يهودية الدولة..الأسباب والنتائج

  • السبت 20 يناير 2018 11:52 م

يهودية الدولة..الأسباب والنتائج

أخذ الخطاب السياسي الإسرائيلي يتمحور وينتشر بسرعة حول "يهودية الدولة"، والإلحاح على مضامين الخطاب في الداخل الإسرائيلي والمؤتمرات الدولية، وتأكد التوجه عبر محاولة استصدار وثيقة إسرائيلية فلسطينية مشتركة في مؤتمر أنابوليس تتضمن موافقة فلسطينية على فكرة "يهودية الدولة"، ما يعتبر محاولة إسرائيلية لكسب ليس فقط مشروعية التطهير العرقي الذي مارسته إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في السابق، بل الذهاب إلى أبعد من ذلك، عبر وضع مخططات لتنفيذ "ترانسفير" إضافي بحق ما تبقى منهم داخل الخط الأخضر.

  • البدايات التاريخية

برز مصطلح "يهودية الدولة" الإسرائيلية في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة، رغم أنه ليس حديث العهد، بل ظهر في أدبيات المؤتمر الصهيوني الأول الذي أنهى أعماله نهاية أغسطس/ آب 1897 في مدينة بازل السويسرية.

وبالتالي فقد كانت فكرة "يهودية الدولة" دائما إحدى ركائز الفكر الصهيوني، وبغض النظر عن أن درجة هذه اليهودية وبعض مضامينها شكلت مثار جدل بين تيارات معينة في الحركة الصهيونية، فإن هذا الزخم الكبير لهذه المقولة المتجددة ينطوي على أبعاد هامة وجوهرية، وفي المقدمة منها نفحات عنصرية ضد العرب داخل الخط الأخضر واللاجئين الفلسطينيين في أماكن لجوئهم المختلفة، سواء داخل فلسطين التاريخية أو في المنافي القريبة والبعيدة.

والعودة إلى التاريخ بعض الشيء، تذكرنا بأن الكنيست الإسرائيلي اتخذ بتاريخ يوم 16/7/2003 قرارا بضرورة تعميق فكرة يهودية الدولة وتعميمها على دول العالم، ومحاولة انتزاع موقف فلسطيني بجانب القرار المذكور، حيث قدم مشروع القرار أعضاء كتلة الليكود؛ وتمَّ تشريعه بعد التصويت عليه، وتضمن إشارات إلى أن الضفة الغربية وقطاع غزة ليست مناطق محتلة، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي، ولا بموجب الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل.

وفي قراءة متأنية للمصطلح المذكور يمكن الجزم بأنه يحمل في طياته توجها إسرائيليا لطرد أبناء فلسطين من وطنهم بزعم الحفاظ على نقاء الدولة اليهودية؛ ويستوي في ذلك فلسطينيو أراضي 67 وفلسطينيو أراضي 48 الذين فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية، ومرّوا بمدد حكم عسكرية إسرائيلية عصيبة.

وبالتالي فإن الثابت أن كافة الأطياف السياسية الإسرائيلية باتت تتحدث في السنوات الأخيرة عن "يهودية الدولة"، في مقدمتهم رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ووزير الحرب "إيهود باراك"، ناهيك عن وزير الخارجية "أفيغدور ليبرمان".

ومن الواضح أن مصطلح "يهودية الدولة" اليوم بات يمثل في الآونة الأخيرة جوهر ومضمون الغايات الأسمى والأهداف الكبرى لإسرائيل، وتحولت مقولة "الدولة اليهودية" بصورة غير مسبوقة ولا معهودة إلى القاسم المشترك بين مختلف التيارات والكتل والأحزاب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل على حد سواء.

وكأن إسرائيل "اكتشفت" فجأة أن تعميم عبارة "يهودية الدولة" هو الشعار الأنجع لإنهاء حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، وتصفية وإزاحة الأساس القانوني لهذا الحق والحلم والأمل من أجندة الأمم المتحدة بدايةً لشطب الحق الفلسطيني.

  • الأهداف والتوقيت

من الأهداف الأخرى التي تتضمنها عملية تعميم فكرة "يهودية إسرائيل"، محاولة جذب مزيد من يهود العالم إليها، فالحركة الصهيونية تعتبر اليهود في جهات الأرض الأربع بمثابة "المادة البشرية" لتحقيق أهداف إسرائيل التوسعية من جهة، وركيزة لاستمرار المشروع الصهيوني برمته في المنطقة العربية من جهة أخرى، علما بأنه على الرغم من مرور ستة عقود على إنشائها، فإن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تستطع جذب سوى 40% من يهود العالم إلى فلسطين المحتلة، ولهذا يستغل قادتها كافة المناسبات للتأكيد على أهمية جذب مزيد من يهود العالم إلى فلسطين المحتلة.

وقد انطلق في الشهور والسنوات الأخيرة خطاب إعلامي إسرائيلي موحد، شارك فيه معظم اللاعبين المركزيين في دوائر صنع القرار الإسرائيلية، وهو المطالبة باعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كـ"دولة يهودية"، وذهب "ليبرمان" أبعد من ذلك، حين طالب بالاعتراف بها كـ"دولة يهودية وصهيونية".

لم يأت هذا الخطاب من فراغ وهو يحمل في طياته أهدافا رئيسة وعدة دلالات:

  1. الهدف الأول: رفض غير مباشر لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، بحيث تكون عودتهم للدولة الفلسطينية العتيدة، لأنهم بالمنطق الذي ينتهجه الإسرائيليون- فلسطينيون وينبغي أن يعودوا للدولة الفلسطينية، لا للدولة اليهودية.
  2. الهدف الثاني: توجيه رسالة إلى فلسطينيي الداخل بالتوقف عن تعرية زيف الدولة اليهودية الديمقراطية، والتنازل عن مطالبتهم بتغيير طابعها، وقبولها كما هي.

علما بأن رئيس الوزراء السابق "إيهود أولمرت" أعلن بـ"أننا لن ندخل أية مفاوضات حول وجودنا كدولة يهودية، هذا منطلق لكل المفاوضات القادمة"، وأضاف: كل من لا يعترف بذلك لا يمكنه التفاوض معنا"! هذا ليس اشتراطاً، وإنما عملية إملاء علنية على الطرف الفلسطيني.

وهنا يحق لنا طرح السؤال، في المعنى والتوقيت والمضمون: فما معنى الاعتراف بـ"يهودية الدولة الإسرائيلية" بالنسبة للعرب وحقوقهم التاريخية في فلسطين؟ ولماذا لم يطرح الإسرائيليون هذا الشرط إلا الآن؟

تشير الوقائع التاريخية إلى أن الطبقة الحاكمة الإسرائيلية -كانت ولا زالت- تعتبر أن الدولة التي أقامتها بقوة السلاح على أرض فلسطين عام 1948 هي "دولة يهودية"، ودولة لليهود فقط، لكن هذه الهوية الدينية للدولة بقيت قناعة إسرائيلية داخلية، ولم تطرح من قبل كجزء من الخطاب الإسرائيلي للعالم، أو كجزء من المفاوضات مع العرب.

وهو ما يعني أن الإسرائيليين انتظروا أكثر من أربعين سنة تقريباً قبل أن يعلنوا هذا الشرط، لاحظ هنا أن "دولة الاحتلال" انتقلت، أو هكذا هي قناعة قيادتها السياسية، من مرحلة المطالبة بشرعية وجودها كدولة، إلى مرحلة أصبحت فيها تضع شروطاً صارمة للعرب الذين يريدون الاعتراف بهذه الدولة.

وهنا يتضح السبب في التوقيت، حيث لم يطرح الإسرائيليون شرط الاعتراف العربي المكتوب بيهودية الدولة الإسرائيلية إلا الآن! شيء لافت حقاً، علما بأنه حتى شهور وسنوات قليلة فقط كان المطلب هو مجرد الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وبعد أن اطمأنوا إلى أن العرب تجاوزوا هذه العقبة، حيث منهم من اعترف وطبّع، ومنهم من أعلن استعداده لفعل ذلك، حان وقت الاشتراط بأن اعترافهم بـ"إسرائيل" هو اعتراف ناقص.

وبالتالي لن يكون مكتملاً دون الاعتراف بالهوية الدينية لها، وأمام اعتراض العرب –مؤقتا-على مثل هذا الشرط الجديد، يفرض السؤال نفسه بشكل طبيعي: ما الفرق بين الاعتراف بـ"إسرائيل" وبين الاعتراف بهويتها اليهودية؟ وماذا يعني الاعتراف بالهوية اليهودية لدولة "إسرائيل"؟

علما بأن اعتراف العرب بالهوية اليهودية لدولة "إسرائيل" يقتضي بالضرورة أن تجيب هذه الدولة على عدد من الأسئلة أولاً وقبل كل شيء، ومنها: ما معنى "الهوية اليهودية بالنسبة لهم"؟ هل هي هوية دينية حسب رؤية ما يعرف بطائفة الأرثوذكس اليهود، مثلاً؟ أم أن المقصود بهذه الهوية هو المعنى القومي العلماني للدولة الحديثة؟

لأنه من دون توفر هذه الإجابات سيكون الاعتراف العربي، والفلسطيني تحديداً، بالهوية اليهودية لـ"إسرائيل" مفتوحاً على احتمالات سياسية خطيرة، يأتي في مقدمتها ما يعرفه الفلسطينيون قبل غيرهم، وهو أنه سيعني، وبجرة قلم، إسقاط حق العودة لفلسطينيي الشتات.

وبهذا المعنى أيضا سيجد عرب فلسطين 48 في "دولة الاحتلال" أنفسهم أمام سياسات وتشريعات إسرائيلية جديدة، تضعهم في موقف أسوأ وأصعب كثيراً مما هم فيه حالياً، فبعض هؤلاء العرب مسلمون، وآخرون مسيحيون، ولك أن تتصور مستقبل هؤلاء في دولة دينية عنصرية، وقد تم الاعتراف العربي والدولي بهويتها الدينية والعنصرية هذه.

  • التبعات الميدانية والسياسية

إن إصرار إسرائيل على اعتراف العالم، بما فيهم العرب واليهود على أن إسرائيل أصبحت دولة يهودية يؤدي إلى عدد من النتائج:

  1. إن عرب 1948 هم بقايا مرحلة انتقالية كانت الدولة فيها ناشئة في بحر من العداء، وتريد أن تفرض وجودها فقبلت بهؤلاء الذين يذكرونها دائماً بعدم الاتساق، خاصة أنهم من "العرق المحتل" الفلسطيني الذي اغتصب فلسطين لآلاف السنين، كما أنهم بالطبع لم يتمكنوا من الاندماج في الدولة الجديدة وينفصلوا عن ماضيهم، ولذلك وجب ترحيلهم إلى العالم العربي الأرحب.
  2. سيتم الفصل بين السكان الفلسطينيين واليهود في كل فلسطين تمهيدا للحصول على كل فلسطين وإزالة اسم فلسطين ليحل محله إسرائيل، ولذلك فإن هذا المخطط سيحتك حتماً بالأردن التي جددت إسرائيل حديثها عن أنه الوطن البديل للفلسطينيين عن فلسطين، كما تحتك بمصر في سيناء التي لم تغفل عنها حتى في مخطط قيام الدولة الذي وضعه هرتزل، وفي مذكرات كل السياسيين الإسرائيليين.
  3. أن المفاوضات تستمر مع الجانب الفلسطيني للقضاء على المقاومة، والتسليم بأن كل المطالب الفلسطينية المعروفة بقضايا الوضع النهائي قد حسمت.
  4. إن الاعتراف بيهودية الدولة سيؤدي إلى إشكاليات:
    • مع مصر والأردن اللتين اعترفتا بدولة غير محدودة الحدود وطابعها غير يهودي،
    • أن يهودية الدولة تناقض قرار قبول إسرائيل عضوا في الأمم المتحدة،
    • أنها تصبح دولة عنصرية لا تتمتع بشروط بقائها في كل المنظمات الدولية.