مؤتمر الخريف..كرة الثلج في الساحة الحزبية الصهيونية

  • السبت 20 يناير 2018 08:56 م

مؤتمر الخريف..كرة الثلج في الساحة الحزبية الصهيونية

 

  • الصراعات الحزبية حول مؤتمر الخريف

لاشك أن الساحة الحزبية الداخلية في "إسرائيل" هي الأمر الأكثر أهمية لرئيس الوزراء "إيهود أولمرت"، قبل ضغوط بوش وبعدها، لاسيما وأنه يخضع لعملية ابتزاز واضحة من قبل معارضيه في أحزاب اليمين على وجه الخصوص، حيث أعرب وزراء عديدون عن معارضتهم للمؤتمر الدولي، مما دفع بأولمرت إلى تخفيف معارضتهم، لأنه لن يتوصل لاتفاقات "ذات جدوى" خلال الاتصالات التي يجريها مع محمود عباس.

وكان أشد المعارضين لتحركات أولمرت السياسية، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" وزير الشؤون الإستراتيجية "أفيغدور ليبرمان" الذي طالب ألا يتحول المؤتمر إلى منتدى لممارسة الضغط العالمي على إسرائيل، فيما انضم الوزير "بنيامين بن اليعازر" من حزب العمل معتبرا أن الأمر المهم هو عدم الخروج في نهاية المطاف من المؤتمر "خاسرين"، وطالب وزير الحرب "ايهود باراك" بأن يكون المفاوض الإسرائيلي أكثر حذرا واتزانا.

كما تبدى حجم الصراعات الحزبية عبر حملات الانتقاد والتهديد بالانسحاب من الائتلاف الحكومي تارة، وعبر "بازار" المبادرات السياسية التي بادر لإطلاقها جملة من قادة الأحزاب السياسية على النحو التالي:

  • تحدث زعيم المعارضة "بنيامين نتنياهو" عن خطة للتسوية طرحها حزب الليكود، وتقضي أن تكون لإسرائيل حدود دائمة يمكن الدفاع عنها، بحيث يشكل الأردن حدودها الشرقية، وسيادة إسرائيلية في "القدس الموحدة"، والتعاون مع مصر والأردن، في التوصل لتسوية دائمة، وتفكيك المنظمات "المسلحة"، وترميم مخيمات اللاجئين، واتخاذ قرار بعدم السماح بعودتهم للأراضي المحتلة عام 1948.
  • وطرح حزب "إسرائيل بيتنا"، بزعامة "أفيغدور ليبرمان"، مشروعا للسلام مع الفلسطينيين مبنياً على تسليم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى قوة دولية كبيرة وقادرة مثل حلف شمالي الأطلسي "الناتو"، وتخليص إسرائيل منها إلى الأبد، مستندا في ذلك للتأييد العالمي لإسرائيل وحاجته لها في "صراع الحضارات"، وتحقيق التوازن السليم في الشرق الأوسط، في مواجهة إيران وأمثالها من القوى المناوئة لواشنطن وتل أبيب.
  • تم تتويج "بازار" الخطط السياسية الإسرائيلية من خلال ما طرحه زعيم كتلة "الوحدة القومية" "بنيامين ألون" عن خطة تقضي بضم الضفة الغربية لإسرائيل، ومنح فلسطينييها الجنسية الأردنية، معتبرا أن "مكانتهم وروابطهم تكون لكلتا الدولتين، وأن تتم بلورة ووضع تفاصيل شكل إدارة المناطق التي يسكنوها، من خلال اتفاق بين حكومتي إسرائيل والأردن.

وبالنسبة للصراعات الحزبية، وجهت أوساط قيادية من حزب العمل انتقادات لما توصل إليه أولمرت مع عباس، بحجة أن لقاءاتهما لم تناقش المسائل الجوهرية، متهمة إياه بأنه اختار أن يكون "ناشطا حزبيا وليس سياسيا"، وبالتالي لا جدوى من عقد مثل هذه اللقاءات، لأنها لن تنتج عنها أي قرار مهم، أكثر من ذلك، فقد طالب "أوفير بينيس" سكرتير الحزب بعدم السماح لأولمرت بمواصلة ما وصفه بـ"المراوغة السياسية".

في حين أعرب وزير الخارجية السابق "سيلفان شالوم" من حزب الليكود عن اعتقاده بضرورة أن توضح إسرائيل مواقفها بشكل جيد قبل انعقاد مؤتمر الخريف بهدف "تخفيض سقف التوقعات"، وتجنبا لتفجر الأوضاع في المنطقة بسبب الشعور بخيبة أمل أو الفشل بعد المؤتمر، متنبئا بأن رفض إسرائيل تلبية مطالب الفلسطينيين في القضايا الجوهرية، قد يؤدي لتفجر الأوضاع من جديد.

وكان للنائبة "زهافا غال أون" من كتلة ميرتس موقف نقدي قاس تجاه أولمرت الذي اتهمته بمحاولة كسب الوقت لضمان بقائه السياسي من خلال التظاهر الكاذب، وكأن هناك تحركات سياسية تمهيدا للمؤتمر.

  • قدرات أولمرت السياسية وائتلافاته الحزبية

يهمس المحيطون بأولمرت أن باستطاعته تنفس الصعداء في أعقاب ما حققه خلال اجتماعاته الأخيرة، مع عباس وإقناعه بالتخلي عن اتفاق الإطار، الذي طالب الأخير بإنجازه قبيل المؤتمر، وبالتخلي عن مطلب وضع وثيقة واضحة ومحددة تتطرق لقضايا الحل النهائي ضمن إطار زمني محدد في غضون ستة شهور.

ويرى هؤلاء في الاتفاق على أن يكون الإعلان المشترك، الذي سيعمل على صوغه فريقا العمل الفلسطيني والصهيوني، عمومياً يتجنب العثرات وأن تبدأ مفاوضات الحل الدائم بعد المؤتمر دون تحديد سقف زمني لإنهائها، انتصاراً لأولمرت يحفظ له ائتلافه الحكومي الذي يعارض معظم أركانه أي التزام مسبق بطرق القضايا الشائكة، ويقبلون في أقصى الحدود حديثاً فضفاضاً غير ملزم عن إقامة دولة فلسطينية بشروط خريطة الطريق الدولية، كما يحلو لإسرائيل تفسيرها ورسالة الضمانات الأميركية.

ويرى مراقبون أن مهمة اولمرت في تجاوز اللغم، ووجع الرأس، المتمثل في المؤتمر الخريفي والخروج منه بسلامة ائتلافه، لا بعملية سلام حقيقية، ستتكلل بالنجاح في أعقاب الاتفاق مع عباس بشأن الوثيقة العامة، وإرجاء المفاوضات الحقيقية إلى ما بعد المؤتمر وإلى أن يحين موعده، لاسيما وأن انطلاق المفاوضات، لن يؤخر بحال من الأحوال ما ينتظره من مهمة تتمثل بإنقاذ نفسه من شبهات الفساد التي تحوم فوق رأسه منذ سنوات، وباشرت الشرطة التحقيق معه بشأنها تحت التحذير القضائي في قضايا فساد جديدة، وما كف عنه النقاب في الأيام الماضية بشأن إعلان نتائج تقرير فينوغراد خلال الأسابيع القادمة.

وثمة من يعتقد أن غياب معارضة برلمانية قوية قادرة على إسقاط اولمرت عن الحكم يلعب في مصلحته، الذي يعتبره المراقبون مناوراً سياسياً من الدرجة الأولى مشيرين إلى نجاحه في إخماد ما بدا تمرداً ضده في أوساط حزبه كاديما، ثم استمالته أكثر الدعاة لتنحّيه، والقطب البارز في حزب العمل عامي أيالون إلى جانبه.

وعلى رغم أن أوساط اولمرت تنفي أن تكون ثمة علاقة بين تحقيق الشرطة معه، وبين إصراره على إفراغ مؤتمر الخريف من مضمون حقيقي لتفادي اتهام اليمين له بأنه يريد من الحراك السياسي صرف الأنظار عن تورطه في الفساد، إلا أن معلقين يرون جيداً وجود مثل هذه العلاقة ويستذكرون مثلها عندما لجأ "آريئيل شارون" إلى فك الارتباط عن قطاع غزة عام 2005، لصرف الأنظار عن تورطه في قضايا فساد هددت بإسقاط حكومته.

الواضح أخيرا.. أن اولمرت مقتنع بأن عدم تخطيه الخطوط الحمراء التي رسمها الإجماع الصهيوني في كل ما يتعلق بمستقبل الدولة العبرية، وما قد يطرح في مؤتمر الخريف العتيد، سيضمن له فترة أطول في منصبه رغم تحقيق الشرطة معه في قضايا الفساد، بل حتى في حال اتهامه.

  • ترؤس ليفني للفريق التفاوضي..صلح أم شرك؟

لم يكن سرا أن العلاقة الشخصية التي ربطت رئيس الحكومة أولمرت مع رئيسة دبلوماسيته وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني" مرت بأجواء أقل ما يقال عنها أنها باهتة وباردة، فضلا عن توترها والقطيعة التي اتسمت بها في كثير من الأحيان.. ولكن: ما الذي جعله فجأة وبدون مقدمات لأن يعينها في منصب رئاسة الفريق المفاوض مع الفلسطينيين؟

لقد جاء هذا التعيين محيرا لمراقبي الساحة الحزبية، إلا أن هناك عددا من العوامل قد تقنع نسبيا من احتاروا في سر التحول المفاجئ، والتي أسماها بعضهم بـ"الخطوة الذكية" من جانب أولمرت، ومنها:

  • على مستوى السياسي الخارجي، هناك تقارب ملحوظ ظاهر بين "ليفني" ونظيرتها الأميركية "كونداليزا رايس"،
  • العلاقات القريبة التي أقامتها "ليفني" مؤخرا مع الفلسطينيين بشكل عام، ومع سلام فياض بشكل خاص، مما سيساعدها في استئناف الزخم السياسي،
  • "أولمرت" لم يمنح "ليفني" هذا المنصب حبا في سواد عيونها، بل لعلمه الأكيد أنها تحظى بنسبة احترام تفوقه بكثير، مما يعني عمليا أنه يريدها لكي توفر له مظلة سياسية محلية أيضا،
  • "ليفني" من جهتها، ترى أنها حصلت على فرصتها التاريخية لتحقيق حلم حياتها في التأثير على المسيرة السياسية،
  • على المستوى السياسي الداخلي، فان "أولمرت" يقرأ الصحف والاستطلاعات، وفهم أن محور براك– ليفني يضع الكثير من المصاعب أمام أداء مهامه، وبالتالي ليس من مفر أمامه سوى محاولة تفكيك هذا التحالف غير المقدس،
  • فهم "أولمرت" أنه دون التأييد العلني لوزيري الخارجية والحرب، فإنه سيجد من الصعب تجنيد الدعم الجماهيري لتسوية يحققها مع عباس، وبدلا من الانجرار لمواجهة، فإنه فضل إدخال "ليفني" إلى الخيمة،
  • يعرف "أولمرت" أنه بعد عدة أسابيع سينشر تقرير فينوغراد النهائي، وفي هذا الوضع ستكون "ليفني" مشغولة في المفاوضات السياسية بتكليف منه، وبالتالي ستجد –حتما- صعوبة في انتقاده أو اتخاذ عمل ضده،
  • تعيين "ليفني" سيمنح المفاوضات بعدا سياسيا داخليا أكثر، بالقياس للنكهة المهنية التي ستضفيها على طبيعة المؤتمر القادم، ذلك أن نهجها يقضي بعدم التعويل عليه أكثر مما ينبغي، متفقة في ذلك مع رئيسها "أولمرت"، وتتحدث عن خطوة "تدشين مفاوضات" بين إسرائيل والفلسطينيين، وعن "مسيرة" وليس "حدثا مؤسسا منفردا"، الأمر الذي يلاقي استحسان أولمرت بصورة فاقت توقعاته.

أخيرا.. فإن رسالة "أولمرت" التي وجهها ضمنيا إلى ليفني تقول: بدل التحذير من الفخ في المفاوضات، أديريها أنت بنفسك.. إذا كنت تعتقدين أنه يمكنك التوصل لنتيجة أفضل، فلتتفضلي، خذيه على عاتقك، وهكذا تكونين ملزمة بالاتفاق، إذا ما تحقق، بل وتتحملين المسؤولية عن الفشل، إذا لم تنهض الخطوة، بمعنى آخر كما قال أحدهم: ليفني وأولمرت سيتبادلان الأدوار، هي قد ترفع التوقعات وهو سيخفضها، هي ستكون شمعون بيرس وهو سيكون اسحق رابين!