خيارات إسرائيل بين تجديد التهدئة وتصعيد المواجهة

  • الأحد 14 يناير 2018 12:24 م

 

  • جولة لم تكتمل
  • سيناريو افتراضي
  • البدائل المتوقعة
  • درس من حرب غزة

 

بدا واضحا لكل ذي بصر وبصيرة أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة لم تحقق أهدافها، لا إسرائيليا ولا فلسطينيا ولا إقليميا، كيف ذلك؟

  • جولة لم تكتمل

إسرائيليا: فإن آلة الحرب الأعتى في المنطقة لم تنجح في الإطاحة بحماس وحكومتها في غزة بالرغم من آثار الدمار المنتشرة في كافة أرجاء القطاع، وتسطير المقاتلين في ميدان المقاومة لمواجهات عز نظيرها في التاريخ العسكري الإسرائيلي الحديث والمعاصر.

وما زالت المقاومة تحتفظ بمخزونها "المعلن" على الأقل من القذائف الصاروخية التي تستطيع تذكير حكام تل أبيب بقدرتها على إزعاجهم بين الحين والآخر، أكثر من ذلك، فمن الواضح أن توسيع "بقعة الزيت" التي هددت بها كتائب القسام بات أمرا موثوقا بها.

كما أن "تغيير الواقع الأمني" الذي بات "سيمفونية" يرددها القادة الإسرائيليون، الساسة والعسكر على حد سواء، طوال فترة أيام الحرب، لم يجد طريقه للتنفيذ، على العكس من ذلك، فقد "ترسخ" الواقع الأمني والسياسي، وخرجت حماس من هذه الحرب التدميرية أقوى من ذي قبل.

فلسطينيا: يبدو أن الأهداف التي رغبت بتحقيقها قوى المقاومة من وراء هذه المواجهة لم تجد طريقها للتنفيذ، لاسيما فيما يتعلق بفتح المعابر، والاعتراف بالحكومة القائمة، والتعامل معها كنظيرتها في رام الله، إلى حين تسوية الأزمة الفلسطينية الداخلية، ونصل لحكومة واحدة لسلطة مهترئة استنفذت فترة صلاحيتها منذ زمن، ويا ليت قومي يعلمون!

إقليميا: فإن مطالبة "حز الرؤوس" التي سربت للإسرائيليين، ومنحوا بموجبه الضوء الأخضر، والسقف الزمني اللازم، أخفقت وباءت بالفشل، وبقيت حماس "غزة" في خاصرة بعض العواصم المجاورة، تعاني "صداعا مزمنا" من حدودها الشرقية تحديدا.

دوليا: للمرة الثانية "تخيب" إسرائيل ظن العالم بها، لاسيما الدول الصديقة والحليفة التي منحتها الدعم السياسي والغطاء العسكري والزمن المفتوح بدون حدود، ولم تنجح في كانون ثاني 2009 بإيقاع "الهزيمة" بتنظيم مسلح يخوض حرب عصابات،كما تكرر في حرب تموز 2006.

هذه الوقائع تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن الحرب لم تنته عمليا، بأبعادها السياسية والإستراتيجية، وما توقف فعلا هو هدير المدافع وأزيز الرصاص وغبار الدبابات، ليس أكثر، وأن الأطراف مجتمعة لم "تقض وطرها" من الحرب.

وهو ما يشجعها للعودة من جديد، سواء لتحسين شروط التفاوض، أو محاولة تطبيق توصيات منظريها العسكريين، والاطمئنان إلى أن مقاتلي الجانبين قد أتقنوا فنون المواجهة العسكرية، بصبغتها "الغزية" هذه المرة.

  • سيناريو افتراضي

في أعقاب انتهاء عملية "الرصاص المنصهر"، لم يدع مجال للنقاش في أن إسرائيل وحلفاءها من عرب وعجم لم ينتصروا فها، وفي المقابل فإن حماس وأخواتها لم تنكسر هي الأخرى، الأمر الذي يقفز بالأذهان تلقائيا لفرضية عدم تجديد التهدئة الهشة أصلا، حتى لو استمعنا عن تقدم هنا وموافقة هناك، فإسرائيل هي اللاعب الأساسي في هذا الملف العسكري الميداني البحت.

وما دام أن الأطراف الفلسطينية والمصرية الماثلة أمامنا في المشهد السياسي، راغبة في تهدئة طويلة الأمد نسبيا، فماذا عن الطرف الإسرائيلي الذي سيتغير حتما خلال أيام قليلة، ولن أفسح خيال القارئ ليتصور طبيعة التحالفات المتوقعة في الحكومة الإسرائيلية القادمة.

النقاش الجاري في مصر اليوم حول الإعلان عن اتفاق تهدئة لمدة عام أو عام ونصف، لا يقوى كثيرا على الصمود طالما لم تكن إسرائيل الرسمية حاضرة في تفاصيله، ومقرة ببنوده، ومتعهدة على الإيفاء باستحقاقاته، وإلا سنعود من حيث انتهينا، وتعود دورة الدمار الإسرائيلي من جديد في شوارع غزة وأزقتها، التي باتت تشكو ساحات جغرافية يتناثر بها الفلسطينيون، لا يتقنون فيها سوى المهرجانات والاستقبالات، ومنح الهدايا والتحيات!

   الحوادث الأخيرة التي أعقبت توقف العمليات نظريا، واستهدفت بعض المقاومين والمستوطنين، وعمليات متبادلة من قوى المقاومة وإسرائيل، تدفعنا للبحث عن طبيعة الرد الإسرائيلي المتوقع، طالما استمعنا ارتفاعا للهجات الساسة الإسرائيليين التي تهدد وتتوعد، ولو افترضنا أنها تهديدات انتخابية، فتعالوا بناء نرسم السيناريو المتوقع لحكومة مستقرة، يقف على رأسها أحد الثلاثي القادم: نتنياهو-ليفني-باراك.

أي عملية قد تبادر لها قوى المقاومة من الآن فصاعدا، سواء تفجيرا لدورية عسكرية، أو تكرار لضرب الصواريخ، أو عودة طال انتظارها للعمليات الاستشهادية، وربما من يعلم، الإتيان برفيق درب للجندي الأسير "جلعاد شاليط" يؤنس فيه وحشته، ستعني للحكومة الإسرائيلية دون أدنى شك توجيه رد بصورة قوية ضد العناصر التي نفذت العملية، والرؤوس التي دبرت لها، وأرسلتهم لتنفيذها.

لكن ذلك يتطلب منها، وكجزء من استفادتها من حربها الأخيرة على غزة، أن توفر عددا من العوامل الأساسية، وهي:

  • الإطار الزمني للعملية العسكرية.
  • تحديد الأهداف المرشحة للهجوم عليها.
  • الشروط الواجب توفرها لإنهائها.

وإلى جانب ذلك، ستكون الحكومة منساقة للموافقة على ما وصلها من قبل الجيش من معطيات وتوصيات عسكرية، آنية وإستراتيجية.

  • البدائل المتوقعة

وفقا لقراءتي التقديرية، سيتحدد الرد الإسرائيلي المتوقع في نطاق ثلاثة بدائل أساسية:

  1. البديل الأول: عملية عسكرية محدودة، دون دخول قوات الجيش لقلب الأراضي الفلسطينية، إلى جانب القيام بجهود سياسية دبلوماسية، في محاولة للتأثير، أو إيصال رسائل إلى الأطراف الإقليمية، والدخول في مفاوضات مكثفة –غير مباشرة- مع قوى المقاومة، حماس تحديدا.

الخطوط العامة التي سترسم أمام صانع القرار حين ينظر لهذا البديل مشابهة إلى حد كبير لطبيعة الرد الإسرائيلي في أعقاب خطف شاليط أواسط 2006، وموجة الصواريخ المكثفة أواخر 2007، ما يعني أن يتلخص رأى الساسة الإسرائيليين في أن بإمكاننا المضي قدما في ذات السياسة التي درجت عليها الدولة منذ سنوات.

ومع ذلك، فإن ردا إسرائيليا بهذه الوتيرة سيقابله استعداد متوقع من قبل قوى المقاومة، ما يعني بقاء الوضع القائم على حدود الجنوب محافظا عليه كما كان قبل اندلاع المواجهة.

علما بأن الوزراء الإسرائيليين القادمون على مقاعد الحكومة يدركون جيدا أن استحضار بديل آخر من شأنه التأثير في الجوانب التالية:

  • المس بقوة الردع الإسرائيلي.
  • إزالة تهديد حماس وقوتها العسكرية.
  • حرية التحرك العسكري والعمل السياسي، وتحسين الموقف الدبلوماسي.
  • تغيير موازين القوى السائدة بين إسرائيل وحماس، لصالح الأولى بالتأكيد.

لكن منذ اللحظة الأولى سيشعر وزير الدفاع القادم ورئيس هيئة أركانه أن ثغرات هذا البديل أكثر من إيجابياته، وبالتالي من الممكن الخروج بعملية سريعة قاسية، تكون مثلا هجوما جويا مركزا على أهداف لحماس، في الداخل والخارج، وربما في قلب عاصمة راعية لها!

الثغرة الجوهرية في هذا البديل، تتمثل في افتقاد إسرائيل لوجهة الإصابة الحقيقية للقوة العسكرية التي تمتلكها حماس، ما يعني أن رد الحركة –المؤكد بصورة حتمية- قد يستدرج إسرائيل لعملية عسكرية لم تستعد لها جيدا، أو أن يتوقف إطلاق النار بسبب التدخلات الدولية، لكن بعد أن تتعرض الجبهة الداخلية الإسرائيلية لضربات مؤلمة في الصميم.

    1. البديل الثاني: رد عسكري فوري مشابه لما ذكر عليه في البديل الأول، شرط تحضير القوات العسكرية والجبهة الداخلية للدخول مستقبلا لمواجهة عسكرية مع حماس، بصورة أكثر دموية واشتباكا، لدرجة اقتراب المقاتلين من مرحلة "الاقتحام والالتحام".

يتضمن هذا البديل في جوهره وضع حد لسياسة "ضبط النفس"، لكنها في ذات الوقت تستحضر القوات العسكرية، وتهيئ الجبهة الداخلية، والجهاز السياسي، لمواجهة مستقبلية من هذا النوع، وبالتالي بالإمكان المضي قدما في تفاصيله ومعطياته التي تقربنا أكثر للبديل الثالث لاحقا.

والثغرات التي تصيب البديل الثاني، هي ذاتها ثغرات البديل الأول، خاصة بكل ما يتعلق بالتبعات والآثار قصيرة المدى للرد الإسرائيلي.

عيب إضافي يزيد على ما سبق، أنه يستبعد إمكانية إحداث تغيير استراتيجي في الوضع الميداني القائم، الأسوأ من نوعه، بين إسرائيل وحماس، إلى موعد غير معلوم، في الوقت الذي تستمر فيه الحركة بـ"تسمين" قواتها وزيادتها.

    1. البديل الثالث: الدخول على الفور في عملية عسكرية وسياسية كبيرة.

ويشير بصورة واضحة إلى ضرورة الخروج بقرار يطالب بحرب ضد حركة حماس، وتتمثل الإيجابية الأكثر وضوحا في هذا البديل لإسرائيل في عدم توقع الخصم له، وامتلاكه لقدرة على تقييد قوة الحركة، عقب القراءات الصحيحة التي وصلت لخلاصة مفادها أن ضربة عسكرية قاسية، ستأتي بنتائج أهمها توجيه ضربات قاضية لمنصات إطلاق الصواريخ التي ستشكل الرد الأكثر نجاعة لحماس.

علما بأن الاقتصاد الإسرائيلي في وضع يمكنه من توفير دعم وإسناد لمختلف التبعات الاقتصادية المحتملة لأي مواجهة عسكرية قاسية، كما حصل في المواجهة الأخيرة داخل قطاع غزة، خاصة وأن القدرة الفعالة للمقاومة في الضفة الغربية، ضعفت لحد كبير للأسف الشديد.

كما سيحظى قرار الخروج بعملية عسكرية واسعة، وتوجيه ضربات مؤلمة وثقيلة على التجمعات السكانية الفلسطينية، بتأييد واسع في أوساط الجمهور الإسرائيلي.

وباستثناء التغيير في طبيعة الوضع الميداني القائم، باتجاه كسر الردع الذي مثلته حركة حماس في مواجهة إسرائيل، فإن عملية عسكرية واسعة بإمكانها أن تمس بصورة مباشرة وصعبة بقوة الحركة.

وبالتالي يجيء هذا البديل باتجاه المبادرة لعملية عسكرية واسعة، ليلغي مسبقا أي إمكانية لاستدراج إسرائيل إلى حرب بعكس إرادتها في أعقاب رد حماس، ولذا فإن نجاحها في عمليتها العسكرية سيردع الحركة طويلا، وربما يصل هذا الردع لعواصم مجاورة كما تعتقد تل أبيب.

الثغرة الأكثر وضوحا في هذا البديل، تتمثل بافتتاح معركة عسكرية دون استكمال المعطيات العملياتية، التحضيرات اللوجستية، الجبهة الداخلية، لمواجهة متوقعة أمام حماس.

ومع ذلك، فإن مواجهة عسكرية بين الطرفين في منطقة ليست كبيرة جغرافيا، وعددا ليس كبيرا من مقاتلي الحركة، وفي إطار حرب كاملة تعطي هامشا واسعا للجيش الإسرائيلي للتحرك، سيكون ميزان القوى بالتأكيد لصالحه، وستكون يده العليا.

وبالرغم من كل ما تقدم، يبقى هذا البديل الأكثر إغراء لصناع القرار الإسرائيلي، سواء ما تعلق بالقدرات البشرية للجيش، أو للأهداف المفضلة أمامه، أو حتى للمجتمع الإسرائيلي، وفي ظل هذا الوضوح الكامل، سينبغي الخروج لعملية عسكرية سريعة فورا، بعيد حصول أي عملية للمقاومة الفلسطينية.

  • درس من حرب غزة

الدروس والعبر التي استخلصها الجيش الإسرائيلي من حربه الأخيرة على غزة، ستبقى ماثلة أمامه في الغرف المغلقة والدورات التدريبية والتأهيلية لضباطه ومقاتليه، لكن أهم ثغرة تعتقد أوساط عسكرية أنه وقع فيها أنه قام بالفعل بتوجيه ضربات جوية باتجاه أهداف لحركة حماس وحكومتها، لكنه في ذات الوقت "فرط" في وقت ثمين وكبير حين تأخر في إنزال القوات البرية للمعركة، وإدخالهم لمجريات الحرب.

هنا، وهنا بالذات، افتقدت إسرائيل للفكرة العملياتية الحربية الواضحة والحاسمة، التي منحت بصورة أو بأخرى نقاطا إيجابية لصالح حماس، ولذلك جاءت بداية العملية العسكرية كـ"مهمة عملياتية"، وانتهت كـ"حرب"، معبرة بصورة مؤسفة عن عدم الوضوح بالنسبة لتقدير حجم العملية العسكرية وتبعاتها، وبالتالي اتضح هذا الغموض في التأثيرات السلبية على تحديد أهداف الحرب، وكيفية إنجازها.

وحسب رأي عدد الخبراء العسكريين الذين بدأوا بتوجيه سهام نقدهم للأداء العملياتي الإسرائيلي في الحرب الأخيرة، فإن السلوك المتوقع في أي حرب -تبدو قادمة وقريبة على أي من الجبهات المرشحة- يتمثل بتوجيه هجمات جوية مكثفة ومركزة على أهداف معروفة لحركة حماس، مرة أخرى في الداخل والخارج، مع الحاجة الماسة لعملية برية في قلب غزة، وضرورة "خروج سياسي سريع"، بالتنسيق مع الأطراف السياسية الإقليمية والدولية.

ومن وجهة نظر أصحاب هذا البديل، فإن خطوة كهذه ستحقق إنجازات سياسية وعسكرية إسرائيلية ذات قيمة كبيرة، دون أن تتكبد خسائر بشرية من قتلى وجرحى، وعبر اختصار مدة الحرب، وحماية الجبهة الداخلية من أي ضرر.

هذه السيناريوهات المتوقعة إسرائيليا، كقراءة لتقديرات من الخارج، فماذا عن تقديرات المقاومة، وفرضياتها؟ قريبا نلتقي ونحاول رسمها.