ثغرات في جدار الجيش الإسرائيلي

  • السبت 27 يناير 2018 01:29 م

 

IMG-20180126-WA0009.jpg

 

ملخص الكتاب

شكل الجيش الإسرائيلي منذ نشأته نموذجا فريدا من نوعه بين الجيوش العسكرية في المنطقة العربية، لاعتبارات وعوامل كثيرة، بنيوية ذاتية، وموضوعية محيطة، جعلته يعتبر الأكثر قوة، والأشد مراسا، والأمضى سلاحا، لسنوات طويلة خلت، لاسيما بين العامي 1948-1973، حيث شهدت هذه الفترة زهوة الانتصارات العسكرية الإسرائيلية، خاصة حروب 1948، 1956، 1967، وما تركته من تأثيرات "إيجابية" على صورة الجيش في عيون الإسرائيليين، جعلتهم يضعونه في مرتبة متقدمة في الوعي الجمعي لهم، لدرجة عز نظيرها لجيش سواه على مستوى العالم، الأمر الذي رفع مكانته إلى أشبه ما يكون بـ"البقرة المقدسة"، لا يجوز الاقتراب منها بحال من الأحوال.

على صعيد آخر، أسفرت حصيلة عقود طويلة من الانتصارات العسكرية عن تكوين صورة صحبت معها "هالة" لجيش لا يقهر، استطاع إيقاع الهزيمة بعدة جيوش عربية في معركة واحدة، وعلى عدة جبهات، وبالتالي تكونت "الطبيعة الردعية" للجيش الإسرائيلي، مما وفر على الدولة العبرية "مجرد" التفكير بتهديد قادم من هذه الجبهة أو تلك، ومنحها بالضرورة فرصة التفكير "على نار هادئة" في تطوير قدراتها العسكرية، والاهتمام أكثر فأكثر في تحويل جيشها إلى أكبر مؤسسة عسكرية في المنطقة.

ومع ذلك، فلم يكن قدر الجيش الإسرائيلي أن يبقى في "سلم بياني" متصاعد على طريق تحقيق الإنجازات، ليس بالضرورة لنهضة عسكرية واكبت نظيراته من الجيوش العربية، بل لنهوض قوى عسكرية "لا دولانية" يطلق عليها خبراء العسكرتارية "حرب العصابات"، نجحت فيما أخفقت فيه جيوش جرارة تستنزف موازنات المواطن العربي من المحيط إلى الخليج.

وجاء بروز منظمتي حزب الله وحماس على سبيل المثال،لتشكل تحديا جديدا لم يعتد على مواجهتهما الجيش الإسرائيلي، الذي تدرب وفق أحدث النظم والنظريات العسكرية، وطرح سيلا من الأسئلة "الملغومة" أمام مختلف الدوائر العسكرية والأمنية، حول ماهية الحلول المقترحة لمختلف التهديدات الماثلة أمامه.

الدراسة التالية تحاول تسليط الضوء على أبرز المخاطر التي أصابت الجيش الإسرائيلي، داخلية وخارجية، بنيوية وسلوكية وتأهيلية وأمنية، في ظل الأحاديث المتكررة أخيرا في دوائر صنع القرار العسكري الإسرائيلي حول غياب أنموذج "جيش الشعب" الذي تغنى به كبار قادة الدولة العبرية بدءا بـ"بن غوريون" مرورا بـ"موشيه ديان"، وانتهاء بـ"إسحاق ربين"..

وربما تأتي أهمية الدراسة في وقت تجري فيه "إسرائيل" أكبر مناورات عسكرية في تاريخها، ويبدو جيشها متأهبا أكثر من أي وقت مضى لخوض أكثر من حرب على عدة جبهات في آن واحد، في ضوء التقديرات الاستخبارية التي أشارت إلى "تعاظم" التهديدات المحيطة بالدولة، من كل جانب.

أكثر من ذلك، الدراسة بما عادت إليه من مصادر ومراجع باللغة العبرية، حاولت – وآمل أن تكون نجحت- في استحضار شواهد إسرائيلية بحتة من داخل البيت، بعيدا عن محاولات التهوين والتهويل التي تصدر عن بعض الجهات العربية لقدرات الجيش الإسرائيلي.

ولعل أهم ما قد يلاحظه القارئ وهو يقلب صفحات الكتاب، أن هناك صورة "مغايرة" للجيش الإسرائيلي، بعكس الصورة "النمطية" له، التي رسمتها له وسائل الإعلام، الأمر الذي كلف كاتب هذه السطور القيام بمهمات صعبة، وهو يحاول "استبدال" هذه الصورة المصحوبة بـ"هالة" مفتعلة، من خلال لقاءات جمعته مع عدد من الخبراء العسكريين العرب، في ندوات ومقابلات متعددة.

على صعيد آخر، اجتهدت الددراسة في الإحاطة بمختلف الجوانب التسليحية، البنيوية، الهيكلية، للجيش الإسرائيلي، مستعينة في ذلك بعدد من الفقرات الرقمية، والجداول الإحصائية، التي تعين كثيرا صناع القرار العسكري العربي، دولا ومنظمات، في التعرف على أبرز نقاط القوة وجوانب الضعف لديه.

جاءت الدراسة في أربعة فصول رئيسة، تضمنت مباحث فرعية تناولت المجالات التالية:

  • الفصل الأول جاء للتعريف بمؤسسة الجيش الإسرائيلي، لاسيما تأسيسه ونشأته، وما قيل بشأن العيوب التي تواكب إقرار موازنته المالية السنوية، إلى جانب المشاكل الحاصلة في مجال التعيينات والترقيات في أجهزته ودوائره..
  • وفي الوقت الذي عرف فيه المبحث الثاني بأهم وحدات الجيش وأجهزته الأمنية، فقد عرج على أبرز الإخفاقات الاستخبارية في حرب لبنان، مستعرضا أبرز محطات الفشل الأمني في تاريخ الموساد والشاباك وأمان.
  • وتطرق المبحث الثالث إلى حجم الجيش وتسليحه مقارنة مع الجيوش المجاورة، خاصة على صعيد القوى البشرية وحجم التجنيد في الجيش، وإصلاح وترميم وسائله القتالية.
  • وتركز الحديث في المبحث الرابع حول تراجع العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي، مشيرا إلى أبرز المفاهيم القتالية في الجيش، وإخفاقها أمام المقاومة، وما باتت تمثله التحديات الناجمة عن حروب العصابات، في إشارة واضحة لمصادر القلق في بناء القوة القتالية، وأبرز التحولات الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
  • وجاء الفصل الثاني مستعرضا أبرز الإخفاقات العسكرية للجيش الإسرائيلي، بدءا بالمفاجأة الصادمة لحرب أكتوبر 1973، وما جرى الحديث بشأنها من انتقادات قاسية شملت مختلف أذرع الجيش.
  • وتناول المبحث الثاني التأثيرات السلبية لانتفاضة الحجارة بين عامي 19871993، وانتفاضة الأقصى 2000- 2008، على بنية الجيش الإسرائيلي، وما خبرته "إسرائيل" من دورس مؤلمة خلال هاتين الانتفاضتين، واستطرد في الحديث عن أخطاء التعامل الإسرائيلي مع الانتفاضتين، وما رافقهما من خسائر إسرائيلية على مختلف الجبهات العسكرية، الأمنية، الاقتصادية، البشرية.
  • وجاء الحديث في المبحث الثالث موسعا عن الإخفاق العسكري الإسرائيلي أمام حزب الله، آخذا بعين الاعتبار استعراض أوجه الخلل خلال حرب تموز 2006، إلى جانب توضيح أسباب وقوع الجيش في هذه الإخفاقات العسكرية.
  • أما الفصل الثالث، فقد انفرد للحديث عن المخاطر الداخلية التي تحيط بالجيش، بدءا بتراجعه عن أداء مهامه العسكرية، مرورا بمظاهر التفكك في صفوفه كانتشار ظواهر الانتحار وسرقات الأسلحة وغيرها من المظاهر التي لم يعتد الجيش على معايشتها منذ نشأته، وانتهاء بـ"آفة" رفض الخدمة العسكرية، فضلا عن ظاهرة "تسييس الجيش وعسكرة السياسة" التي تعصف بالمستويين العسكري والسياسي في "إسرائيل"، وما بات يعرف بالمفاضلة بين "دولة الجيش وجيش الدولة"، مشيرا إلى أبرز النتائج السلبية لهذه الظاهرة على بنية الجيش وأداءه لمهامه العسكرية.
  • أخيرا اختار الفصل الرابع الحديث عن التهديدات الخارجية على الجيش، سواء من خلال ما هو آت من تهديد استراتيجي للمقاومة الفلسطينية، وإمكانية تسلحها بإمكانيات قد لا يقوى الجيش على مواجهتها، أو ذلك التهديد القادم من حزب الله، فضلا عن إمكانية قيام جبهات حربية جديدة، سواء من دول الإقليم العربي والإسلامي، أو من خلال منظمات وقوى عسكرية تسمى في العرف الإسرائيلي "الجهاد العالمي".

وقد أفرد الفصل مبحثا خاصا للحديث عن تراجع قوة الردع الإسرائيلي، بفعل تواصل المواجهات العسكرية التي خاضها الجيش، ولم يتمكن من إحراز الحسم فيها، فضلا عن التخوف الكامن من خطورة تراجع المساعدات الأمريكية، وما قد يسفر ذلك عن تراجع "الدور الوظيفي" لإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة، واختتمت الدراسة بعدد من الملاحق الإحصائية والصور التوضيحية.

ختاما أود الإشارة إلى أن النسبة الكبيرة من مراجع الدراسة جاءت باللغة العبرية، للعودة إلى الإسرائيليين أنفسهم في التعريف بأبرز ما يحيط بجيشهم من تراجعات، وانكسارات، متخذا في ذلك المنهج العلمي التحليلي، وأحيانا المقارنات التي تقرب الصورة المطلوبة لواقع الجيش الإسرائيلي حسب ما تقتضيه الحاجة، فضلا عن التعريف بأهم القادة والجنرالات من خلال إيراد سير ذاتية مختصرة لهم في هوامش الكتاب.

في الختام، أرجو أن تكون هذه الدراسة قد خرجت في أبهى حلة، وأفضل مضمون، فإن تمكنت من ذلك فهو توفيق الله أولا، ورضا الوالدين ثانيا، وإن شاب الدارسة بعض من عدم الوضوح، وصعوبة الوصول إلى المعلومة وتوصيلها، فهو طبع البشر في النقص وعدم الكمال.