"نتنياهو" في واشنطن: تحالف استراتيجي لا يعكره اختلاف تكتيكي

  • السبت 20 يناير 2018 11:10 م

"نتنياهو" في واشنطن: تحالف استراتيجي لا يعكره اختلاف تكتيكي

في الوقت الذي ترقبت فيه دوائر صنع القرار في العديد من عواصم العالم، أن يلقي رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" خطابه، باعتباره "كلمة السر" لانطلاق عملية التسوية، بما في ذلك تقديمه لتنازلات وصفت بـ"المؤلمة"، إلا أنه نجح نجاحاً مذهلاً في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي، إذ ثبت على مواقفه المبدئية دون رهبة أو تردد، رغم ما وجهه له كبار المعلقين في "إسرائيل" من لوم وانتقاد.

ولئن كان هناك من يبدي مناقشة أو اعتراضاً على إثبات ذلك النجاح، فإليكم بعض القراءات الرقمية التي واكبت الخطاب الذي ألقاه في الأسبوع الأخير من أيار مايو الماضي: فقد جاء الخطاب في 49 دقيقة زمنية، اقتطع من بدايته 4 دقائق متواصلة من التصفيق الحاد "وقوفاً" لجميع الحضور، بمن فيهم نائب الرئيس الأمريكي "جون بايدن"، ودقيقة خامسة من التصفيق في نهاية الخطاب، وتخلل ما تبقى من الوقت 44 دقيقة، أن صفق أعضاء الكونغرس 55 مرة، متوسط الواحدة منها 10 ثوان، وما تبقى منه لم يكن كافياً لعرض خطة سياسية، أو تصور تفاوضي للسير قدماً في عملية التسوية، بقدر التأكيد على "أرض الآباء والأجداد" في فلسطين المحتلة!

ولعل ما قد يشير إلى ما حققه هذا الخطاب من تحالف إسرائيلي استراتيجي مع الكونغرس، الحلقة الأقوى في مراحل صنع القرار الأمريكي، أن ما حواه إعادة تأكيد على مزاعم وادعاءات إسرائيلية، وجد من يشيد به في وسائل الإعلام الأمريكية مثل "فوكس نيوز"، و"سي.ان.ان" و"الواشنطن بوست"، بل إنها هاجمت سيد البيت الأبيض "باراك أوباما" لمعاملته "المهينة" لـ"نتنياهو" الضيف القادم من "اورشليم القدس".

لقد كان "نتنياهو" في منتهى الذكاء وهو يوجه شكره للحاضرين، لأنهم "يعملون من أجل حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، مؤكداً على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، باعتبار الدولتين الحليفتين تقفان جنباً إلى جنب، وتحاربان أعداءً مشتركين، مشيراً إلى أن دعم "إسرائيل" لا يقسم الولايات المتحدة، بل يوحّدها، بدليل منحها المساعدات العسكرية لتكون قادرة على الدفاع عن نفسها،بما فيها منظومة القبة الحديدية.

وبعد مرور عدة أسابيع على إلقاء ذلك الخطاب، فقد بات ممكناً الآن وقد زال غبار المواجهة الحادة بين "نتنياهو" و"اوباما"، القيام بحساب لآثارها، بحيث يمكن القول بكل ثقة أن الأول أجرى ما يمكن أن يسمى "مقامرة محسوبة"، فلو أن الديمقراطيين لم يؤيدوه على هذا النحو الحماسي لتم اتهامه بأنه "ضعضع" التأييد التقليدي من الحزبين لـ"إسرائيل" في مجلس النواب، وهو التأييد الذي يشكل لبنة حاسمة في الحفاظ على التأييد العام لها، لهذا يبدو من الواضح إذن أن إستراتيجيته حققت نجاحاً لدى الحليف الأقوى في واشنطن.

كما أن قراءة متأنية لأثر خطاب "نتنياهو" على تعميق العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، يشير إلى ما ينتظر صناع القرار الإسرائيلي للعمل على نحو فعال لتقوية تأييد الأمريكيين العام لـ"تل أبيب"، في ظل وجود منظمة الـ"ايباك"، الجهة الأقوى التي تعمل من أجل مصلحة الإسرائيليين، وهي منظمة تعمل من وراء ستار، وتضمن على نحو متخصص أن يُدفع الإعلام الإسرائيلي إلى الأمام في مجلس النواب الأمريكي على نحو فعال، وفي مستوى يتجاوز الأحزاب.

ولذلك، فقد وجهت نصائح عدة للوزراء الإسرائيليين ومسئولي الجالية اليهودية في الولايات المتحدة بأن يبذلوا جهدهم لإرضاء "اوباما" في الوقت الذي لا يجب فيه أن تتضرر "إسرائيل"، ما يعني أن على "نتنياهو" أن يستمر في السلوك بحزم، وفي الوقت نفسه استعمال قدراته الدبلوماسية للمحافظة على العلاقات المستمرة مع إدارة واشنطن.

وهو ما وجد ترجمته في تصريح "لي روزنبيرغ" رئيس منظمة "إيباك"، الذي أكد أن الرئيس الأمريكي "أوباما" يسعى لتوثيق العلاقة القوية مع إسرائيل من جديد، وقد جاء إلى مقر المنظمة، حيث المكان الأنسب للقيام بذلك، ولأن وظيفتها تتمثل بالدفاع عن علاقة الدولتين، مضيفاً أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تعملان معاً رغم الخلافات في ضوء ما أسماها "قيماً مشتركة".

ودلالة أكثر على الانسجام الأمريكي الإسرائيلي، الذي أحدثه خطاب "نتنياهو"، فقد شهدت أروقة الكونغرس جهوداً تهدف إلى إحباط جهود "أوباما"، ووضع العصي في دولايب سياسته الشرق أوسطية، حيث وقع 30 عضواً في الكونغرس اقتراحاً يقضي بعدم عودة، أو إعادة "إسرائيل" إلى حدود الرابع من حزيران 1967، في إطار أي اتفاق مع الطرف الفلسطيني.

ويقود الحملة النائب الجمهوري "اورين هايتش" للحصول على تواقيع الأعضاء على مسودة الاقتراح المذكور، الذي يقضي بالمصادقة مجدداً على التزامات الإدارة الأمريكية القاضية بالحفاظ على أمن "إسرائيل" من خلال ضمان حدود يمكن الدفاع عنها، ومعترف بها، معتبراً أن أي دعوة للعودة إلى هذه الحدود يعمل على زعزعة موقف وموقع "إسرائيل" من جهة، ومن جهة أخرى، يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة المتعلقة بالأمن القومي.

لقد كان واضحاً بما لا يدع مجالاً للشك حجم الرضا الذي عبر عنه "نتنياهو" من زيارته إلى واشنطن، لتأييدها للمبادئ الأساسية المهمة لـ"إسرائيل"، وعلى رأسها الاعتراف بها دولة قومية للشعب اليهودي، والحاجة إلى حدود آمنة، ورغم أن أصحاب المواقف اليمينية داخل الحكومة وخارجها، لم يتفقون مع كل أقواله، لكنه أظهر بنظرهم "تصميماً" في وجه ضغوط البيت الأبيض، ما يعني أن كل من توقع منه نتائج وتغييرات فورية، لم يفهم الخطاب.

ولعل أفضل ما قيل في تأثير الخطاب على التحالف الأمريكي الإسرائيلي، والتنسيق متعدد الأبعاد بينهما، ما قالته "سارة نتنياهو" من أن زوجها لو تنافس في انتخابات الرئاسة الأمريكية لفاز بسهولة، وتبدى ذلك في استخدامه خلال الخطاب لكل حيل السياسة الأمريكية، وجاءت سعة الهتاف والتصفيق لتدل على أن السنين الطويلة التي قضاها في الولايات المتحدة لم تضع هدراً، كما برهن أنه لا يشبهه أحد في التوقيع على أوتار الشعور الوطني الأمريكي، ومشاعر الذنب منذ أيام المحرقة، ومصالح أعضاء الكونغرس في الحفاظ على علاقات قريبة بالمنظمات اليهودية.

  • تراجع الدعم الدولي

في المقابل، فإن هناك من رأى في "إسرائيل" أن خطاب "نتنياهو" وسلوكه السياسي الأخير في العاصمة الأمريكية، جعل العالم كله ضد الإسرائيليين، بحيث لو خرجوا إلى حرب محتملة الخريف القادم، لما وجدوا في العالم من يؤيد ذلك، في مقارنة واضحة لما أقدم عليه كل من "إيهود باراك وإيهود أولمرت" حين تقدما ببعض الخطوات تجاه الفلسطينيين، حتى لو لم تحرز سلاماً حقيقياً، لكنهما حققا ذلك السلام المفقود مع العالم، الأهم من الفلسطينيين، بحيث حين اضطرا لاستعمال القوة ضد حماس في غزة، فقد كان لهما حق وقدرة على استعمالها، وحظيت "إسرائيل" بسنيين من الهدوء.

كما أشارت محافل سياسية إلى أن "نتنياهو" بخلاف "باراك واولمرت" لم يعمل على
تهيئة" مسرح المعركة المرتقبة، ولم يقم بالعمل السياسي المطلوب لضمان تحقيق النصر فيها، بحيث أن خطابه في الكونغرس أضاع إنجازات الإسرائيليين في الحرب القادمة، بل إنه بما ذكره من شعارات تقليدية ساهم في دفع "إسرائيل" إلى عزلة دولية غير مسبوقة.

وربما أكثر الانتقادات التي وجهت إلى خطاب "نتنياهو" أنه بعيد كل البعد عن عالم السياسة، فقد استطاع أن يكون رجل أعمال ناجح، ويطير بطائرات خاصة من غير أن يسأله أحد عن مصدرها، ويصحب أثرياء العالم، ويستمتع بملذات الحياة كما يحلو له دون أن يسأله أحد عن شيء، لكن خطأ حياته المصيري أنه توجه إلى السياسة.

كما وجهت زعيمة المعارضة "تسيبي ليفني" نقداً تجاه تصرفات "نتنياهو" أمام الإدارة الأمريكية، مطالبة بأن تتفق الولايات المتحدة و"إسرائيل" في حوار داخلي على الإجراءات الممكنة والطريقة المناسبة للتوصل إلى اتفاق سياسي، بما في ذلك الخطوط الحمراء، وليس عن طريق الخطابات"، كما أن ذلك الخطاب لـ"نتنياهو" لا يلغي الإخفاقات على مدى السنين، والخلل في ديوانه، وفي سياقات اتخاذ القرارات، والفضائح العائلية، ونزعة الاستفراد المقلقة.

أكثر من ذلك، فإن هناك من رأى في خطابه أمراً "عدمياً"، مملوءً بالأكاذيب، وأضاليل الأضاليل، واحتوى على قدر كبير من الدعاية والاختلاقات والنفاق، وما حقيقة قيام أعضاء الكونغرس عشرات المرات على أقدامهم ليهتفوا له، إلا شهادة على جهلهم، أكثر من أن تكون شهادة على نوع خطبة ضيفهم.

ويرى أصحاب هذا الموقف أن رئيس الوزراء عاد إلى تل أبيب من واشنطن "دون بشرى"، ليقود الإسرائيليين والفلسطينيين نحو جولة أخرى من المواجهة العنيفة، إلى جانب عزل "إسرائيل"، في ظل خلاف عميق مع الإدارة الأمريكية، ما يعني أنه حان الوقت لأن يقول الجمهور الغفير من الإسرائيليين كلمتهم: نستحق زعيماً آخر.