يوم أن تحولت السلطة عبئا على القضية

  • الأحد 14 يناير 2018 11:59 ص

 

  • المغرم والمغنم
  • إسرائيل المتفرجة
  • ضيق الخيارات

 

في الوقت الذي يشهد فيه المشهد الفلسطيني انسدادا للأفق السياسي على مختلف الأصعدة، داخليا في ضوء عدم وجود بصيص أمل لحوار وطني جاد وحقيقي، وخارجيا في ظل حكومة إسرائيلية تتجه نحو فرض الحلول فرضا على مختلف الأطراف، وتعلن صباح مساء "هذه بضاعتنا"!

في مثل هذه الأجواء لا مجال للترف الفكري والسياسي الذي ينتهجه قطاع عريض من الساسة الفلسطينيين، وهم يحاولون "اجتراح" بعض الحلول "الترقيعية" لأزمتهم التي يشتد خناقها حول أعناقهم يوما بعد يوم، وهم على اختلاف توجهاتهم يدورون في ذات الفلك، عبر البقاء في دائرة السلطة الفلسطينية.

وكأن أي نقاش يطالب بتوسيع دائرة الخيارات والبدائل، والبحث عما هو خارج هذه السلطة المتآكلة ضرب من "الهرطقة السياسية" و"اللعب في الممنوع" في ضوء أن هذه السلطة التي أرهقت القضية الوطنية، ونجحت في تشتيت الفلسطينيين، باتت تشكل لجزء منهم مشروعا استثماريا يحقق لهم "الثروة"، وهو ما عجزت عن تحقيقه لهم سنوات "الثورة".

  • المغرم والمغنم

ستخرج هذه الكلمات إلى حيز النشر، وأنا على قناعة تامة بأنها لن تروق للكثيرين الكثيرين ممن رأوا واعتقدوا للحظة واحدة أن السلطة الفلسطينية هي آخر الدنيا، وأبعد الطموحات، وأقصى الأمنيات، وهي الوصفة السحرية لنهاية مقبولة للقضية الفلسطينية، والصراع مع إسرائيل.

وكثيرون آخرون سيزعجهم هذا الحديث المطالب باتخاذ مبادرة جادة وحقيقية للتخلص من هذا العبء المسمى "سلطة"، في ضوء أنها كلفت الفلسطينيين كثيرا، وحملتهم أعباء ما كان ينبغي لهم أن يحملوها، وأعفت الاحتلال من كل ثمن ينبغي أن يدفعه جراء احتلاله وسيطرته.

كان ضروريا جدا هذا المدخل لنقاش عالي الصوت يطالب الساسة الفلسطينيين في البحث عن خيار يخلصهم من هذه السلطة، ويعيد الأمور إلى نصابها، وهي أننا شعب واقع تحت الاحتلال، ليس مطلوبا منا أن نوجد حلولا لمن احتل أرضنا، ونبحث عن مخارج لمن يحاصرنا، بحيث يبدو الوضع أمام الناظر أننا نحن المشكلة، وليس الحل!

تزداد ضرورة هذا النقاش في ضوء الاستمرار في تقلص سيطرة السلطة الفلسطينية، متمثلا بغياب السلطة المركزية، والانفصال البائن بين قطاع غزة والضفة الغربية، والخلافات الداخلية المحتدة، ما يطرح أسئلة حقيقية حول مدى استقرار هذه السلطة، وقدرتها على البقاء.

وإن قراءة دقيقة موضوعية لسير أعمال السلطة الفلسطينية منذ إنشائها قبل خمسة عشر عاما، أيا كان من يترأسها ويقودها يذهب بنا باتجاه أمرين اثنين لا ثالث لهما:

  1. الاتجاه الأول الخاص بقيادة حركة فتح للسلطة، وإدارتها لشؤونها، بين عامي 1994-2006، حيث غلب عليه الطابع الفئوي البحت، وبدلا من أن تكون السلطة هي "الوسيلة" لتحقيق الطموحات الوطنية وصولا إلى الدولة المستقلة، اكتفى قطاع عريض من قياداتها بتحويل هذه السلطة إلى "غاية" بحد ذاتها، بل أسمى الغايات، الأمر الذي حولها مع الزمن إلى "رصيد ومشروع وصفقات واحتكارات" وغيرها من المفردات السائدة التي ترتبط حتما بقاعدة "زواج المال بالسلطة"!
  2. الاتجاه الثاني المتعلق بقيادة حركة حماس للسلطة بين عامي 2006-2009، حيث غلب عليه طابع "إدارة الأزمات" التي وجدت الحركة نفسها فيها، فمن أزمة عدم الاعتراف السياسي، مرورا بالحصار الاقتصادي، وانتهاء بالحرب العسكرية، شكلت هذه السنوات "العجاف" لحماس مرحلة تاريخية هي الأعقد والأكثر صعوبة، ولا أشك للحظة واحدة أن قيادة الحركة كانت تتوقعها في أشد كوابيسها!
  • إسرائيل المتفرجة

في كلا المرحلتين اللتين عاشتهما السلطة الفلسطينية، خلال عهدي فتح وحماس، بدت إسرائيل تتفرج كما لو كانت ترى تمثيلا غاية في الإتقان لسيناريو أعده خبراؤها السياسيون ومنظروها الإستراتيجيون منذ عقود من الزمن، رغم أن سنوات السلطة الخمسة عشر اتسمت بحالة مثيرة للدراسة تمثلت بـ:

1- حالة الضعف القائم في السلطة الفلسطينية، والتيار الذي يقودها ممثلا بفتح وفصائل منظمة التحرير، بالرغم مما يحظون به من دعم واعتراف من قبل إسرائيل والمجتمع الدولي.

2- في المقابل، حالة من التقوي والتعاظم لقوى المقاومة الإسلامية، وعلى رأسها حماس.

وقد لا يختلف الكثيرون في أن المرحلة الأولى لاسيما قبيل اندلاع انتفاضة الأقصى شكلت عهدا ذهبيا لإسرائيل، على الصعيدين الأمني والعسكري، بعد أن اتسمت بظواهر "رواج التنسيق الأمني، تسليم المقاومين، افتتاح عشرات السجون لرجال المقاومة"، واستيقظ الفلسطينيون بعد أقل من عشر سنوات على سلطة يحاصر رئيسها، ليس لها من الأمر شيء، سوى كونها باتت "حكومة معاشات"، وحين طالب كثيرون بالتلويح بورقة "حل السلطة" احتجاجا على هذا السلوك الإسرائيلي المهين، ثارت ثائرة "تجار الشنطة السياسية" الذين ضحوا أخيرا بزعيمهم على قربان الراتب والعلاوة وبطاقات الـVIP!

أما المرحلة الثانية التي تسلمت فيها حماس قيادة السلطة، ولو في بعض مفاصلها، فقد شكلت مؤشرا مؤلما لإسرائيل، حيث تحولت المقاومة إلى عنوان لهذه المرحلة، وخاضت إسرائيل خلالها مواجهات ضارية، وتكبدت خسائر فادحة، وباتت تتحسر على أيام الدوريات المشتركة مع الأمن الفلسطيني، رغم أن تلاميذ "دايتون" يحاولون تعويضها في الضفة الغربية في هذه الأيام.

لكن السؤال الأهم: ألم تتحول السلطة حتى في المرحلة الثانية إلى مورد "استنزاف" للمقاومة ذاتها، بالرغم من حالة الأريحية التي عاشتها في ظلها، بمعنى أكثر وضوحا: ألم يحصل تغيير في الأولويات، وتقديم وتأخير في مهام قوى المقاومة، لاسيما وقد ثبت عمليا، وبالدليل القاطع أن الجمع بين فكرتي "السلطة والمقاومة" في الواقع الفلسطيني أشبه برجل يحاول الجلوس على مقعدين في آن واحد..قد يستطيع إذا كان بهلوانيا، لكن ظهره سينكسر في نهاية المطاف!

أقول هذا الكلام، وأقرأ في عيون الكثيرين كلاما مفاده أن إسرائيل التي تراقب المشهد الفلسطيني باتت تقر في بعض المجالس السياسية أن "السحر قد انقلب على الساحر"، وأن هذه السلطة التي أنشئت خصيصا لتكون وكيلا أمنيا لها، ونجحت للأسف في أن تعفيها من أي تبعات على احتلالها، سيطر عليها ألد أعداء إسرائيل، الذين يجتهدون في تحويل هذه السلطة إلى كيان يحمي المقاومة.

هناك وجاهة في هذا القول، لكني أراه يفتقر للنظرة الإستراتيجية بعيدة المدى، وإلا فهل من مهام قوى المقاومة أن تنشغل بتوفير رواتب للآلاف من الموظفين؟ وسد رمق عشرات الآلاف من الجائعين؟ ومحاولة الحصول على البضائع من فوق الأرض ومن تحتها؟ هذا لعمري في الأمور عجيب!

علما بأن حماس التي حاولت -وما زالت- تقدم للجمهور في غزة أداء حسنا، وإدارة سليمة لمؤسسات السلطة، بصورة معاكسة لما قامت به المجموعة "الفاشلة" التي عرفت بمفردات "الفوضى والفساد"!

إسرائيل التي تحولت إلى "احتلال سوبر ديلوكس" كما قال ذات مرة الجنرال "شلومو غازيت" الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي، بفعل قيام السلطة الفلسطينية، لابد أن تعود لصيغتها الأولى، وهي أنها كيان محتل يتحمل كافة التبعات الملقاة على كاهله وفق ما يقرره القانون الدولي، بما في ذلك إعاشة الشعب الواقع تحت احتلاله، كما كان عليه الوضع بين عامي 1967-1994 قبل نشوء هذه السلطة سيئة الصيت!

  • ضيق الخيارات

ومع ذلك، فإن العودة سنوات قليلة إلى الوراء يوم أن فازت حماس في الانتخابات بنسبة جعلتها بحكم الأمر الواقع تقود هذه السلطة، وهي التي وصفتها طوال العقد الأول من عمرها بأوصاف لاذعة: كـ"سلطة أوسلو، سلطة الحكم الذاتي، السلطة السلطة" بفتح السين واللام، سخرية وتهكما، في ضوء الممارسات المشينة التي قامت بها قبل أن تتسلم حماس دفة الحكم، هذه العودة المطلوبة تجعلنا نقر بحقيقة تاريخية مفادها أن الحركة كانت "زاهدة" فعلا بالإمساك بزمام هذه السلطة.

هذه شهادة للتاريخ، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، لكن حجم الدعوات والعروض التي قدمتها الحركة لمختلف القوى السياسية لمشاركتها كانت خير دليل على رغبتها الجادة، وليس التكتيكية، في إيجاد تكتل وطني فلسطيني لقيادة هذه السفينة التي تتلقفها الأمواج العاتية.

الآن وقد حصل ما حصل، وبعد مراجعة سريعة لثلاث سنوات أرهقت حماس والحركة الوطنية بصورة جدية، وهي تبحث عن كل السبل والخيارات للتخفيف عن الشعب الذي يحاصر بسبب عدم تنازلها عن "الجملة السياسية القنبلة"، لا يجب أن تبقى الحركة والمجموع الوطني خلفها متمترس خلف خيارات البقاء في هذه السلطة، وتشكيل حكومة توافق، والانتظار للانتخابات القادمة المشكوك في حصولها، إن لم يحدث توافق أراه بعيدا جدا.

هذا المطلب مرده إلى أن مصطلحات "الحكومة والسلطة والبرلمان والوزارات" لا معنى لها في ظل أننا جميعا في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال المباشر، برا وبحرا وجوا، لابد أن نبقى دائما نعلن بأعلى الصوت أننا ما زلنا حركة تحرر وطني من الاحتلال، وحركات التحرر معروف تاريخها ومسلكياتها وأساليبها.

وحتى لا يتهمنا أحد بـ"العدمية" وعدم طرح حلول واقعية قابلة للتطبيق، بالإمكان اللجوء لتشكيل إدارة محلية للأوضاع المعيشية والظروف الحياتية، هي أشبه ما يكون بمجلس بلدي موسع يدير الشؤون اليومية للمواطنين، ويتواصل مع الجهات المانحة، والمؤسسات الدولية، ولا تقف في وجهه "الجملة السياسية" المطلوب من حماس تقديمها.

أدرك تماما أن المسألة ليست بهذه البساطة، فالعالم ليس بهذه السذاجة، وهو لن يرضى ببقاء حماس تحرك الأوضاع خلف الكواليس، لكن الحكيم هو "من يختار بين خير الخيرين شر الشرين، وليس بين الخير والشر فحسب".

وأدرك أيضا أن التخلي عن السلطة وأبهتها وبهرجها أمر ليس باليسير حتى لو كانت محاصرة، إلى جانب حرمان عشرات الآلاف من العائلات من رواتب شهرية، ومعاشات دائمة.

كل ذلك قد يشكل عقبات كأداء تحول دون إخراج هذا المقترح إلى حيز الوجود، لكن التاريخ سيسجل بعد عقود كيف أن حركة التحرر الوطني الفلسطيني استعجلت قطف الثمار قبل أوانها، و"بلعت" الطعم الإسرائيلي، وصدقت نفسها أنها تحولت إلى سلطة تمارس صلاحيتها و"سيادتها" على جمهورها الفلسطيني، فيما جندي احتلالي واحد يستطيع أن يبطش بها على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

المفارقة أن بقاء السلطة الفلسطينية، مجرد بقائها، بات يمثل مصلحة إسرائيلية وعربية ودولية، وهذه الأطراف مجتمعة ترى أنه لم تستجد أسباب تستدعي إلغاء وجودها، من خلال:

1- إسرائيل تعتبر أن السلطة شريكا تدير معها المباحثات السياسية والأمنية، لاسيما في مجال التنسيق الأمني، وحفظ أمن المستوطنين.

2- المجتمع الدولي يواصل اعترافه بالسلطة، ودعمه لها، ويبدو معنيا بترميم مؤسساتها المدنية والأمنية.

3- النظام العربي الرسمي يبدي اعترافا حيويا بأهميتها، كنوع من إعفاء نفسه من حالة التدهور التي ألمت بالقضية الوطنية الفلسطينية.

ترى: هل من المنطق السياسي والمسوغ التاريخي أن تلتقي مصالح تلك الأطراف المعادية للقضية مع رغبات قوى المقاومة، أشك في ذلك، وهو ما يطرح السؤال التاريخي الكبير برسم الإجابة: متى يتخلص الفلسطينيون من سلطتهم المتآكلة؟

طرح هذا السؤال المفصلي يأتي متزامنا مع حالة جمود الوضع الفلسطيني الداخلي، وترجيح بقائه على حاله، مما يفسح المجال لشكوك كبيرة في قدرة التيار الوطني على تحقيق مشروعه السياسي، القائم على أساس قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل، وهو ما يزيد من فرص حماس كبديل سياسي قوي.

ولعل النقطة الأكثر ضعفا التي يعاني منها ذلك التيار، افتقاره لقيادة سياسية تتمتع بها حماس، ومدى قدرته على إقناع الجمهور الفلسطيني بصوابية نهجه السياسي، وعجزه عن تغطية فشله المتواصل في شتى المجالات، ما قد يشكل فرصة ذهبية لحماس في اقتناص هذه اللحظة التاريخية من خلال إلقاء هذه السلطة في "حجر" من أسسها، وأراد توريطها فيها، فهل نراها فاعلة؟ نأمل ذلك.