قراءة في عناوين ومقررات وخلاصات مؤتمر هرتسيليا

  • السبت 20 يناير 2018 11:50 م

قراءة في عناوين ومقررات وخلاصات مؤتمر هرتسيليا

جاء انعقاد مؤتمر هرتسيليا الصهيوني هذا العام ليقدّم مسحا وتحليلا لأهم أحداث وتطورات العام المنصرم 2011، وتقويماً لمغزاها وانعكاساتها، وفي القلب منها ثورات "الربيع العربي" التي عصفت بعدد من الدول العربية، لاسيما تأثيرها وإسقاطاتها على الوضع الإسرائيلي.

واعتبر المشاركون في المؤتمر أن الكيان الصهيوني يقف أمام نقاط تحول تغير الواقع على عتبة بيئتها الإستراتيجية، وتشخص تحولات رئيسة تقوم بينها علاقات متبادلة مركبة، وتصوغ الواقع الاستراتيجي له في الوقت الراهن، أهمها: الأزمة الاقتصادية العالمية، الهزة السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط. 

علماً بأن المؤتمرات السابقة لـ"هرتسيليا" بحثت مواضيع مهمة مثل: الخطر الديموغرافي العربي في منطقة 1948 على إسرائيل، كيفية تشجيع الهجرة اليهودية إليها، حرب العراق، الحرب على لبنان عام 2006، حدود التسوية مع الفلسطينيين والعرب، حرب 2008-2009 على غزة، الأخطار الإقليمية والدولية التي تتهدد إسرائيل، وغيرها من المواضيع.

  • الثورات العربية

ركزت الخطابات التي سادت خلال المؤتمر ما اعتبرتها المخاطر الكامنة في هذه الثورات، كما أن غياب القوى التقليدية من الشرق الأوسط سيؤدي لتفاقم انعدام الاستقرار الإقليمي، ويتيح تنامي قوة الإسلام السياسي ومساعيه للهيمنة على المنطقة، وهو ما يجعل من هذه الهزة السياسية التي يمر بها الشرق الأوسط تضع "إسرائيل" أمام تحديات أمنية وسياسية مركبة، في وقت تعاني فيه من العزلة من ناحية إستراتيجية.

وأكد رئيس المؤتمر الجنرال احتياط "داني روتشيلد" أن خريطة الشرق الأوسط يمكن أن تتغير في الأعوام القليلة المقبلة، ولذلك ينبغي عدم النظر للوحدة الإقليمية لعدد من الدول، بينها سورية والعراق ولبنان واليمن، كمسألة بديهية، وهي تغييرات يمكن أن تكون لها في معظم الأحوال انعكاسات إقليمية لا يستهان بها.

وأضاف: رغم مرور عام، أو أكثر، على اندلاع الثورات في عدد من دول الشرق الأوسط، إلا أنه لم يتم حتى الآن إحراز تقدم في مواجهة التحديين الأساسيين الإقليميين وهما: انعدام التطور، وبروز القوى المعادية، بل إن تراجعا ملموسا طرأ في هذين المجالين، رغم وجود ارتباط وثيق بينهما، إذ لا يمكن القضاء على القوى المعادية لـ"إسرائيل" دون تطور اقتصادي واجتماعي وسياسي.

كما انتقدت بعض أوراق المؤتمر ما تقوم به الولايات المتحدة ودول أوروبا، وهي تجري حوارا مع الإخوان المسلمين وحركات إسلامية أخرى في أنحاء الشرق الأوسط، بحيث تعطي شرعية لهذه الحركات، وتحاول أن تقنع نفسها بالأساس، بأنها قادرة على دفع إصلاحات سلطوية تحقق الديمقراطية والرفاهية.

علماً بأن وصول الأحزاب الإسلامية لسدة الحكم في الدول العربية، سيجعلها تبذل ما بوسعها للحفاظ على سلطتها ومكاسبها، وتمكن من تعميق وجودها ونفوذها في صفوف الجاليات الإسلامية في الغرب أيضاً.

  • التحديات الأمنية

تناول المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام في بعض جلساته ما بات يسمى في "إسرائيل" بـ"تراجع المناعة القومية"، وقد باتت تحدياً ماثلاً أمام صناع القرار فيها، وتدل على الحاجة الحيوية والملحة لمواجهتها، باعتبارها من المسائل الحاسمة المطروحة على الأجندة الداخلية.

وفي هذا السياق، رسم المؤتمر صورة بائسة لشروخ آخذة في الاتساع، لا تتعلق فقط بفجوات اقتصادية واجتماعية، بل انقسامات وخلافات أساسية حول صورة الدولة، وسلطة القانون فيها، وتشكل خطرا يهدد أسسها، فضلا عن أنها تضر بالمناعة القومية، وهو ما يتطلب منها إيجاد رؤية إستراتيجية واضحة، ومبادرة تعتمد على تقويم واقعي للوضع، وتحديد أهداف استنادا لسلم أولويات منطقي، وقدرة على تحقيقها وسط تفحص بدائل متعددة.

وانطلاقا من المواجهات المحتملة التي قد تخوضها "إسرائيل" في قادم الأيام، تناولت إحدى جلسات المؤتمر موضوع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، وطرحت سؤالاً مكلفاً وباهظ الثمن: هل ما زالت إسرائيل ذخرا إستراتيجيا بالنسبة للولايات المتحدة؟

فقد أكد رئيس مجلس الأمن القومي السابق، "عوزي أراد"، أن قيمة إسرائيل كذخر بالنسبة للولايات المتحدة متعلقة بقوة الأولى، فكلما كانت قوية أكثر، كلما كانت ذخرا هاما أكثر، وقد أصبحنا دولة عظمى من النواحي الأمنية والتكنولوجية والإستراتيجية، ورغم أن العلاقات بين "نتنياهو وأوباما"، متوترة، فإن زعماء الدولتين في الماضي والمستقبل لم يمتحنوا من خلال العامل الشخصي، فيما قال نائب وزير الخارجية "داني أيالون"، إن "إسرائيل" هي الحليفة الوحيدة للولايات المتحدة التي لن تطلب إرسال جنود ليحاربوا هنا مكانها، فنحن ندافع عن أنفسنا، واعتبر السفير الأميركي في تل أبيب، "دان شابيرو"، إن الحلف بين تل أبيب وواشنطن مزيج مميز من المصالح، وليس لدينا في منطقة الشرق الأوسط شريك أفض منها.

من جانبه، سعى "أفيف كوخافي" رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، خلال خطابه أمام المؤتمر، للتخويف من قدرات أعداء إسرائيل وحلفائهم العسكريين، ويبدأون من طهران ويمرون ببيروت وينتهون بغزة، قائلاً: إيران مستمرة بدفع قدراتها وتطوير البرنامج النووي، وتسعى لخلق هيمنة وردع، وأن تكون لاعبا مؤثرا في الحلبة الدولية.

وأضاف: هناك 200 ألف قذيفة صاروخية وصاروخ تهدد "إسرائيل"، أكثر دقة في إصابة الأهداف وتغطي منطقة الوسط، وإن أعداءها ينصبون القذائف الصاروخية لتقليل فاعلية القدرات العسكرية للجيش، وهو ينشر القذائف الصاروخية والصواريخ لتقليص الأضرار، حيث أن الآلاف من الصواريخ يصل مداها مئات الكيلومترات، وموجودة في عمق أراضي العدو، موجودة في سورية ولبنان وإيران وغزة.

وتابع: الرؤوس الحربية للصواريخ باتت فتاكة أكثر، ويحمل كل رأس حربي مئات، وليس عشرات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة، كما أن دقتها ازدادت، خاصة على مستوى الصواريخ الطويلة المدى، زاعماً أنه يتم تخبئة الصواريخ في مناطق مأهولة بالمدنيين، وفي بيت من كل عشرة بيوت يوجد مخزن صواريخ، أو موقع إطلاق لها، وهذا بُعد إستراتيجي يتعين على إسرائيل مواجهته.

من جهته، تطرق رئيس هيئة أركان الجيش "بيني غانتس"، فتطرّق خلال خطابه أمام المؤتمر إلى سورية، بالقول: روسيا مستمرة بإرسال السلاح إلى سورية، رغم أنه ليس واضحا من سيتحكم فيها عقب انتهاء الأحداث فيها، ما يعني أن الشرق الأوسط بات المنطقة الأكثر تسلحا في العالم، و"إسرائيل" الهدف.

  • الحرب القادمة

خصص مؤتمر هرتسيليا جانباً مهماً من نقاشاته المعلنة والسرية، لفرضية الحرب القادمة التي ستخوضها، أو تشن عليها "إسرائيل"، لاسيما مع إيران، وتمحورت الخطابات وأوراق العمل والأبحاث المقدمة، إلى ضرورة أن يواصل العالم العمل على عزل إيران، والاستمرار في ممارسة الضغوط الاقتصادية والعقوبات التي بدأت تعطي نتائج أولية فيها.

وقد برز خلال المؤتمر الحديث المتواتر حول أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي يوجد أحد ما يدعو لتدميرها، ويعمل على حيازة أدوات لتحقيق ذلك، وهذا أمر ليس بالإمكان تجاهله، وهو ما دفع بالمحلل العسكري "أليكس فيشمان"، للإشارة إلى التهديدات الصهيونية المتعالية خلال المؤتمر، ملمحاً بذلك إلى تصريحات مسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية، بأن إسرائيل بدأت بالعد التنازلي استعدادا لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، مؤكدًا أن إسرائيل ساهمت من قبلها في ذلك، من خلال مؤتمر هرتسيليا مع شتى التصريحات التي أوحت جميعها بالقول: لا تُجربونا، فنحن نعلم ماذا نفعل، وإذا ما اضطررنا، فسنفعل.

ووفقا له، فإن الرسالة الإيرانية ردا على التهديدات الصهيونية كالتالي: إذا هاجمتمونا، فلن يعمل ضدكم حزب الله والجهاد الإسلامي وحماس فقط، بل إن كل منظمة مسلحة ندعمها بالمال على وجه البسيطة، من أميركا الجنوبية إلى الشرق الأقصى، لن تدعكم تستريحون، ناقلاً بذلك تحليلاً لقائد سلاح الجو الأسبق، "إيتان بن إلياهو"، الذي شارك في المؤتمر، حيث تحدث في حلقات مغلقة أن الأزمة بين إسرائيل وإيران، تقوم على ثلاث أرجل:

  1. العقوبات الاقتصادية على إيران،
  2. تهديدات عسكرية على شكل زيادة الاستعداد العسكري الأميركي في الخليج العربي،
  3. وجود قناة اتصال سرية دبلوماسية تمكّن الأطراف من النزول عن الشجرة.

وبالنظر لما دار في المؤتمر من حوارات إستراتيجية، تتبين بعض الاستنتاجات الأساسية، منها:

  1. إسرائيل في عامها الحالي تواجه أوضاعاً خارجية صعبة،
  2. تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة مقابل صعود قوى إقليمية معادية لإسرائيل،
  3. إسرائيل أصبحت عبئاً على الولايات المتحدة، وتعيش معزولة بالمعنى الاستراتيجي، والانتقاد المتزايد لها في العالم.

وهكذا يكشف مؤتمر هرتسيليا مدى اهتمام إسرائيل بوجودها، ومجموعة الأخطار التي تتهددها، ومدى حرصها على المراقبة الدقيقة للتغييرات في العالم العربي، وفي المنطقة والعالم على أرضية استمرار التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والعمل على أن تظل تشكّل أولوية قصوى في الحفاظ على المصالح الأمريكية، على أرضية مراعاة وتلبية احتياجاتها ومتطلباتها الأمنية الإستراتيجية، وهي احتياجات متحركة وفقاً للتغييرات المحيطة، بحيث تشكلان أساساً من أسس السياسات الإستراتيجية لإسرائيل، إضافة لعوامل أخرى.