي وانحلاله أيضاً.

‌ج. أخطأ التقدير الاستخباري في عدم التأكد من وقف إطلاق النار في حرب العراق إيران سنة 1988، لافتراضه أن بغداد ستحتاج فترة طويلة من الانتعاش وإعادة التنظيم، بعد ثمانية أعوام من الحرب المنهكة، وجاء احتلال العراق للكويت سنة 1990 "ليلطم هذا التقدير المتفائل على وجهه".

‌د. تَعَرُّض "إسرائيل" لصواريخ عراقية سنة 1991، وعدم انطلاق تقديرات استخبارية حول الأمر، أدى لبروز أزمة في العلاقات مع واشنطن.

‌ه. عدم مشاركة الاستخبارات العسكرية في مفاوضات أوسلو مع منظمة التحرير سنة 1993.

‌و. سنة 1996 أخطأت الاستخبارات تقديرها حول حركة القوات السورية في هضبة الجولان.

‌ز. مفاجأة الدوائر الأمنية بأحداث النفق في المسجد الأقصى في أيلول/ سبتمبر 1996.

‌ح. أخطأت المخابرات الإسرائيلية في تقديراتها المتشائمة بشأن العمل العسكري المتوقع لحزب الله عقب الانسحاب من جنوب لبنان في أيار/ مايو 2000.

ويرى عدد من المسئولين الأمنيين والعسكريين الإسرائيليين، على رأسهم الجنرال متقاعد "شلومو غازيت" أن هناك ثلاث مشاكل تنشأ لدى المخابرات الإسرائيلية، وتؤدي لفشلها الاستخباراتي تتمثل في:

1. تدفق المادة الخام غير الدقيقة إلى القادة.

2. توزيع المادة الاستخبارية على محافل البحث، وبعثرة معلوماتها،وعدم الخروج بتقدير جيد.

3. الترهل الإداري الذي يلعب دوراً مهماً في عملية الإخفاق.

وبالتالي، انعكست سلسلة الإخفاقات سلباً على واقع "إسرائيل" كدولة، وعلى علاقاتها الخارجية وسياساتها مع دول العالم, ولهذا فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الدولة التي ينبغي عليها إعادة النظر في العديد من سياساتها الأمنية والعسكرية والسياسية أيضاً.

وقد شكلت حرب لبنان في تموز 2006، نموذجاً صارخاً على فداحة الأخطاء الاستخبارية، والثغرات الأمنية التي وقعت فيها مختلف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بمختلف مسمياتها (الشاباك، والموساد، وأمان).

ولعل الإخفاق الأكبر الذي وقع فيه الجيش يكمن في نجاح حزب الله، وهي منظمة تخوض حرب عصابات، في "خطف دولة بأكملها" بعد سنوات عديدة من التسلح والتخفي، بحيث استفاقت "إسرائيل" لتجد الحزب أكثر تنظيماً، وأكفأ قتالية وتدريباً مما كان في جولات القتال السابقة، وأسفر عن تغير الوضع مع مقاتليه في ساحة المعركة.

ولعل عملية "الوعد الصادق" افتتحت سلسلة الأخطاء الأمنية الاستخبارية؛ حيث نجح المقاومون في مباغتة الجيش، مما يشير لوجود خلل استخباري ولا مبالاة من قِبَل جنود الدورية وقادتهم.

كما أسهمت سلسلة الإخفاقات الأمنية والاستخبارية في بروز شروخ أولية في الإسناد الذي تمنحه القيادة السياسية العليا للجيش منذ بداية المواجهة؛ حيث عبّرت محافل سياسية ووزراء في الحكومة، في محادثات مغلقة، عن قصور الاستخبارات في جمع المعلومات عن تعاظم حزب الله، والاستعدادات المكثفة التي أعدّها للمواجهة مع "إسرائيل".

وأكدت المصادر أن الوقائع اليومية للحرب أشارت إلى أن أحداً ما غفي في الحراسة، وهي أجهزة الأمن، صحيح إن الاستخبارات حذّرت بأن حزب الله يستعد للمواجهة، لكنها فشلت في قدرتها على التسلل داخل الحزب لإعداد قائمة أهداف نوعية لهجوم يكسره.

وكما قال أحد الوزراء: ربما رأى رجال الاستخبارات "الغابة"، لكنهم بالتأكيد لم يلاحظوا الأشجار! لأنهم أعطونا الإحساس بأنهم منشغلون بمنح إنذارات باختطاف جنود فقط، ولكن طوال الوقت تعاظم حزب الله إلى حجم جيش.

ثم تمثلت سلسلة من الإخفاقات الأمنية والاستخبارية بعدد من المفاجآت التي قدمها حزب الله خلال المعركة، لتثير تساؤلات مقلقة في ضوء عدم تزود الجيش بمعلومات من قبل الاستخبارات بأن لدى الحزب صواريخ وأسلحة بهذه القدرة، ولعل أهم هذه الإخفاقات:

1. الصاروخ الذي ضرب البارجة البحرية؛ حيث لم يقم سلاح البحرية بتشغيل المنظومة الدفاعية خشية أن يصيب طائرات سلاح الجو عن طريق الخطأ! وفي حين تتوجه الانتقادات للمؤسسة الأمنية بفروعها المختلفة، في ضوء المفاجأة التي أرسلها السيد حسن نصر الله عندما أخرج وللمرة الأولى، صاروخًا تمكن بواسطته من ضرب البارجة البحرية! ترى: هل هناك خلل استخباري؟ أم استخفاف بقدرات حزب الله؟ أم هي اللامبالاة؟ يبدو أن المسألة تتعلق بكل هذه الأمور مجتمعة كما قال معلق عسكري!.

2. تكاثر الانتقادات في ميدان المعركة، حيث أكد جنود عائدون من المعارك الضارية أن حزب الله يستخدم في إطلاق الكاتيوشا إستراتيجية كلاسيكية في الاختفاء، وربما غاب عن مسئولي الأجهزة الأمنية ما سبق أن أكده نصر الله نفسه سابقًا حين قال: إن حزبه سيؤدي دوره حيال الجيش الإسرائيلي بشكل أفضل من الجيش اللبناني، ذلك أن "الجيش لا يمكنه أن يختبئ، ولكن أنا يمكنني ذلك، وحتى لو بحثت عنا "إسرائيل" فلن تجدنا"! ويسأل الإسرائيليون: طالما أن الرجل موثوق في كلامه، لماذا لم ينتبه أحد لما قاله؟.

3. المعركة التي خاضها سلاح المشاة ضدّ مقاتلي حزب الله بجانب مستوطنة "أفيفيم" وقتل فيها عدة جنود، أوضحت الفشل الاستخباري؛ فكيف لم يعلم الجنود المتقدمون باستعداد مقاتلي الحزب في المنطقة على الرغم من مراقبتهم على مدى أشهر طويلة؟ وكيف لم يعرف أحد بوجود أنفاق بجانب الموقع؟ ولم يُقدّر أحد أن رجال الحزب يكمنون للجنود في كمين غير ظاهر؟ وقد روى بعض القادة والجنود في الوحدة المختارة الكثير من المواقف التي أكدت بصدق الفشل الاستخباري الذي وقعت فيه "إسرائيل"!.

4. وفي حين تشير المصادر الاستخبارية إلى تصفية جزء من قيادة حزب الله، إلا أن الأحداث أثبتت عكس ذلك، فقيادة الحزب ما زالت سليمة، وأجهزة المخابرات حتى الآن لا تملك صوراً لبعض مسئوليه، مما يدلّ على الصعوبة الاستخبارية التي تواجهها، وقد توسعت المصادر الإسرائيلية في الحديث عن تصميم أجهزة الأمن في الوصول لقادة الحزب، خاصة القيادة العسكرية التي تملك خبرة واسعة في هذا المضمار ومدربة، وتملك علاقات قوية مع حرس الثورة الإيراني، حسب الزعم الإسرائيلي، رغم نجاحها أخيراً في النيل من القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية، واغتياله في العاصمة السورية في شباط/ فبراير 2008.

5. الإرباك الاستخباري الذي وقع فيه الجيش تمثل في الشعار الذي رفعه أمين عام حزب الله، حين هدد باستهداف العمق الإسرائيلي "إلى ما بعد بعد حيفا"، مما أفسح المجال للعديد من القراءات الأمنية أهمها أن الحرب بين المقاومة و"إسرائيل" مرت بثلاث مراحل:

‌أ. الأولى بدأت جغرافياً بين نقطة تقع في منطقة ما بعد الضاحية الجنوبية لبيروت، ونقطة أقصاها مدينة حيفا، عاصمة الشمال الفلسطيني المحتل.

‌ب. الثانية "ما بعد حيفا" لكن لا أحد يعرف من أين تبدأ جغرافياً، وإن كان مراقبون ومحللون إستراتيجيون يعتقدون بأن منتهاها قد يكون "تل أبيب".

‌ج. الثالثة "ما بعد بعد حيفا"، فلم يعرف أحد من أين تبدأ جغرافياً، ولا أحد يعرف أين تنتهي.

6. خلاصة الأمر في الأخطاء الأمنية تتمثل في أن جلسات المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" حفلت بالخلافات الكثيرة بين رئيس الموساد "مائير داغان"، ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية "عاموس يادلين"، حول قدرة صمود حزب الله، فالأول يرى نفسه "العالم الأكبر" في الشأن اللبناني، ففي سنوات الثمانينيات، وحين كان رئيس وحدة الارتباط في لبنان، حاول دون نجاح، أن يحولها إلى وحدة مخابراتية وتنفيذية تنافس أجهزة المخابرات الكبيرة، حيث قدم عدداً من الاقتراحات للقيام ببعض العمليات اللحظية التي وصفها بـ"الجزئية"، إلا أن وزراء المجلس المصغر رفضوها.

7. الفشل الأمني الحقيقي الذي وقعت فيه "إسرائيل" تمثل في الدعاية التي بثتها طوال الوقت، وهي أن حزب الله يفتقد للعمق الشعبي، بالعكس فإن الشعور السائد ضدّه بين اللبنانيين هو العداء والنفور منه، وحتى بعد القصف الجوي لبلدة قانا، بقي الشعور الأساسي نحوه بالمقت لم يتغير! وهو ما تمّ دحضه عملياً من خلال المظاهرات التي خرجت بين الحين والآخر خلال وعقب انتهاء المعارك المؤيدة للحزب، ولعل آخرها "مهرجان الانتصار" الذي شهدته الضاحية الجنوبية!

8. نجاح المنظمات المسلحة، خاصة حماس وحزب الله في تحقيق ما أسماه أحدهم "الاشتباك المستمر" مع العدو، على الرغم من الاستغناء عن اعتماد القواعد العسكرية الثابتة والظاهرة التي يمكن قصفها، فقد فاجأ حزب الله "إسرائيل" - كما حماس في فلسطين- بعدم امتلاكه قواعد ومعسكرات ثابتة، فهو يعمل سياسياً وعسكرياً بالاندماج الكامل في نسيج المجتمع اللبناني، وهو ما تذرع به الجيش للقصف الوحشي للمدنيين.

9. على الرغم من الدور الكبير الذي يقدمه جهاز الـ"يومِنت" الإسرائيلي، وهي الاستخبارات البشرية القائمة على تجنيد العملاء وتفعيلهم، وكذلك الوحدة 504 خاصة عند الحدود، والوحدة 8200 التي وفرت صورة استخبارية عن حزب الله، فقد أصيبت جميع هذه الوحدات بانتكاسة استخبارية بعد أن تجنب المقاتلون التحدث عبر الهواتف، ومرروا رسائلهم من خلال رُسل، وأجروا لقاءاتهم في غرف محصنة ضدّ التصنت. وعلى الرغم من أن تدمير المربع الأمني للحزب شوّش العملية القيادية لديه، إلا أن أفراده كانوا على استعداد لذلك، فالقادة الميدانيون حصلوا على التعليمات بالتصرف وفقاً لتقديراتهم للموقف.

10. الاعترافات المتتالية التي أعلن عنها قادة الاستخبارات الإسرائيلية، ومنهم "إليعيزر تسفرير" الذي أدار مكتباً للموساد في بيروت خلال اجتياح سنة 1982، ونشط في جهاز الموساد بإيران الذي أكد أن "إسرائيل" بذلت محاولات عديدة لاختراق حزب الله، لكنها واجهت صعوبات كبيرة، وفشلت في جمع المعلومات عن الحزب.

هذه الشواهد وغيرها تشير بما لا يدع مجالاً للشكّ أن العقبات التي واجهها الجيش في الجبهة العسكرية أمام حزب الله، لم تكن فقط متعلقة بالناحية اللوجستية، وإنما بصورة أساسية شكلت إخفاقاً استخبارياً شمولياً في فهم الواقع اللبناني، وبات من الواضح أن المعطيات الميدانية تشير إلى أنه لم يُجهّز نفسه لكل السيناريوهات، ويبدو أن إحدى المشاكل في هذه الحرب هي مستوى التوقعات العالية من الجيش، بفضل التقارير الأمنية المغلوطة!

وليس بالإمكان مغادرة مقدمة هذا الكتاب الهام، دون التطرق إلى ما كشف عنه النقاب خلال الأسابيع الأخيرة في لبنان، حول خلايا التجسس الإسرائيلية، ما يعيد للأذهان الحديث الذي يتبادر بين الحين والآخر حول شبكات التجسس الإسرائيلية المتعددة في أنحاء مختلفة من العالم، بدأت بالعواصم العربية، مرورا ببعض الدول الأوروبية، وانتهاء بالولايات المتحدة.

وربما تكون هذه المسألة على صلة وثيقة بما يتضمنه الكتاب المترجم الذي بين أيدينا، ويدعو مؤلفاه إلى تشكيل المزيد من شبكات التجسس، حيث اجتهدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، في تجنيد العملاء والجواسيس لها في مختلف البلدان، ويمكن في هذه العجالة سرد أهم شبكات التجسس التي كشف النقاب عنها:

1- شكلت مصر الهدف المفضل للمخابرات الإسرائيلية للعمل في صفوف مواطنيها، بالرغم من اتفاقية السلام بين البلدين التي مرت عليها مؤخرا ثلاثون عاما، ووصل العدد التقريبي لجواسيس الموساد الذين كشف عنهم النقاب في مصر نحو 70 جاسوسا، 75% مصريون، و25% إسرائيليون، وزخرت ملفات محاكم أمن الدولة المصرية بعشرات من قضايا التجسس، ومن أهمها:

- شبكة التجسس المضبوطة عام 1985، مكونة من 9 أفراد، جندت ضمن الأفواج السياحية.

- شبكة تجسس كشفت عام 1986، ضمت عاملين بالمركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة.

- أواخر عام 1986 تم ضبط أربعة جواسيس في منطقة شرم الشيخ الساحلية.

- عام 1987 تم الكشف عن شبكة تجسس من السياح الإسرائيليين أثناء زيارتهم لشرم الشيخ.

- عام 1990 إلقاء القبض على جاسوس مصري لاشتراكه مع ضابط مخابرات إسرائيلي في تحريض فتاة مصرية على التخابر، لكنها رفضت، وأبلغت أجهزة الأمن.

- عام 1991 تم القبض على جاسوسين في عمليتين منفصلتين.

- عام 1992 سقوط شبكة عائلة "مصراتي"، المكونة من 4 جواسيس.

- أواخر عام 1996 إلقاء القبض على الجاسوس عزام عزام وشريكه المصري، ونجحت تل أبيب في الإفراج عنه بعد ضغوط سياسية مورست على القاهرة.

- منتصف عام 1997، الكشف عن جاسوس خلال ارتدائه زي الغوص، وكانت مهمته التنقل عائما بين مصر وإسرائيل.

- عام 2000، كشف عن جاسوس مصري جند لصالح الموساد في ألمانيا.

2- في الأردن تم الكشف خلال عام 1997 عن عملاء الموساد الذين حاولوا اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، حيث أطلق سراحهم مقابل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة.

3- في لبنان كشف النقاب خلال السنوات الأخيرة عن مجموعة من شبكات التجسس التي عملت لصالح الموساد، وأنيط بها بعض المهمات الأمنية والاستخبارية.

4- الجاسوس الشهير "إيلي كوهين" الذي أعدمته الدولة السورية، وما زالت إسرائيل تطالب بجثته حتى اليوم.

5- العراق "الزاخر" بشبكات التجسس الإسرائيلية، وعلى المكشوف، بعد الاحتلال الأمريكي.

6- كشف النقاب مؤخرا في إيران عن مجموعة من يهودها المرتبطين بالموساد.

وما كشف النقاب عنه من شبكات للتجسس، كشف معه سلسلة من الأهداف الخفية والمعلنة، وإن كانت بعضها تبدو "مشروعة" استخباريا، لكن أهدافا أخرى يبدو غريبا وضعها على أجندة الموساد، ومنها:

1- جمع المعلومات الأمنية والاستخبارية عن دول بعينها، لاسيما المواقع العسكرية والمحطات الأمنية، التي تعتقد إسرائيل أنها تشكل خطرا عليها مستقبلا في أي مواجهة عسكرية، حيث تم ضبط عدد من الجواسيس خلال قيامهم بأعمال التصوير ورسم الخرائط لأماكن ممنوعة، وضبطت بحوزتهم كمية من الأفلام والصور ومحطة إرسال واستقبال ومعامل تحميض، وتبين أن هذه الصور تم التقاطها لوحدات من الجيوش العربية أثناء الليل باستخدام أشعة الليزر.

2- تدريب الجواسيس على أحدث الأجهزة الإلكترونية، وتحديدهم للأماكن والمخابئ السرية والشقق البديلة التي يستخدمها زعماء المقاومة، لاسيما في لبنان، حيث كشفت حرب تموز 2006، أن العملاء وضعوا علامات إلكترومغناطيسية وفسفورية على الأماكن التي يجب أن يستهدفها القصف، وزرعوا أجهزة التنصت في أماكن متعددة من الضاحية الجنوبية، وأمدوا إسرائيل بالمعلومات حول الأنفاق والمواقع التابعة للمقاومة.

3- النيل من رموز المقاومة والممانعة في الدول العربية، لاسيما لبنان وسوريا والعراق، وقد نفذت شبكات العملاء سلسلة من هذه الاغتيالات، بدأت بخليل الوزير، وعباس الموسوي، وفتحي الشقاقي، وعز الدين الشيخ خليل، وعماد مغنية، وجملة من الرموز العراقية المناوئة للاحتلال الأمريكي.

4- إمداد أجهزة الأمن الإسرائيلية بالمعلومات الاقتصادية وأهم المشروعات الاستثمارية، منها السياحي والزراعي، وحركة البورصة وتداول الأوراق المالية، والحصول على معلومات تخص بعض رجال الأعمال.

كما أفادت تقارير الأمن المصرية بأن 86% من جرائم التهريب وتزوير العملات ارتكبها إسرائيليون، ونشرت تقارير اقتصادية عن اكتشاف معلبات اللحوم الحمراء الإسرائيلية، تم ضخها بكميات كبيرة في الأسواق العراقية وبأسعار منخفضة، وهي إما تحمل فيروسات "جنون البقر"، أو منتهية الصلاحية، أو تحتوي على مواد سامة، يؤدي تناولها للإصابة بأمراض العقم, والكوليرا, والتيفوئيد, والتسمم المعوي.

كما تم قبل عدة أعوام إحباط محاولات إسرائيلية لتسريب أدوات تجميل وصبغات شعر تحتوي على مواد مسرطنة للأسواق العربية، عبر دول أوروبية.

5- القيام بعمليات تخريب اجتماعي وأخلاقي، بهدف التخريب، لاسيما على صعيد نشر كميات هائلة من المخدرات بمختلف أنواعها، ورعاية شبكات الدعارة الدولية، وتجارة الرقيق الأبيض، حيث تشير التقارير إلى أن أعداد قضايا المخدرات المتهم فيها إسرائيليون خلال 10 سنوات بلغت 4457 قضية فقط في مصر لوحدها، وهو ما أكده مصدر إسرائيلي بأن مصر يدخلها 500 طن مخدرات سنويا عن طريق الحدود!

وفي السياق نفسه نشرت الصحف أن أكثر من 5000 طفل يعيشون في إسرائيل، تم خطفهم أو سرقتهم من الدول المجاورة لها، ثمَّ تم تهويدهم.

وهكذا، شكل التجسس لإسرائيل، ومازال وسيبقى، سياسة ثابتة تجاه جيرانها، لأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعتقد أن التجسس سيبقى عنوانا أساسيا لسياستها الخارجية، انطلاقا من محددات عدة لا يمكن أن تختفي بين يوم وآخر، وهي:

1- على الصعيد العسكري، وفي ضوء تزايد احتمالات الصراع المسلح بين إسرائيل والأطراف العربية المجاورة لها، دول كلبنان وسوريا وإيران، وقوى مقاومة كحزب الله وحماس، وتلويحها بين الحين والآخر بشن حرب إقليمية.

2- الفتور الذي أصاب علاقة إسرائيل بالدولتين المجاورتين لها، مصر والأردن، لاسيما تخوف مصر وتحفظها الشديد من التهديدات العسكرية، وتلويح بعض قيادات الدولة العبرية بتوجيه تهديدات مباشرة باستهدافهما عسكريا، لاسيما مصر، خاصة في ضوء صعود اليمين المتطرف إلى الحكم، وتهديد وزير الخارجية الحالي "ليبرمان" بقصف السد العالي.

3- النظرة الإستراتيجية الإسرائيلية المستقبلية للعراق، ورغبتها في أن تكون لها "حصة" في كعكة تقسيم العراق بين الطوائف والعرقيات والأديان، ولعل الاختراق الإسرائيلي الأمني والسياسي والاقتصادي لبلاد الرافدين، بدا واضحا منذ دخول أول جندي احتلالي أمريكي إليها، مما يشكل لها إطلالة مفصلية وكبيرة على جيران العراق، سوريا والخليج وإيران.

وتبين لاحقا أنه من بين 870 وثيقة للمخابرات الأمريكية حول أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة وأماكن وجودها، كانت هناك 810 وثيقة وصلت من إسرائيل ورجال الموساد!

4- رغبة إسرائيل في أن تكون على متابعة مكثفة وحثيثة دائمة لما يدور حولها، لأنها تدرك جيدا أن المحيط العربي معاد لها، وأن أنظمة الحكم التي تبدو محايدة لها –في أسوأ الأحوال- وحامية لحدودها –في أحسنها- قد لا تدوم طويلا.

وبالتالي فإن الكابوس القادم بدلا منها يتمثل في قوى "الإسلام السياسي" كما تسميها، أو في نماذج لا تتصورها إسرائيل تفرض سيطرتها على حدودها شمالا وجنوبا وشرقا، على غرار ما حدث حين تسلمت حركة حماس زمام السلطة في الأراضي الفلسطينية.

لهذا كله، يبدو الشرق الأوسط عبارة عن خلية من الجواسيس تشغلهم أجهزة الأمن الإسرائيلية ونظيراتها الغربية، يعملون في حرب خفية يظهر من خلالها طرف صغير فوق سطح الأرض، وهي الشبكات التي كشفت.

بكلمات أخرى.. حرب الجواسيس الإسرائيليين مستمرة على الرغم من أنه لم تطلق خلالها رصاصة واحدة حتى الآن، ولم تشغل فيها قنبلة، حرب ذكاء ومراوغة تنجح فيها إسرائيل حينا بفضل نجاحها في جمع معلومات عن الطرف الآخر، وتفشل أحيانا حين تتنبه لها القوى الحية، الأمر الذي يحتم عدم التقليل من أهمية الاستخبارات في تصميم تاريخ هذه المنطقة، وما قد تشهده قادم الأيام من تطورات قد تبدو "دراماتيكية"!

أخيرا، تقدم هذه الترجمة إضافة نوعية حقيقية للمكتبة العربية، لاسيما في شقها الأمني الاستخباري، وهو الجانب المظلم لدى الإسرائيليين، وما زالوا يتكتمون عليه، رغم تسريبهم لمعلومة هنا، وخبر هناك، بصورة موجهة مدروسة.

وقد تحريت الابتعاد في الترجمة عن بعض الأوصاف والمفردات المتداولة إسرائيليا، كالإرهاب، على سبيل المثال، وحاولت استبدالها بما لا يخل بالنص الأصلي.

كما ختمت الترجمة بعدد من الملاحق التوضيحية التي شعرت أنها ستكسب الدراسة جدة بحثية وقيمة علمية.

 

[1] ) شموئيل إيفن: باحث في معهد أبحاث الأمن القومي، ويعتبر اقتصاديا لامعا، ومختصا في مجالات الأمن القومي في منطقة الشرق الأوسط، وقد أصدر سلسلة من المؤلفات التي تعنى أساسا باقتصاديات الشرق الأوسط، والموازنات المالية التي تنفق لصالح المجالات الأمنية، إلى جانب اهتمامه بالنفط العالمي، والاستخبارات والإرهاب. عمل مستشارا للشؤون الإستراتيجية والاقتصادية للوزارات الحكومية، والشركات الخاصة، العاملة في إسرائيل. حصل على شهادة الدكتوراه من معهد التخنيون وجامعة حيفا، وأنهى خدمته العسكرية في صفوف الجيش برتبة عميد متقاعد، بعد أن أمضى سنين طويلة في سلاح المخابرات.

أصدر عددا من المؤلفات أهمها: التطورات الحاصلة في سوق النفط العالمي وآثارها الإستراتيجية على إسرائيل، التغيرات المتوقعة على الواقع الأمني في الشرق الأوسط خلال سنوات التسعينات، من هم الانتحاريون الفلسطينيون؟ بالاشتراك مع د.شاؤول كمحي، الاقتصاد الإسرائيلي في زمن العولمة. المترجم

[2] ) عاموس غرانيت: من كبار مسئولي الشرطة في إسرائيل، خدم طويلا في سلاح المخابرات التابع للشرطة، واضطر للاستقالة من عمله لأسباب سياسية، بعد أن اكتشف عن تلاعبات وتزييف أوراق لصالح بعض المرشحين لانتخابات الكنيست. المترجم

[3] ) معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، من أرفع المراكز البحثية في إسرائيل، ويستقطب بالعادة صناع القرار بين الحين والآخر، وينشر دراسات غاية في الأهمية والخطورة، موجها جل عمله إلى دراسة التهديدات المحيطة بإسرائيل، والأوضاع المتغيرة في منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره، وأثرها على إسرائيل في مختلف المجالات: السياسية والعسكرية والاستراتيجية والاقتصادية، علما بأن النخبة الأساسية العاملة في المعهد قادمة من الأوساط العسكرية والاستخبارية، وبالتالي فهم يضعون خبرتهم في خدمته، ولمتابعة آخر أعماله وتطوراته يمكن الرجوع إلى موقعه على شبكة الانترنيت باللغتين العبرية والانجليزية:  www.inss.org.il . المترجم