الائتلاف الحكومي الإسرائيلي ..الأسباب والأهداف

  • السبت 20 يناير 2018 08:51 م

الائتلاف الحكومي الإسرائيلي ..الأسباب والأهداف

شكل الائتلاف الحكومي الجديد في الكيان الصهيوني بين رئيس الحكومة "بنيامين نتنياهو" وزعيم حزب "كديما" المعارض "شاؤول موفاز" حدثاً تاريخياً بامتياز، لما له من تبعات ونتائج داخلية وخارجية، بعد أن تبين إمكانية تشكيل حكومة واسعة القاعدة البرلمانية، وهي الأوسع في تاريخ "إسرائيل"، إذ تتمتع بتأييد 94 نائباً في الكنيست من مجموع 120 نائباً، ما يعني وقوف 80% من جمهور الناخبين الإسرائيليين خلفها.

وقد اكتفى الرجلان بمنح التشكيلة الحكومية الائتلافية الجديدة صفات "الخطوة التاريخية المهمة لمستقبل إسرائيل، وأنها نتيجة ائتلاف واسع قادر على مواجهة التحديات المستقبلية لها، بعد أن تبين أن هناك قضايا ملحة، داخلية وخارجية، ليس في وسع الحكومة الحالية توفير الحلول لها.

إلى جانب ذلك، فإن التركيبة الحزبية الحالية ستعمل على "تحرر" رئيس الحكومة الحالي "نتنياهو" من سياسة الابتزاز التي تمارسها الأحزاب الصغيرة عليه، ما يعني حسب زعمه أن حكومة الوحدة الوطنية باتت مطلب الساعة.

مع العلم أن جملة من الصحافيين والمحللين السياسيين اتهموا الشق الثاني في الائتلاف، وزير الحرب ورئيس الأركان السابق، "موفاز"، بما وصفوه "التحول المتلاحق" في مواقفه منذ دخل الحياة السياسية قبل أقل من عقد من الزمن، بعد أن أقسم قبل 6 سنوات بأنه باقٍ في حزب الليكود، لينتقل في الغداة إلى "كاديما"، وما لبث أن أعلن لدى انتخابه رئيساً للحزب قبل شهرين عدم مشاركته في حكومة برئاسة "نتنياهو"، على اعتبار أنها تمثل كل ما هو سيئ، وقبل أسبوعين وصفه بـ"الكذاب"، وهاجم الحكومة على تقديمها الانتخابات لأنها تتهرب من مسؤولياتها، وإن شريكه الجديد، وغريمه السابق، أثبت أنه منقطع عن الواقع عندما يتحدث عن وضع اقتصادي جيد للمواطنين.

  • الرشوة السياسية

كما أن نواب المعارضة في الكنيست وجهوا انتقادات للرجلين على ما وصفوه بـ"الصفقة السرية"، بتشكيل حكومة ائتلافية، واتهموها بـ"كسر حاجز العيب، والقيام برشوة سياسية بكل معنى الكلمة، وأن الحكومة الجديدة تعبير عن خالة من "الخزي والعار"، وهي "أعفن" مناورة سياسية في تاريخ إسرائيل، لأن رئيس الحكومة فقد البوصلة والضمير، ورئيس المعارضة اليائس أعلن إفلاسه بكل المفاهيم، فيما وصفها آخرون بأنها "مناورة سياسية دنيئة"، لأن ائتلافاً من 94 نائباً هو ديكتاتورية تقريبا، وسيتيح للحكومة تمرير أي قانون ترغب به الآن.

فيما اعتبرت رئيسة حزب العمل، وزعيمة المعارضة الجديدة "شيلي يحيموفيتش"، التي توقعت الاستطلاعات أن يسجل حزبها انتصاراً كبيراً في انتخابات مبكرة، الاتفاق بـ"معاهدة الجبناء"، وليس التحول المتتالي في مواقف شريكيه سوى التحول الأسخف في تاريخ إسرائيل السياسي، وإن أحداً لن ينسى هذه الصفقة التي تمسّ ثقة الجمهور بالسياسيين.

وقال مؤسس حزب "هناك مستقبل" برئاسة الصحافي "يائير لبيد"، الذي توقعت استطلاعات الرأي أن يحوز نصف مقاعد "كديما" الحالية في انتخابات مبكرة، إن ما حصل يعكس السياسة القديمة المتعفنة والقبيحة التي تفضل الكراسي والمصلحة الشخصية على المبادئ ومصلحة الدولة.

فيما رد "موفاز" على جميع تلك الانتقادات والاتهامات بالقول إن قرار "كاديما" بالبقاء في المعارضة في السنوات الثلاث الأخيرة كانت خطأ كبيراً، وإن عدم كونه جزءً من الائتلاف الحكومي كان خطأ تاريخياً، ونحن نصححه اليوم.

وقد قضى الاتفاق الائتلافي بتعيين "موفاز" وزير دولة، ونائباً أول لرئيس الحكومة، وقائماً بأعماله في حال غيابه، وعضواً في هيئة الوزراء الثمانية، والمجلس الأمني المصغر، وكل الهيئات الوزارية المقلصة الرفيعة في المسائل السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وتعيين 3 نواب من الحزب رؤساء لثلاث لجان برلمانية بينها الخارجية والأمن والشؤون الاقتصادية.

في سياق متصل، فإن الاتفاق الحكومي الجديد حوّل "نتنياهو" إلى أحد أقوى رؤساء الوزراء في إسرائيل منذ قيامها، وأحد أذكى السياسيين الذين عرفتهم الساحة الإسرائيلية، بعدما ضمن لنفسه سنة ونصف من البقاء في الحكم دون عمليات ابتزاز، بما يمكنه من القيام بخطوات دراماتيكية في المجالات المدنية والسياسية والأمنية.

وبالتالي فمن المرجح أن يبدأ الشريكان الجديدان بتوجيه تلميحات في الفترة القريبة حول التحديّات التي تواجه إسرائيل، للإيحاء بإمكانية شنّ هجوم على إيران بهدف تبرير انضمام "موفاز" للحكومة، بعد أن كان يرتعد من الخوف، بفعل نتائج استطلاعات الرأي التي توقعت تفكك "كاديما" برئاسته، وفهم أنه سيتحول في اليوم التالي للانتخابات، إلى مزحة حزينة في السياسة الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي تريد معاقبة حزب "كاديما"، على طريقة دخوله الائتلاف الحكومي هربا من الانتخابات، وربما يخسر 90%، وسيحصل على 3 مقاعد فقط من أصل 28، عدد مقاعده الآن في الكنيست، في حال تبكير موعد الانتخابات البرلمانية.

فيما يظهر الرابحون من هذه التحركات في الخريطة الحزبية الإسرائيلية، وهم: حزب العمل، الذي سيعود ليصبح الحزب الثاني في "إسرائيل"، بعد أن كسب قطاعا جديدا من مصوتي "كاديما"، وحزب "يوجد مستقبل"، ويطرح نفسه كحزب وسط ليبرالي، ويضع لنفسه هدفا بدخول الائتلاف الحكومي أياً كانت تركيبته، وحزب الاتحاد القومي، اليميني المتطرف ويمثل جمهور المستوطنين.

  • مكاسب داخلية

ومع ذلك، فإن هناك محافل حزبية إسرائيلية ترى أن الاتفاق بين "نتنياهو وموفاز"، هو بين شخصيتين: الأولى تتمتع بقوة كبيرة، والأخرى بضعف شديد، وجرت حياكته في الوقت الذي كان الجميع نائمين فيه، وتحت أنوفهم جميعاً، وهم الساسة والصحافيون، وكل ما جرى قبل ذلك كان خداعاً وتعمية.

ما قد يشير إلى أن الاتفاق الجديد يسقط العذر الذي غالبا ما يستخدمه الزعماء الإسرائيليون في أن نظام التمثيل النسبي يفرض عليهم الدخول في ائتلافات واسعة، تدخل فيها بعض الأحزاب المتشددة التي تفرض بعض أجنداتها ضمنها، إذ يجعل الاتفاق الجديد رئيس الوزراء ليس بحاجة لتلك الأحزاب الدينية، وبما يمكنه من إبعادهم عن المناصب الوزارية التي يحتلونها، والتخلص من "الفيتو" الذي يفرضونه على العديد من القضايا الجوهرية في سياسة الحكومة.

أما بخصوص مكاسب الدولة من كل ذلك، فيمكن حصرها في النقاط الآتية:

  1. اقتراح بديل لقانون "طال" للتجنيد الإلزامي للمتدينين، الذي سيزول مفعوله في نهاية شهر تموز القادم،
  2. قانون لتغيير طريقة الحكم، حيث يلتزم الطرفان بالعمل على إحداث تغيير جوهري في الطريقة القائمة، وإحلال نظام يزيد من الاستقرار السلطوي، ويسمح لرئيس الحكومة بإشغال منصبه كامل الفترة بناء على قرار الناخب،
  3. كما شمل الاتفاق أن تعمل الحكومة على تعزيز الأمن الشخصي للصهاينة، وتعزيز قوة الشرطة، وهنا يطرح التساؤل "هل طلب "موفاز" المصادقة على زيادة ميزانيتها، وهل تم الاتفاق على زيادة عناصرها،
  4. تضمن الاتفاق جوانب أخرى كالسياسة الاجتماعية والرفاه، وميزانية الأمن القومي، وتعزيز مكانة الطبقات الضعيفة والوسطى.
  • تحديات خارجية

الأخطر مما تقدم أن استطلاعاً للرأي أجري بين الصهاينة، أوضح أن 63% منهم يعتقدون أن "موفاز ونتنياهو" لم يتحركا للاتفاق الائتلافي بدافع مصلحة الدولة، وأن 25% منهم فقط اقتنعوا بالحجج والأسباب التي ساقها الاثنان، فيما قال نحو نصف المشاركين إن الحكومة الجديدة لن تفي بالتزاماتها وتعهداتها، ولن تسن قانونا لتجنيد أبناء اليهود المتدينين، لكن أبرز نتائج الاستطلاع تمثلت بانعدام الثقة بين الجمهور والحكومة في كافة الأصعدة تقريبا.

في المقابل، يمكن التساؤل: هل سيعمل "نتنياهو" على تجديد العملية السياسية، وهل عرض على "موفاز" مخططا جديدا لتجديد المفاوضات، وكيف سيتماشى تجديد المفاوضات المحتملة مع مواقف الجناح اليميني في الليكود، وموقف وزير الخارجية "أفيغدور ليبرمان"

وهناك مناقشات حول سؤال كبير في هذا الاتفاق: إن كان سيدفع تشكيل حكومة واسعة جداً بخيار مهاجمة إيران، بعد أن اعتبرت أوساط سياسية نافذة في تل أبيب أن الاتفاق الذي توصل إليه "نتنياهو" مع "موفاز" لتشكيل حكومة الوحدة يبعث برسالة جديدة لإيران والولايات المتحدة، بأن "إسرائيل" تتحرك في طريقها لضرب المنشآت النووية الإيرانية، بعد أن تبين أن الأول لم يبرم التحالف خوفاً من منافسة قوية مع الثاني في الانتخابات المقبلة.

وبالتالي فإن كان "نتنياهو" يريد أن يعطي انطباعا بأن تل أبيب تستعد لمهاجمة طهران، فإن تشكيل حكومة وحدة، كما اعتادت إسرائيل أن تفعل في أوقات الأزمات التي يتعرض لها أمنها القومي، يبرز من جديد تحركها لضرب إيران، رغم أن "موفاز" الذي تولى رئاسة أركان الجيش فيما مضى طالما عارض توجهاً بشن الهجوم عليها، واصفاً القرار المحتمل للهجوم بالكارثي، وبالتالي فإن وجوده في الحكومة الموحدة قد يدعم أصوات داخلها تطالب بضبط النفس في التعامل مع الملف النووي الإيراني.

مع العلم أن الاتفاق الائتلافي يجعل "نتيناهو" يحتفظ بمنصبه حتى أواخر عام 2013، ويعطيه تفويضا واسعا إذا قرر المضي في توجيه ضربة لإيران.