التنسيق الأمني مع الاحتلال..شراكة حقيقية ضد المقاومة

  • السبت 20 يناير 2018 08:37 م

التنسيق الأمني مع الاحتلال..شراكة حقيقية ضد المقاومة

دلت أحداث قلقيلية الدامية في الضفة الغربية، وما حصل خلالها من اغتيال لنخبة من قادة وكوادر كتائب القسام على أيدي الأجهزة الأمنية الخاضعة للسلطة الفلسطينية، على حجم وتعمق التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الإسرائيلية.

الملف التالي سيسلط الضوء على أبرز محاور سياسة التنسيق الأمني التي تتبعها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لتثبيت حقيقة مفادها أن هذا التنسيق تجاوز الالتزامات الأمنية، والتعهدات السياسية، ليصل في نهاية المطاف إلى اصطفاف حقيقي مع الاحتلال ضد المقاومة، فكرا وسلوكا وأفرادا.

علما بأنه لم تعد الحرب الأمنية المحمومة التي تشنها الأجهزة الإسرائيلية ونظيرتها الفلسطينية مقتصرة على تقاسم جسد حركة المقاومة الإسلامية حماس، والجمعيات المقربة منها، بل تعدت ذلك إلى تناوب واضح ومكشوف في اعتقال أبناء الحركة، الذين لا يلبث الواحد منهم أن يخرج من سجون السلطة، حتى يبادر الاحتلال إلى اعتقاله، وفي ذات السياق لا تكاد الجمعيات الإسلامية تفيق من حملة إسرائيلية من الإغلاق والمداهمة، حتى يأتي الدور على الأمن الفلسطيني بالحرق والنهب لها.

ما ذكر، لا يدخل في نطاق الدعاية الإعلامية، بل إن القوائم مليئة بأسماء معتقلي الحركة الذين تناوبت عليهم اختطافات الاحتلال واعتقالات الأمن الفلسطيني، وبعض الجمعيات التي تناوب الاحتلال وشركاؤه على الاعتداء عليها وتخريبها، بما يثبت وبشكل واضح لا يقبل التأويل حقيقة الدور الذي تلعبه الأجهزة الأمنية في خدمة الاحتلال الإسرائيلي، وتكامل الأدوار المخزي بين هذه الأطراف في حربهم ضد عدوهم المشترك، المتمثل بحركة حماس وباقي فصائل المقاومة.

علما بأن هناك تنسيق كامل بين الاحتلال والمجموعات المسلحة التابعة للأجهزة الأمنية، حيث يسمح لها الاحتلال بالتنقل بين الحواجز العسكرية الإسرائيلية كما يشاءون، ويسمح لهم المحتلون بالدخول إلى المناطق ذات السيطرة الأمنية الإسرائيلية "مناطق C" بسياراتهم العسكرية، لتنفيذ عمليات الاختطاف والإرهاب والقتل.

  • تقاسم الأدوار

يوضح هذا المحور العلاقة الوطيدة بين الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة الأمن الفلسطينية في محاربة الشعب، والاتفاق على حصاره وتشريده، وتضييق الخناق عليه.

وتشير الوقائع الميدانية إلى تلك العلاقة الوطيدة بين الجانبين، ما يبين مدى بشاعة الممارسات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية، وفاقت في بشاعتها وفظاعتها ممارسات الاحتلال.

وإن الرسم البياني لمستوى انتهاكات الأجهزة الأمنية ضد حركة حماس وقوى المقاومة في الضفة الغربية، يلاحظ وجود فرق بسيط بين ممارساتها وما يقوم به الاحتلال، حيث حصدت من الانتهاكات ما نسبته 45%، مقابل 55% للاحتلال، ما يدلل على التآمر الواضح من قبلها مع الاحتلال، وأن بعض حالات الخطف حصلت في المناطق المسيطر عليها من قبل الاحتلال، الذي كان يسهل مرور الأجهزة لأداء مهامها!

كما فاقت تلك الأجهزة وبجدارة كل الممارسات اللاأخلاقية التي مارسها الاحتلال، وتفوقت عليه بامتياز، حيث حصلت على نسبة 83% من الاعتداءات على المؤسسات الخاصة والعامة لأبناء الشعب الفلسطيني، وأعضاء ومناصري حركة حماس، كما شملت الاعتداءات على المساجد والطلاب في الجامعات، وإحراق العشرات من المحال التجارية والمنازل.  

وقد كشفت صحيفة "هآرتس"، نقلاً عن مصادر أمنية أنّ أجهزة الأمن الخاضعة لحكومة رام الله نقلت معلومات عن بعض شبكات نعتتها بأنها "إرهابية"، في إشارة لمجموعات المقاومة في الضفة، مما ساعد الجيش الإسرائيلي على إحباط العمليات التي كانت تخطط لها.

وقالت الصحيفة إنّ التنسيق الأمني الذي يدور الحديث عنه؛ هو أعلى من المستوى الذي كان يجري في السنوات الست الأخيرة، في إشارة لوجود أشكال من التنسيق السري خلال السنوات الماضية، وهو أمر كانت تنفيه على الدوام تلك الأجهزة.

كما أعلنت مصادر أمنية إسرائيلية، أن التنسيق والتعاون الأمني بين جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية ضد حركة حماس والمقاومة في الضفة الغربية، بلغ مستويات لم يسبق لها مثيل منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو سنة 1993.

 ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك التنسيق الأمني:

  1. مداهمة الأجهزة الأمنية لمنازل المئات من قياديي وعناصر حركة حماس الذين تفرج عنهم قوات الاحتلال من السجون الإسرائيلية، في القرى المنتشرة بالضفة الغربية، من خلال مرافقة عربات عسكرية إسرائيلية للقوة الأمنية الفلسطينية خلال مرورها على الشوارع الالتفافية، لتأمين خط سير القوات خلال انسحابها، لاسيما في مدينة نابلس التي اعتادت الأجهزة الأمنية فيها مواصلة حملة اعتقالاتها بحق أنصار حركة حماس في المدينة، رغم الاجتياحات الإسرائيلية المتواصلة لمخيم عين بيت الماء.

إلى جانب إقدام أجهزة الأمن على اختطاف العشرات من الشبان، والقيام بتفتيش منازلهم ومحيطها بشكل مشدّد، وعمدوا إلى نبش الحدائق والجدران بحثاً عن سلاح، في ظل أن هذه المنازل تتعرض بشكل دائم لمداهمة قوات الاحتلال باستمرار، حيث يرهب الجنود الإسرائيليون قاطني المنازل، ويعيثون فيها خراباً، بينما هم مطاردون منذ عدة سنوات.

فضلا عن استهداف المجموعات والتشكيلات العسكرية، واغتيال عناصرها على أيدي جيش الاحتلال، بعد أيام من رفضهم لطلب حكومة فياض تسليم سلاح المقاومة، والانخراط في أجهزة الأمن.

  1. مفاخرة أجهزة الأمن بإعادة عدد كبير من المستوطنين الإسرائيليين الذين يدخلون بعض مدن الضفة الغربية، "عن طريق الخطأ" إلى جيش الاحتلال في إطار التنسيق الأمني بينهما.
  2. في إشارة واضحة للتنسيق مع الاحتلال، قامت الأجهزة الأمنية بنقل عدد من المعتقلين من سجونها المنتشرة في أنحاء من الضفة الغربية، شمالا وجنوبا، مروراً بعدد من الحواجز العسكرية الإسرائيلية.

كما أن شن الهجمة ضد حركة حماس بصورة مشتركة ومنسقة بين الأجهزة الأمنية والقوات الإسرائيلية، لاسيما بعد أن قامت بعض المجموعات التي انتحلت اسم كتائب الأقصى بإصدار قائمة تحتوي على العشرات من نشطاء حماس ممن قالت أنهم مطلوبون لديها، مما شكل فرصة نادرة للاحتلال لاستهدافهم.

إلى جانب تبادل الأدوار بين قوات الاحتلال وأجهزة الأمن، لاسيما وأن عددا من الذين اعتقلوا من قبل قوات الاحتلال، اعتقلتهم أجهزة الأمن، وأخضعوا للتحقيق القاسي في سجونها بتهمة الانتماء لكتائب القسام، ثم أفرج عنهم، لتقوم قوات الاحتلال باعتقالهم مباشرة، في إشارة واضحة إلى التبادل بينهما ضد "العدو المشترك".

وما يمارس على أرض الواقع في الضفة الغربية، من ملاحقة وتعقب واعتقال لأبناء حركة حماس، وجمع المعلومات عنهم، من قبل قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية، يعيد إلى الأذهان حقبة ومرحلة التنسيق الأمني المكشوف بين الطرفين قبل انتفاضة الأقصى، حين كانت أجهزة السلطة تعتقل أبناء الحركة وتخضعهم للتحقيق، ثم تقوم بعدها قوات الاحتلال باعتقالهم، ليجد المعتقلون أن المعلومات التي قدموها لـ"أبناء شعبهم" في الأجهزة الأمنية موجودة لدى محققي جهاز الشاباك كما هي.

  1. لم يعد سرا أن مسئولي الأجهزة الأمنية وعناصرها، يتنقلون بأسلحتهم عبر الحواجز الإسرائيلية ليعتقل مجاهدو وأنصار حماس من داخل المناطق المصنفة "C"؟ ومن الذي يتنقل بمعتقلي حماس عبر هذه الحواجز؟ ومن المسئول عن اعتقال خلية أريحا الفتحاوية التي خططت لاغتيال أولمرت؟ ومن الذي سلم أحمد سعدات للاحتلال؟

وقيام المئات من أفراد الأجهزة الأمنية بمحاصرة العديد من مخيمات الضفة الغربية وقراها الريفية، لاعتقال نشطاء فصائل المقاومة، عبر قيام المئات من عناصر الأجهزة بمحاصرة مداخل المخيمات من جميع الجهات، واعتلاء أسطح العمارات القريبة منها، وإغلاق جميع الطرق المؤدية للمناطق المستهدفة، ومنع أي شخص من الدخول إلى المخيم أو الخروج منه.

  1. قيام الأجهزة الأمنية بالعرض على المقاومين، وقف مقاومتهم وتسليم أسلحتهم "أسوة بغيرهم" مقابل وقف ملاحقتهم من الاحتلال، بعد أن كشف وزير الداخلية السابق في حكومة فياض، عن حل "كل الأجنحة المسلحة التابعة للفصائل، وفي مقدمها كتائب الأقصى والقسام".

وفي إطار التنسيق الأمني، قدمت تلك الأجهزة للاحتلال قائمة بأسماء مقاومين من كتائب شهداء الأقصى يرفضون تسليم أسلحتهم، بعد أن باتت عاجزة عن اعتقالهم وملاحقتهم، لأنهم يتمتعون بشعبية بين الأهالي والمواطنين، ولا يمكن القضاء عليهم إلا باغتيالهم أو اعتقالهم علي أيدي الاحتلال، والتخلص منهم يكون أفضل لأن اعتقالهم سيتسبب بإحراج للسلطة، وسيشكل ضغطا عليها من قبل أقربائهم وأصدقائهم للمطالبة بالإفراج عنهم.

  1. تعرض المؤسسات الخيرية والجمعيات الأهلية المقربة من حركة حماس لسلسلة من الاقتحامات في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، التي تأتي في سياق مكشوف الهدف والمخطط، وهو ثمرة مُباشرة للتنسيق الأمني المُعلن الذي يستهدف تدمير كل مقومات الصمود الفلسطيني الذاتي.
  2. تسلل قوات من الأجهزة الأمنية إلى مناطق داخل مدن الضفة الغربية، متنكرة على هيئة وحدات خاصة إسرائيلية، ومحاولتها اختطاف عدد من مطاردي كتائب القسام، الذين تلاحقهم قوات الاحتلال.

بجانب اختطاف أسرى محررين، واعتقالهم واقتيادهم إلى جهات مجهولة، رغم أنه لم يمض على خروجهم من سجون الاحتلال عدة أشهر، بعد أن قضوا عدة سنوات في الأسر، ومنهم عدد من المرضى.

واختطاف قوات الاحتلال لعدد من الأسرى بعد ساعات من إطلاق سراحهم من مقر الأمن الوقائي، بعد اختطاف دام عدة أيام، بعد تفتيش منازلهم وإخراج ساكنيها إلى العراء، ثم نقلهم إلى جهة غير معلومة، وتكررت هذه الظاهرة كثيراً، في إشارة واضحة على التنسيق بين الاحتلال وأجهزة الأمن وتبادل الأدوار.

  1. قيام الأجهزة الأمنية بنقل كميات وافرة من المتفجرات إلى الاحتلال، زعمت أنها عثرت عليها في بعض المناطق بالضفة الغربية، يُعتقد أنها تعود لفصائل المقاومة، وتستخدمها في التصدي للتوغلات، حيث قام خبراء متفجرات إسرائيليون بنسفها ضمن إجراءات أمنية مشددة.

وهو ما يرتبط بالجهود التي بذلتها أجهزة أمن حكومة رام الله لإحباط عمليات فدائية، من خلال الكشف عن سيارات مفخخة أعدها مقاومون لتفجيرها ضد أهداف إسرائيلية وراء الخط الأخضر.

  1. تدريب المئات من أفراد أجهزة الأمن على يد ضباط أمن أمريكيين وأوروبيين لملاحقة المقاومة في الضفة الغربية، وبروز نجم المنسق الأمني الأمريكي "كيث دايتون".

وموافقة الحكومة الإسرائيلية على إمداد السلطة الفلسطينية بإدخال عشرات المصفحات وكميات هائلة من الذخائر في الضفة الغربية، ومن المتوقع أن تنشر تلك الآليات المدرعة في مدينة نابلس شمال الضفة.

كما تعقد اللقاءات الدورية بين الجانبين، حيث يحضرها بالعادة قائد قوات جيش الاحتلال في الضفة الغربية البريغادير "نوعام تيبون" ورئيس الإدارة المدنية البريغادير "يوئاف مردخاي"، فيما يترأس الجانب الفلسطيني حسين الشيخ رئيس هيئة الشؤون المدنية.

  • التماهي مع الاحتلال

تصريحات عديدة لرئيس السلطة كشفت عن الالتقاء في كثير من وجهات النظر والتنسيق الأمني بين أجهزته الأمنية وأجهزة الاحتلال؛ حيث كشفت مصادر أمنية إسرائيلية رسمية النقاب عن أن ارتفاعاً حاداً في التنسيق الأمني بين أجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية وبين قوات الاحتلال، وصل إلى سبعة أضعاف عما كان عليه في عام 2006!

ونقلت الإذاعة العبرية في نشرتها المسائية عن المصادر الأمنية قولها: إن عدد "لقاءات التعاون والتنسيق الأمني والمدني" بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في الضفة الغربية ارتفعت خلال العام 2007 بأكثر من ضعفين مقارنة مع العام 2006، واستناداً للمصادر ذاتها؛ فقد طرأ ارتفاع بنسبة سبعة أضعاف على قيام أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بتسليم وسائل قتالية أو بضائع "سُرقت" من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948، إلى الجانب الصهيوني.

وقد نشرت قوات أمن الرئاسة وعدد من الأجهزة عناصرها خلال الأشهر الأخيرة، في العديد من مدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها، ما أثار الخشية والقلق لدى المواطنين الفلسطينيين من هذه الحالة التي وُصفت بـ"الاستعراضات العسكرية".

وما يثير الاستغراب على نحو خاص؛ أنّ هذه "الاستعراضات" تتم على مرأى من جنود الاحتلال ومسمع، إذ تجوب الدوريات الإسرائيلية الشوارع مع دوريات حرس الرئاسة، ما يعطي انطباعاً بأنّ تنسيقاً ما يتم بين الجانبين، بينما تدعو القوات التي تأتمر بأمر السلطة أنها تنفذ خطة أمنية "لصالح المواطن الفلسطيني".

وقال عدد من وزراء رام الله أن الشق الأول من الخطة الأمنية المتمثل بملاحقة المطاردين تم تنفيذه، علماً أنّ قوات الاحتلال اختطفت بعد "العفو" الذي أصدرته عن كتائب الأقصى ثلاثة منهم.

وإنّ المرحلة الثانية من الخطة الجارية الآن هي "فرض الأمن" في المدن الكبرى مثل جنين والخليل ورام الله، رغم أنّ مدينة الخليل جنوبي الضفة تتمتع بالأمن والاستقرار بخلاف مدن شمال الضفة التي تسببت الأجهزة في فقدانها للأمن والاستقرار، فيما قام مسلحوها بحرق العديد من المؤسسات وإتلاف محتوياتها.

وتنفيذا للخطة المذكورة انتشرت قوات كبيرة من أمن الرئاسة والأجهزة الأمنية في العديد من المدن، لتوقع الرعب والخوف بين المواطنين الآمنين، وتجلب لهم القلق تحت ذريعة حفظ الأمن.

المفارقة التي تثير الأسى بين الفلسطينيين تتمثل في أنّ دوريات الاحتلال تجوب الشوارع في ذات الوقت الذي تنتشر فيه الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ما يعني أنّ جنود الاحتلال آمنون تماماً من أنّ سلاح الأجهزة الأمنية غير موجه لهم، بل للفلسطينيين، وتحديداً لمقاتلي حركة حماس.

وما أفقد المواطنين ما تبقى من ثقة مفترضة في الأجهزة التي تدعي الحفاظ على الأمن؛ أنها باتت تستنسخ أداء قوات الاحتلال، فهي تعتقل الأشخاص المطاردين من الاحتلال، وتقتحم المنازل الفلسطينية، لكن ربما بطريقة أكثر إذلالاً وامتهاناً، وفق روايات المواطنين وشكاواهم، وبات الفارق الأساس بين الفريقين؛ أنّ أفراد الأجهزة يأتون في الغالب "مقنّعين"، فيما جنود الاحتلال يأتون "كاشفي الوجوه".

وفي ظلال هذا المشهد؛ أثارت قرارات قيادات الأجهزة الأمنية وتصرفاتها امتعاض عدد من منتسبي الأجهزة، الذين شعروا أنه يزج بهم ليكونوا مجرد أدوات لتنفيذ سياسات مسئوليهم، والقيام بدور المحتل الذي سئم الشعب الفلسطيني رؤيته.

ويبدو أنّ التزام أزلام السلطة في رام الله بالاتفاقات والتفاهمات الصهيو-أمريكية له استحقاقاته، خاصة بعدما أشير لرغبة السلطة في إبراز "نجاحات" أمنية للإدارة الأمريكية، وتحديدا بعد خطاب أوباما.

ومثلما انعكست السياسات الداخلية ذلك الفريق في قرارات وممارسات أضرّت بأمن القضية الفلسطينية، والمصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ فإنّ الأمر يسير في الاتجاه نفسه وفق رؤية المراقبين على المستويات العربية والإقليمية والدولية، من خلال إلحاق الأذى بالأمن القومي العربي، وتوتير العلاقات الفلسطينية العربية، ومحاولات إخراج الموضوع الفلسطيني من دائرة الهمّ والعمل العربي والإسلامي تحت حجج ومبررات أثارت العديد من علامات الاستفهام.

فعلى المستوى الداخلي، شملت هذه القرارات والإجراءات منع سلاح فصائل المقاومة واعتباره غير شرعي، وملاحقة وتجريم كل من لا يلتزم بذلك، والحصول على "عفو" مذلّ من الكيان الصهيوني عن عدد من ناشطي "كتائب الأقصى" مقابل تخليهم عن سلاحهم، والتعهد بعدم مهاجمة أهداف الاحتلال.

كما تضمنت تلك الخطوات بنداً فائق الخطورة؛ يتمثل في إعادة التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني إلى أعلى مستوياته، وهو الذي كان قد توقف الحديث عنه منذ عدة أعوام بسبب اندلاع انتفاضة الأقصى.

  • الدورات الأمنية

كما أن جهاز الاستخبارات العسكرية وباقي الأجهزة الأمنية لم تعد تكتفي بالتنسيق الأمني مع الأجهزة المماثلة لها في الكيان الصهيوني، وتلبية متطلبات الجنرال الأمريكي "دايتون"، ومواصلة حربها على حركة حماس، وتفكيك مؤسسات المجتمع المدني التي قدمت للشعب الفلسطيني الكثير في جوانب الرعاية والإغاثة، والانقضاض على مؤسسات الزكاة، وتجفيف منابع التكافل الاجتماعي، المرتبطة بها.

بل صارت قيادات الأجهزة تباهي بهذه الحرب أمام وسائل إعلام صهيونية، وتتبجح بها، إلى درجة السماح لها بالتصوير الحي لعملياتها الأمنية، ومصاحبة فرق المداهمة التي تقوم بهذه المهام، ضد مؤسسات شعبها دون حياء أو خجل، وهو ما عبرت عنه زمرة من قيادات السلطة في الضفة الغربية، في تعقيبها على أحداث قلقيلية الأخيرة الدموية.

كما سبق ذلك الفيلم الوثائقي الذي أعده صحفي صهيوني وبثته القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، في برنامج "حقيقة" مطلع شهر ديسمبر الماضي، والذي يتضمن تحذيرات من إمكانية تحول الضفة الغربية إلى غزة أخرى، عن طريق "سيطرة حماس عليها"، معتبراً أنّ الجنود الذين أظهرهم وهم يتدربون في ختام دورة عسكرية بمدينة نابلس، ضمن ترتيبات الجنرال الأمريكي "دايتون"، هي "خط الدفاع الأخير" عن الكيان.

أكثر من فضيحة تظهر من خلال هذه الفيلم الذي استغرق عشرين دقيقة، أهمها:

1- تصريحات قيادات الأجهزة التي تتباهى بحربها على المقاومين في منبر إعلامي صهيوني، دون أدنى حرج من الجهر بتلك العداوة أمام المحتل، وعبر وسائله الموجهة للجمهور الصهيوني.

2- لكي يثبتوا للجمهور الصهيوني صدق ادعاءاتهم، سمح للصحفي الصهيوني بمرافقة عناصر جهازهم الأمني، الذين وجههم لاقتحام ما ادعى أنها مؤسسة تابعة لحركة حماس، تم حظرها من قبل وزارة داخلية حكومة فياض، وتصوير العملية تصويراً حياً، وينقل المراسل في تقريره قول أحد الضباط لجنديه: "كل شيء تملكه حماس يُصادَر أو يُحرَق" بما في ذلك المصاحف.

3- انزعاج مسئول استخبارات نابلس من قيام الكيان الصهيوني بمهاجمة مقرات حركة حماس ومنظمات المجتمع المدني، التي تسبق قواته إلى مداهمتها، ليس استنكاراً لفعل يقوم به المحتل ضد الشعب الفلسطيني، وإنما لأنّ هذا "يُفسّر لدى الشارع الفلسطيني كعمالة وجاسوسية"، على حد قوله، والمقصود هنا ارتباط الأجهزة الأمنية بالاحتلال.

وبرأي مراقبين؛ فإنّ هذا ما كان ليتم لولا التنسيق الأمني بين الجهتين على مستوى يسمح لاستخبارات الاحتلال بمعاودة اقتحام المؤسسات نفسها التي داهمتها أجهزة الأمن، أو من هي على شاكلتها، في وقت متقارب، كما يتضمّن التصرف الصهيوني نوعاً من الشكوك، وعدم الثقة بالفلسطينيين، حتى لو ذهبوا إلى حدّ التعاون الأمني الكامل معهم.

4- إظهار فزع العناصر الأمنية التابعة للاستخبارات الفلسطينية، من تصوير القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، إلى درجة ملاحقة المصورين بعد أن شعرت به، لأنها كانت مكشوفة الوجوه.

والفزع هنا كما يتضح من الفيلم ليس خجلاً ناجماً عن التصوير لمصلحة الاحتلال ووسائله الإعلامية، ولجمهوره الموجّه إليه؛ وإنما لأنّ أولئك يحسبون للمستقبل، من احتمالات سيطرة المقاومة على الضفة، كما ظهر ذلك في نهاية العمل الوثائقي.

  • تنسيق أمني ..إلكتروني!

تُفرد المواقع الإعلامية المحسوبة على السلطة الفلسطينية مساحات موسعة توفر خدمات مؤكدة للأجهزة الاستخباراتية الصهيونية، من خلال تقديمها معلومات أمنية مجانية.

وبات من الواضح أنّ تلك الاستخبارات تجد في هذه المعلومات أرضية خصبة لتنفيذ عمليات هجومية بناء على المعلومات التي تقدمها المواقع إياها أو المشاركين فيها، عبر التعليقات على الأخبار.

وتلعب هذه المواقع دوراً رئيساً في تقديم المعلومات الاستخباراتية للعدو الصهيوني، من خلال كثير من الزوايا الذي تفردها لذلك، ولعل الزاوية الأكثر خدمة للاحتلال في هذا الشأن ما تسميها بعض المواقع "هذه الصورة لفلان الفلاني ندعوكم لكتابة ماذا تعرف عنه"، حيث يعرض الموقع صورة لأحد شخصيات المقاومة الفلسطينية، سياسية كانت أو عسكرية، ويهدف من وراء ذلك لاستجلاب معلومات استخباراتية عنها، ويبدأ الزوار ببث تعليقات مجانيّة تقدم معلومات لخدمة أجهزة الاستخبارات العسكرية الصهيونية.

ولا يقف الحال عند هذه الزاوية؛ فبعض الملتقيات والمنتديات الالكترونية تفرد مساحات كبيرة للخدمة المجانية للاستخبارات الصهيونية، وبالأسلوب نفسه تقريباً.

ففي أحد الملتقيات قدّم أحد المشرفين موضوعاً عنوانه "اكتب أسماء المحلات التجارية التي ينتمي أصحابها إلى حماس"، وقد طُرح الموضوع ذاته، في الوقت الذي قامت فيه طائرات الاحتلال باستهداف المحلات التجارية والصرافة، بحجة أنها تابعة للحركة، أو أنها تخدمها، وتتعاون معها.

  • أكاديمية التنسيق الأمني

في محاضرة ألقاها الجنرال الأمريكي "كيث دايتون" قبل أسابيع قليلة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، يعطي حيزا هاما منها لمفهوم "التدريب والتأهيل على التنسيق الأمني".

وبالتالي أن تدخل كلية للتعلّم، فهذا أمر طبيعي، لكن أن تدخل كلية لتخرج منها "عميلاً" للعدو، وبشهادة رسمية؛ فهذا أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام والشكوك حول طبيعة تلك "الكلية"، التي تحظى بزيارات أجهزة استخبارات عربية وغربية مختلفة.

إنها "الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية"، التي أُنشئت بمُبادرة من جهاز المخابرات العامة، وبدأ العمل ببنائها عام 1998، لكنه ما لبث أن توقف نتيجة اندلاع انتفاضة الأقصى، ويتكون مبناها الذي يقع شمال غرب مدينة أريحا، من ثلاثة طوابق مساحتها تزيد عن 4800م2، واستمر العمل على مدار ثمانية أشهر، حيث تكلفتها المبدئية 618 ألف دولار، يحاضر بها مجموعة من الأكاديميين وضباط الأمن، إضافة لضباط صهاينة وأمريكيين وغربيين.

يلتحق بالأكاديمية العشرات من الضباط برتبة ملازم فما فوق من مختلف الأجهزة الأمنية، للحصول على دبلوم مهني متخصص في العلوم الأمنية، حيث تضم الكلية عددا من المساقات الأكاديمية، أبرزها: اللغة العبرية، الذي يتناول تعلمها وقواعدها قراءة وكتابة، وتمكين الطالب من استخدامها وإجادتها والقدرة على الترجمة وكتابة النصوص والمحادثة- وهو ما يتماشى مع كونها قلعة لتلقين العناصر الجدد أساليب الخدمة الميدانية لجيش الاحتلال والتنسيق الأمني مع الأجهزة الصهيونية.

الصحفي الصهيوني "آفي سخاروف" في تقريره الموسع عن الأكاديمية، نقل عن أحد مسئولي الكلية تأكيده أن الضباط "سيتعلمون العبرية هنا، ولن يكون عندي ضابط لا يتقن اللغة العبرية، لأن هذه اللغة مطلوبة للغاية، وقادة أجهزة الأمن الفلسطينية في أمسّ الحاجة إليها، لأن المشكلة في الضباط الصغار في الميدان والمجندين الذين لا يتمكنون من الحديث مع الجانب الآخر الصهيوني عبر اللاسلكي، أو أجهزة الاتصال أو في اللقاءات الميدانية في أي نقطة ارتباط".

مهام متزايدة يتعاقب عليها هذه العناصر مع جنود الاحتلال، بينما تخوض قيادات الأجهزة اتصالات مكثفة ولقاءات متواصلة مع قادة الاحتلال، تحت شعار فضفاض عنوانه "التنسيق الأمني"، وضمن جدول أعمال محدد يتمثل في الوكالة الأمنية عن الاحتلال في استئصال المقاومة وملاحقة المقاومين والإجهاز على حركة حماس، وهي المهمة المسماة بلغة الدبلوماسية "تنفيذ المرحلة الأولى من خارطة الطريق".

وقد كشفت بعض المصادر أن الغلبة الغالبة من المتدربين الأمنيين هم شبان فلسطينيون وجدوا أنفسهم في المستنقع الآسن، واكتشفوا أنّ مهمتهم هي الشراكة في الميدان مع قوات الاحتلال، وتعقب الأهداف ذاتها؛ وأن الحالة المعنوية للمنخرطين في الأجهزة الأمنية تتردّى وتتفاقم، وتشهد تفاعلات متناقضة مع الذات، وسط مخاوف وحيرة تعبِّر عن ذاتها في النزوع إلى تغطية الوجوه بأقنعة سوداء، كي يتواروا خجلاً من مجتمعهم ومواطنيهم وأهاليهم، إنها حياة مزدوجة يمارسونها، بالقناع وبدونه، ويتحاشون بين ذويهم الإفصاح عن المهام الموكلة إليهم.

وبينما تتفاعل برامج التهيئة لانخراط الملتحقين الجديد أو من يجري "تأهيلهم" من زملائهم القدامى في التكيف مع استحقاقات التنسيق الأمني، فإنّ آخرين في الميدان يتجرّعون مرارته في حلوقهم ويمضون صامتين، خشية أن تلحقهم وصمة "جيش لحد"، قوات العملاء في الجنوب اللبناني المحتل سابقاً، لكنّ بعضهم يهمس في الآذان عن معايشاته الأليمة، مثل ما فعل أحد عناصر الشرطة في قلقيلية وهو يقول "عندما تأتينا الأوامر بالانسحاب فوراً من الشوارع نعلم أنّ جيش الاحتلال سيدخل المدينة".