تأثيرات ونتائج الثورات العربية على المشهد الصهيوني

  • السبت 20 يناير 2018 08:42 م

تأثيرات ونتائج الثورات العربية على المشهد الصهيوني

تواصل الجهات الصهيونية المسئولة متابعتها عن كثب للتغيرات الحاصلة في المنطقة العربية، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل شيوع أنباء عن مواقف رسمية "مناهضة" "لإسرائيل"، آخذة بالنفاذ إلى مستويات صنع القرار، بحيث عاشت الساحة الصهيونية، وما زالت تعيش، منذ عدة أسابيع حالة من الاستنفار والقلق المتزايد، في ظل ما يحصل داخل الدول العربية من تغيرات دراماتيكية، وبقي المستويان السياسي والعسكري في تل أبيب يدفنان رأسهما في الرمل.

  • عقم المعلومات الأمنية

فيما يُفسّر كبار المحللين العسكريين غياب التقديرات الاستخبارية عن توقع مثل هذه الثورات، فإنهم في الوقت ذاته يضعون يدهم على مكمن الإخفاق الصهيوني، ومنهم "أليكس فيشمان" الخبير الأكثر دراية بالشئون الأمنية والعسكرية، الذي استنكر ما أسماه ظاهرة "محو المعلومات" التي تجمعت طوال السنين عن الميدان العربي، ويعتبرها "جريمة لا تُغتفر".

ويستدل "فيشمان" على نقده الشديد هذا بالقول: لقد أعفت الجهات الإسرائيلية نفسها من جمع المعلومات الاستخبارية عن الدول العربية المجاورة، حتى المعلومات الأساسية، خاصة وأن فقدانها لا يقاس بالميزانيات الضخمة، والفرق العسكرية، والطائرات الجوية، فالحديث يدور عن أشخاص وجماعات عمل يحتفظون بقدرات كالنظريات القتالية والمعلومات الاستخبارية، لأن مراكز المعلومات هذه هي بمثابة الأركان التي يمكن البدء اعتماداً عليها في اليوم الذي يُعطى فيه إنذار لبناء القوة، لكن زمناً طويلاً مر منذ تلك الأيام التي كان فيها الاستخبارات العسكرية "أمان" يعرف الضباط المصريين والتونسيين والليبيين معرفة حميمة.

كما أشار "المنتدى الإسرائيلي للمخابرات" إلى أن أحداث الثورة المصرية أثبتت خطأ الاعتقاد السائد لدى الاستخبارات العسكرية لسنوات طويلة، وسار عليها اللواء "افيف كوخافي" الرئيس الجديد للجهاز، كسلفه اللواء "عاموس يادلين"، ودار الحديث حينها عن تصور تبسيطي جداً رسم سيناريو يتمثل في أن إدارة حسني مبارك ستنقل السلطة بصورة منظمة إلى مسئولين كبار في جهاز الأمن المصري برئاسة عمر سليمان، فينقلها بسلاسة إلى جمال مبارك، أو وريث آخر يشير إليه الرئيس المصري، وهما بذلك خالفا كلاً من رئيس الشعبة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع، "عاموس غلعاد"، وقائد المنطقة الجنوبية السابق، "يوآف غالانت".

مع العلم أن هذا الإخفاق المعلوماتي والفشل الاستخباري له تبعات ونتائج "كارثية" على الصعيد العسكري، تتمثل بـ"بناء قدرات ميدانية، وتحديث النظرية القتالية، وتنظيم تعاون بين الأذرع، وإنشاء قيادة سيطرة، واستكمالات قادة، وحشد معلومات"، وهي أمور كلها لم تعد إسرائيل نفسها لها حتى كتابة هذه السطور، فيما يتعلق بجبهات عربية جديدة! وفقاً لما ذكره الباحث الكبير في "مركز الدراسات الأمنية في تل أبيب"، العميد احتياط "شلومو باروم".

وقد اعتبر الباحث في مركز دراسات الشؤون الإستراتجية في جامعة "بار إيلان"، "د. هيلال باريش" الانعكاس الفوري لنجاح الثورة المصرية هو "قطار تحت الأرض لتهريب وسائل قتالية"، وعناصر من "القاعدة" لتوسيع قوى المقاومة في غزة، مشيراً إلى أن "الجبهة الجنوبية ستتحول إلى نقطة ذات خطورة عالية جداً، أكثر من القطاع اللبناني.

وأضاف: يكفي أن المصريين سينقلون الجيش إلى سيناء بشكل دائم، فيما سيعود الصهاينة إلى وطأة أيام الاحتياط كما في السنوات السابقة لحرب الأيام الستة عام 1967، ولا أعرف إلى أي مدى سيكون المجتمع الإسرائيلي قادراً على البقاء في وطأة كهذه".

ويختم بالقول: إن "أعداء إسرائيل" سيحظون بالسلطة، فهم لن يستعجلوا في خرق اتفاقية السلام معها، لكنهم سيُساعدون قدر الإمكان حركة حماس على تعزيز وضعها في غزة، ويرى أن السيناريو الجيد لـ"إسرائيل"، أن يكون التغيير على المستوى الاستخبارات السرية، وليس على المستوى التنفيذي.

  • وقف المد الإسلامي

على الصعيد الاستراتيجي، أعرب رئيس الشاباك الأسبق، "كرمي غيلون" عن خشيته نتيجة تزايد نفوذ "الإخوان المسلمين" في مصر، لأنهم يختلفون عن العلمانيين في النظرة للكيان، كما أنهم قوة منظمة جيداً سياسياً واجتماعياً بشكل أفضل من أي قوة سياسية أخرى, واعتبر أن امتلاء ميدان التحرير بمناصري الإخوان، قد أعطى التنظيم شرعية لأنشطته.

وأضاف: بغض النظر عن إمساك الإخوان بزمام الأمور في مصر، فإنني مقتنع تماماً بأنهم سيواصلون ضغطهم، مشيراً إلى أن حركة حماس تشعر حالياً بأريحية، لأنها ستتلقى مزيداً من الدعم، وهذا أبسط ما يمكن أن يدفعه الجيش المصري ثمناً للإخوان مقابل الحفاظ على الاستقرار".

ولذلك تبدو دوائر صنع القرار في تل أبيب على قناعة بأن الحركات الإسلامية ستعمل جاهدة على "إحلال الفراغ" الذي نشأ بعد سقوط عدد من الأنظمة العربية، وهو ما دفع بالبروفيسور "عوزي رابي"، رئيس دائرة دراسات الشرق الأوسط ومركز ديان في جامعة تل أبيب، للتأكيد على انشغال إسرائيل حالياً في إعداد ما وصفه بـ"خطة مارشال لوقف المد الإسلامي" في المنطقة العربية.

وتتضمن هذه المبادرة وفقاً لـ"رابي" ترسيخ الديمقراطية في المنطقة، وإنشاء صندوق دولي لتشجيع المتغيرات الديمقراطية، والنمو الاقتصادي في الدول العربية، وهي على غرار نموذج الخطة الأمريكية التي جعلت أوروبا تتعافى بعد الحرب العالمية الثانية، ويتم تسويقها الآن لمنع إيران والحركات الإسلامية مما وصفته "السيطرة" على الشرق الأوسط.

في سياق متصل، اعتبرت أوساط سياسية صهيونية أن الإعلام العربي لعب دوراً مميزاً هذه المرة في التحريض على هذه الثورات، حيث زعم مدير معهد الحوار الإستراتيجي في الكليّة الأكاديمية في مدينة "نتانيا" د."افرايم سنيه" النائب الأسبق لوزير الدفاع، أنّ قناة "الجزيرة" القطرية انضمت إلى ما وصفه بـ"محور المقاومة"، الذي يُشكل خطراً وجودياً على "إسرائيل"، مطالباً باعتبارها "عدواً" وفق كل المقاييس، كونها تدير صراعاً بين الإسلاميين الذين تدعمهم، وبين من يريدون العيش في كنف الغرب.

كما شن عدد من الخبراء الصهاينة حملة شعواء ترمي لتشويه صورة "الجزيرة"، وزعزعة مصداقيتها، مطلقين اتهامات ضدها بخدمة أجندات سياسية لقوى راديكالية، ولم يتوانَ السفير الصهيوني السابق في مصر، "تسفي مازئيل"، عن وصفها بـ"الجهة المعادية"، وأنها صوت لإيران من قطر، ومجندة لصالح حركة حماس، وهو ما دفع باتهامها أنها تشارك في صنع الأحداث، وأن الثورات العربية هي ثورة الجزيرة الأولى، بعد ثورة "ويكيلكس".

  • انتكاسات إقليمية

في ذات السياق، أعربت محافل أمنية بارزة في تل أبيب أن ما يحصل في المنطقة العربية من ثورات وإسقاط أنظمة موالية للغرب وإسرائيل، أشبه ما يكون بـ"صدمة تاريخية"، بحيث "انهار الجدول مرة واحدة" على حد وصفها، في ضوء ما تحدث عنه رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، "شاؤول موفاز" حيث لفت الأنظار إلى أن الشرق الأوسط يشهد "زلزالاً وتحولاً" تاريخياً، موضحاً بأن حكومة "بنيامين نتنياهو" تنتهج ما وصفها بـ"سياسة النعامة"، وتخفي رأسها في الرمال.

كما رأى أحد كبار رجال "الموساد" السابقين، والباحث في شؤون الشرق الأوسط، د."دان ألدار" بأن السلام بين مصر و"إسرائيل" كان مشوهاً منذ ميلاده قبل أكثر من 30 عاماً، زاعماً أن الشعور بالكراهية تجاه الأخيرة يلقى رواجاً بين المصريين، وقادة الرأي العام والمثقفين الليبراليين ووسائل الإعلام، التي لم تكف على مدى سنوات من تشويه سمعتها، وقادتها ورعاية المعاداة للسامية ضد الشعب اليهودي.

وتوقع "ألدار" ما وصفها بـ"سنوات كئيبة" لمستقبل العلاقات بين البلدين، فليس من المستبعد خلال المفاوضات بين المعارضة المصرية بشأن مستقبل الحكم، سيجد الجيش المصري نفسه مضطراً لأن يتعامل بشكل أكثر تسامحاً مع التيارات الإسلامية للحفاظ على وضعه محكماً ومستقراً.

وبالتالي، فإن اندماج "الإخوان المسلمين" في النظام القادم من المتوقع أن يسرّع وتيرة تدهور العلاقات مع "إسرائيل" إلى حد إلغاء اتفاقية السلام بالرغم من التصريحات الحالية لقادة الجيش، الذين ما زالوا يعتبرون "إسرائيل" التهديد الرئيسي في خطط تدريباتهم.

فيما وضع رئيس مركز "موشيه دايان" للدراسات، "أيال زيسر" رؤيته لمراحل تدهور العلاقات بين القاهرة وتل أبيب من خلال المرور تدريجياً بصيغة البلاغة الحادة المعادية للكيان، وصولاً إلى طلبات في إطار مؤسسات الأمم المتحدة لتغيير نظام نشر القوات في سيناء، وانتهاءً بطرح طلبات من الجانب المصري للإشراف على السلاح النووي الصهيوني، مطالباً بضرورة اتخاذ إسرائيل لكافة التدابير المناسبة السياسية والأمنية لمواجهة ما وصفه بـ"الشر القادم من الجنوب".

من جهته، تحدث "حاييم آسا" مستشار الأمن القومي الصهيوني الأسبق، والمحاضر في معهد الإدارة التابع للمركز متعدد المجالات في هرتسيليا، أن الأحداث التي تواجه إسرائيل كالثورتين في تونس ومصر، والزلازل المتوقعة في الأردن والسعودية وغيرهما، هي طرف "الجبل الجليدي" فقط من التغيير الجوهري للحياة في الشبكة الاجتماعية، مما سيصعب جداً على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التعرف على صورة المسار، وتقدير ما الذي يوشك أن يحدث وأين.