المناورات الإسرائيلية..ترميم للردع أم استعداد للحرب القادمة؟

  • الأحد 14 يناير 2018 12:05 م

 

  • معضلة مواجهة المقاومة
  • تحديات حروب العصابات
  • مصادر القلق الإسرائيلي

انتهت الحرب على حماس، وما زالت القناعة في أوساط الساسة والعسكر أن إسرائيل "لم تقض وطرها من غزة بعد"، وأن هناك استعدادا وتحضيرا لجولة عسكرية ترى تل أبيب أنها قادمة لا محالة، ومن يدري فربما تكون ساحتها قطاع غزة، أو قد تعيد الكرة من جديد في بنت جبيل ومارون الراس.

وأيا كانت البقعة الجغرافية التي ستشهد المواجهة القادمة بين إسرائيل والمقاومة، فقد بدأ الجيش منذ أسابيع قليلة حملة مناورات عسكرية في مختلف المجالات وعلى كل المستويات، وينتظر أوائل حزيران القادم لإجراء أكبر مناورة عسكرية في تاريخه، تشمل جميع أجهزة الأمن والدفاع المدني والصحة والطوارئ.

  • مواجهة المقاومة

أنم الأمر الأكثر بروزا في هذه المناورات، حسب ما يسرب من أنباء ومعطيات ميدانية، أن الجيش الإسرائيلي عزز من حاجة مقاتليه إلى التعرف على "أدبيات" المواجهة مع فصائل المقاومة، بحيث تحول اهتمامه من الدخول في حرب عامة ومنطقة مفتوحة، إلى المواجهة الحربية في مناطق سكنية، وإعداد عِلْم قتالي مهني ضدّ حرب العصابات ورجال المقاومة، وفي إطار هذه الإعدادات شكّل وحدات خاصة ووحدات مستعربين للعمل ضدّ المقاومين، إضافة لكتائب موجَّهة للعمل في مناطق مفتوحة.

كما طور الجيش وسائل عسكرية تناسب هذا النوع من الحروب كالبنادق المقصرة، ووسائل الرؤية الليلية والمراقبة، وأجهزة السيطرة والمتابعة، وتحصين وسائل النقل، وحماية المواقع العسكرية، وأبراج الحراسة فيها، وإقامة مراكز تدريب للتأهيل للمواجهة العسكرية في المناطق السكنية المأهولة.

واليوم، تعنى نقاشات الجيش في ضوء المواجهات الأخيرة مع منظمات المقاومة، لاسيما حماس وحزب الله، بعدة مواضيع مرتبطة بالتغييرات التي طرأت في شكل المعارك خلال السنوات الأخيرة، ومن ثم البحث في المعضلات المركزية المتعلقة بمبنى القوة العسكرية.

وينقل "غيورا آيلاند" رئيس مجلس الأمن القومي السابق، وأحد أبرز المنظرين العسكريين الإسرائيليين أنه "في ضوء الوضع الذي يعيشه الجيش أمام حركات المقاومة، ستفقد الدبابات والطائرات معناها، وهذه الصياغة وإن كان مبالغ فيها، تصف الميل القائم جيداً، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مرت الحروب بتحولات ميدانية انتقلت فيها من وضع كانت تُدار من خلال المواجهة التقليدية بين الدول، إلى وضع تقع فيه بين دول ومنظمات ثائرة".

وفضلاً عن رغبة الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية بشنّ الحروب على أراضٍ عربية، فإنها تفضل أن تكون حروباً قصيرة، وهناك حافز قوي لديها لإنهاء الحروب بالسرعة الممكنة، لاعتبارات أهمها:

‌أ. حساسية الاقتصاد الإسرائيلي بتأثيرات الحرب.

‌ب. تجنيب الإسرائيليين خسائر بشرية كبيرة.

‌ج. التقليل من احتمالات التدخلات العسكرية والدبلوماسية الأجنبية.

وهناك العديد من التحولات التي طرأت على مفهوم العقيدة القتالية الإسرائيلية، ألقت بظلالها على هذه المناورات العسكرية، عادت في مجملها لتضافر ثلاثة تطورات منفصلة تتمثل في:

1. التطورات الهائلة الجارية في مجال التكنولوجيا العسكرية على الصعيد العالمي، ووصول تكنولوجيا عسكرية متطورة للعديد من دول الشرق الأوسط.

2. تعثر التسوية العربية الإسرائيلية خاصة بعد صعود اليمين، وما تتمتع به تل أبيب من مستوى غير مسبوق في التسلح لمواجهة هجمات تقليدية، إلا أنها ما زالت تواجه طائفة من المشكلات الأمنية تتراوح بين المقاومة المحدودة والحرب التقليدية الواسعة، وبين حروب المدى البعيد من جانب دول تعتبرها خطرة كإيران.

3. المتغيرات الاقتصادية التي تنعكس مباشرة على القدرة العسكرية، وأدت لإحداث تغيير جذري في دوافع الشباب الإسرائيلي من التحول للقطاع الخاص والبعد عن قطاعات الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية.

ولذلك، جرى التفكير الإسرائيلي في مقاربة هذا الهدف من المداخل التالية، لاسيما في ضوء استخلاص الدروس والعبر من حربي لبنان وغزة:

‌أ. تعديل المذهب العسكري، خاصة جانبه القتالي عبر التركيز على النوعية والتطور في بناء القوة العسكرية، بشقيها البشري والسلاحي.

‌ب. مواصلة تطوير القوات الجوية بشرياً وسلاحياً لأعلى مستوى، لتصبح القوة الضاربة الرئيسة، والذراع الطويلة التي تبلغ أبعد الأهداف في الدول المعادية، وربما الغارة على السودان شكلت نموذجا صارخا.

ج. تشكيل القوات الجوية والبحرية ووحدات الاستخبارات العسكرية.

‌د. القدرة على القيام بالضربة الاستباقية الإجهاضية، ونقل الحرب لأرض العدو فوراً.

هـ. اعتماد إستراتيجية الاقتراب غير المباشر، ما يتطلب تطبيق أسلوب الحرب الخاطفة وعناصرها كالسرعة والحركة والمناورة، وربما الإدارة القتالية للحرب على غزة شكلت تطبيقا لهذا المبدأ.

و. الارتقاء بنوعية الجندي، وتحسين نوعية الأسلحة، وغزارة النيران وتركيز تصويبها، مع تقليل الخسائر البشرية.

  • تحديات حروب العصابات

المراقب لسير المناورات العسكرية الأخيرة، وطبيعة مجالاتها وكيفية العمل بها، وحجم "تجند" مختلف قطاعات الدولة للانخراط فيها، يخرج بخلاصة مفادها أن الواقع العسكري الجديد وضع أمام الجيش الإسرائيلي عدة تحديات في مواجهة الأعداء المحتملين له، أهمها:

1. صعوبة تعريف الهدف: ثمة صعوبة في تعريف هدف سياسي وترجمته إلى تعبيرات عملية في إطار مواجهة متدنية الشدة، وإلا ما الذي ينبغي للجيش مثلاً أن يحققه في التصدي لحركات المقاومة؟

وقد شبه جنرال إسرائيلي ثري التجربة، هذه المعضلة بمحاولة الإمساك بـ"مادة لزجة"، كلما زادت القبضة عليها سالت من بين الأصابع، ويحدد أن نقطة انطلاق العملية العسكرية يكمن في تحديد الهدف، وحين تبرز صعوبة في تحديده، تكون صعوبة محتمة في وصف العملية العسكرية، ومصير الجهود لمنحها نهجاً ومنطقاً هو التبدد، الأمر الذي اعترفت به أوساط عسكرية إسرائيلية في نهاية الحرب على حماس في غزة.

2.   تغلب العبوات على الطائرات: وقد تبدى ذلك بصورته الأشد وضوحا على مشارف غزة وسفوح بنت جبيل من حيث أنه لم تعد هناك حاجة للطائرات والدبابات للتصدي لعبوات متفجرة، أو لبنادق يستخدمها "مدنيون" في إطار كفاح مسلح، وأحياناً شعر كبار الضباط الإسرائيليين المشاركين في وضع المخططات العسكرية بميل لوضع منظومات السلاح المتطورة والذكية جانباً، لدعم نجاعتها ضدّ منظمات المقاومة.

علماً بأن القدرة المتقدمة لا تعني فقط تفوقاً تقنياً وفنياً، بل أيضاً وبالأساس، مرونة وقدرة على تغيير النهج والتفكير، علما بأن الطائرات بدون طيار طُورت للعثور الدقيق على مواقع العدو، ومن خلال ملاءمة كاميراتها المجهزة بها يمكن تأهيلها للعثور على مطلوبين في مخيم لاجئين في الوقت الحقيقي.

3. خرق أخلاق الحروب: رغم الإعلان بأن هذه المناورات العسكرية تحاول "تلاشي" وقوع خسائر في أوساط المدنيين، في ضوء المطالبات الدولية بتقديم ضباط إسرائيليين لمحاكم جرائم الحرب، إلا أن الإقرار بأن وجود هؤلاء المدنيين في قلب ميدان القتال يخلق مشاكل ميدانية من نوع جديد، يشير إلى "رخصة" إسرائيلية مسبقة للجنود بإمكانية أن يصاب المدنيون أثناء المواجهة، ورغم أن هذه معضلة حقا تتعلق بحدود المسموح في المعركة، وتطبيق مبادئ "أخلاق الحرب"، إلا أن إسرائيل أثبتت أنه يوجد لديها تخلف في ملاءمة المواثيق الأخلاقية للعمل العسكري.

علما بأن المذكرات الإسرائيلية التي صدرت أخيرا، وأتيح لي الاطلاع على بعضها، تطرح أسئلة لها علاقة بالتحدي الاستخباري، ففي الحرب التقليدية يجاب بردّ واضح على سؤال "أين العدو"، في المقابل، فإن السؤال الذي تطالب بالإجابة عليه الاستخبارات في سياق حروب العصابات "من هو العدو"، وعندما لا يلبس البزات العسكرية، ويوجد بين ظهراني السكان، فإن الجواب عليه لا يكون واضحاً ومسلماً به على الإطلاق.

  • مصادر القلق الإسرائيلي

التحليلات العسكرية التي نشرت في الآونة الأخيرة، والتعليقات التي قالها جملة من الخبراء العسكريين، حول هذه المناورات، أشارت في مجملها إلى أن القرار في الجيش الإسرائيلي حول توزيع المصادر لتوفير ردّ مناسب على أنواع المواجهة يشكل تحدياً جوهرياً لصناع القرار العسكري، بحيث تزايدت الحاجة في السنوات الأخيرة للاستعداد لأنواع أخرى من التهديدات، غير متماثلة، مما خلق وضعاً يؤدي فيه كل استثمار لبلورة ردّ على نوع واحد من التهديد، إلى تقليص المصادر المستثمرة في الاستعداد لنوع آخر منها.

وهناك من يقول أن الجيش ليس جريئاً بما فيه الكفاية، وعليه استثمار قدر أكبر في الردّ على التهديدات غير المتماثلة، وبالتالي فإن التغيير في طريقة الحرب، لا يعني القدرات التكنولوجية، بل طريقة التفكير والمزاج السائد.

فالجيش ما زال يتعامل بها وفق النهج القديم، والسبب في عجز القدرات والتخطيط، لا يكمن في نقص شجاعته، كما تشير لذلك بعض الأوساط، بل في عقلية القيادة العسكرية.

معضلة أخرى حول توزيع المصادر بين أذرع الجيش: كم يستثمر في سلاح الجو، والقوات البرية، وكم يكرس في بناء القوة البحرية، بحيث يمكن التغيير في الردّ على مطالب الأمن في غضون أيام، ويمكن تجنيد الاحتياط بأمر قصير المدى إذا ما شخصت حاجة لتعزيز قوات في نقطة معينة!

في المقابل، فإن مستوى التدريب والمخزون والصلاحية في الجيش، أقل مرونة، فالزمن اللازم لرفع الجاهزية يقاس بشهور عديدة، ويمكن المخاطرة بصورة أكثر انخفاضاً، بمعنى أن قرار تقليص الجيش من شأنه أن يكون خطيراً، لأنه سيتطلب 5-8 سنوات للعودة لتوسيع عدد الدبابات والطائرات.

عموما، هناك ثلاثة مصادر للقلق تُجمل المعضلات التي بحثت في طبيعة المناورات الإسرائيلية، وهي:

1. نقطة الضعف الأساسية لإسرائيل في السنوات الأخيرة في مواجهتها مع الفلسطينيين ليست القدرة العسكرية فقط، بل المناعة الوطنية، المتأثرة بواقع اجتماعي، ووضع البنية الاقتصادية، وفوق كل شيء، غياب التكتل القومي حول قصة واحدة، وهدف وإيمان بالطريق الذي يجب السير فيه لتحقيقه.

2. بالتناسب مع تقلص التهديدات في فترة من الفترات، برزت مطالبات للجيش بتقليص حجمه، علما بأن معادلة القوى والتهديدات تعمل في أكثر من اتجاه واحد، فلا يمكن معرفة أي من الحروب تم منعها لأن "العدو" اعترف بقوة الجيش، ولم يكن ممكناً التعامل معه كجيش قوي إلا إذا كان هو كذلك بالفعل.

3. إخفاق الحرب على لبنان صيف عام 2006، وعلى غزة شتاء 2008، كشفت عن "العطب" الذي بدأ يدبّ في عقيدة الجيش القتالية، وعن "العقم" لديه في التعامل مع حرب عصابية، وبيّنت ضعف قدرة سلاح الطيران على تحقيق إنجازات على الأرض.

وإلى جانب ذلك، فإن وقوع تطورات جيوسياسية إستراتيجية في البيئة المحيطة بالجيش الإسرائيلي، جعلت من الصيغة التقليدية للعقيدة القتالية شيئاً من الماضي، لا بدّ من تجديدها، أخذا بالمستجدات التالية:

‌أ. تآكل أسطورة الردع الإسرائيلية في المنطقة، إزاء حماس، وسورية، وحزب الله.

‌ب. صعود حركة حماس في الأراضي المحتلة، لاسيّما بعد سيطرتها على قطاع غزة، وازدياد ميل الفلسطينيين لانتهاج خطّ المقاومة المسلحة، وضمنها العمليات التفجيرية أو الاستشهادية.

‌ج. تزايد المخاطر الناجمة عن صعود نفوذ إيران في عموم الشرق الأوسط، مع تزايد قدرتها على امتلاك تقنية إنتاج السلاح النووي، مما يشكل خطراً على إسرائيل وصورتها الردعية.

‌د. تراجع قدرة الولايات المتحدة بإدارتها الجديدة، حليف إسرائيل وضامن أمنها وتفوقها النوعي، على ترتيب الأوضاع في المنطقة، والسيطرة على تطورات أوضاعه، مع تزايد احتمالات انسحابها من العراق.

أخيرا ..وفي ضوء هذه المناورات العسكرية، وفي ظل الحروب الجديدة التي خاضها وسيخوضها الجيش الإسرائيلي، فإنه ما زال يواصل التمسك بالبنية العسكرية التي شكلت قبل عشرات السنين، ويفكر بالمفاهيم القديمة ذاتها، واقتصار تعامله مع القدرات الجديدة التي أصبحت بحوزته كالأقمار صناعية، والتسليح الدقيق، والصواريخ المتطورة، لا يعطي مؤشراً على أن تغيراً قد حدث في طريقة العمل، وهو ما شهدت به أزقة غزة وشوارعها في الحرب الأخيرة، وما قد تشهده مارون الراس وبنت جبيل في قادم الأيام.